رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ليلة الحنة

حمدي البطران
دعاني صديقي محمود‏,‏ إلي حضور حفل ليلة الحنة لإبنه الذي سيتزوج‏,‏ وهي الليلة التي تسبق ليلة الزفاف‏,‏ لم يسلمني دعوة مكتوبة‏,‏ ولكنه طرق باب منزلي‏,‏ وصافحني‏,‏ وأخبرني بالدعوة شفويا‏,‏ واكد علي ضرورة حضوري‏,‏ قائلا و مكررا‏:‏


ضروري تحضر.
كان الموعد بعد يومين.
اليوم, ذكرتني زوجتي بليلة حنة إبن صديقي محمود. تناولت بندقيتي الآلية, وضعت فيها خزنة مملوءة بالطلقات, وربطت فيها خزنة أخري, فيها عشر طلقات.
كان الوقت ليلا, بعد صلاة العشاء, مشيت كثيرا في شوارع قريتنا مظلمة, تجنبت السير بجوار الحوائط, حتي وصلت الي الساحة الشهيرة في قريتنا والمعروفة بساحة زاخرة, وهي إمرأة ماتت مقتولة, ويقال أن صاروخا كان يظهر علي هيئتها, ويصرخ بإسم القاتل الذي تعرفه قريتنا كلها, ولكنها تغاضت عن إملاء اسمه لرجال الضبط وقتها, خوفا من بطش القاتل, وتركته حرا طليقا, حتي مات علي فراشه, وشيعته القرية, محمولا علي الأعناق, كعادة قريتنا مع كل ابناءها, حتي الصالحين والعصاة منهم.
وهي الساحة التي تعقد فيها القرية حفلاتها, وتقيم فيها ايضا جنائزها, كما انها تعتبر ساحة قتال, عندما تتقاتل إحدي العائلات مع الأخري, لأي سبب من الأسباب.
تحفل ذاكرة قريتنا بمعارك طاحنة, كانت تقام في تلك الساحة, في عصور قديمة, وكانت الحكومة تنتظر بسياراتها وعرباتها وقواتها, تحت ظلال اشجار النبق والصفصاف, ولا تتدخل, حتي تضع الحرب أوزارها بين العائلتين, ثم تتدخل لحصر القتلي, وإرسالهم الي المشرحة, والمستشفي المركزي, والقبض علي المتهمين, قبل أن يهربوا شرقي النيل.
كانت الساحة مملوءة بالدكك الخشبية, وكراسي الفراشة بألونها الساخنة, وعناقيد من المصابيح الكهربائية الملونة تملأ سماء الساحة.
جزء من الساحة, خصص لوقوف الدراجات الموتوسيكلات والتكاتك والسيارات نصف النقل, وهي وسائل المواصلات التي جاء بها بعض المدعويين, من القري المجاورة, كانت هناك أعداد كبيرة من الرجال, اكثرهم من الشباب, جلسوا علي الدكك والكراسي, بعضهم يرتدي تي شيرت, ويلف حول رأسه وجبهته شال منقوش بالمربعات, مثل شال ياسر عرفات, وله طرف مجدول يتدلي علي ظهره, وبعضهم يرتدي الجلباب البلدي, بأنواعه المصري والسعودي والعماني, وكان معظمهم يمسكون في أيديهم العصي الغليظة وبنادق آلية, واخري خرطوش.
بدأت وقائع الحفل, وبدا مكبر الصوت يذيع أغاني عاطفية جريئة, لمطرب مغمور, وبعض الأغاني الشعبية من أمثال شعللها و أر.بي. جي و اديني عود كبريت وعمر الطاسة.
ثم بدأت حفلات الرقص الجماعية في الساحة, عشرات الشباب, يرقصون معا علي أنغام الأغاني, وفي أيديهم العصي, يرفعونها فوق رؤسهم, كانت العصي تضبط حركة إيقاعم.
شيئا فشيئا, حمي وطيس الغناء والطرب, وإنهمك الراقصون في الرقص بكل جوارحهم, وهنا انطلقت رخات من بنادق آلية عديدة علي دفعات, كل دفعة, تعقبها دفعة أخري أطول منها, إستمرت سيمفونية القصف حوالي ربع ساعة, والرقص محتدم, وعندما توقفت البنادق الآلية, سمعنا فاصل من زغاريد النساء المتصلة.
خلقت رخات الرصاص, مع زغاريد النساء الصارخة والحادة, جوا مفعما بالحماس والنشوة, مما أشعل حماس الراقصين, وانهمكوا بكل قوة, في الرقص العنيف, كانوا مغيبين, كأنهم في ملكوت آخر, الكل يرقص والكل يتمايل. كنت أجلس في مكان متوسط, يمكنني فيه متابعة ما كل يجري, وبندقيتي علي حجري, في تلك الساحة الغريبة المشحونة بالنشوة..
تحول المشهد الذي أراه أمامي, الي ما يشبه بركان هادر بالحماس وطاقة الشباب.
فطن أهل الحفل الي وجودي, ومعي آخرين جاءوا قبلي بدقائق أو بعدي, ثم جاء صديقي محمود, وقادنا الي داخل البيت الواسع, المشيد حديثا, عبر بوابته الحديدية الضخمة, المكفتة بالنحاس, المطعمة بالزجاج الملون. مما يعكس ثراء أصحابه وثروتهم.
أدخلنا حجرة واسعة, وجلسنا علي دكك خشبية, وبندقيتي بجواري, في غرفة واسعة, سقفها مرتفع, وبه أشغال ورسومات من الجبس, مازالت في طور الإعداد.
وضعت أمام كل منا منضدة بلاستيكية صغيرة, وبعدها جاء شاب فوضع عليها طبق به ترمس مالح, وشرائح خيار مملحة, وكمية من الفول السوداني المقشر والمالح أيضا, واللب السوري المعجون بالملح, وجاء شاب آخر يحمل سلة كبيرة بها علب البيرة, كانز] المثلجة, وخلفه آخر يحمل سلة مثلها, فيها زجاجات الكينيا الحديدية, مثلجة أيضا, وقام الشاب الأول بوضع علبة بيرة أمام كل واحد منها, ووضع زميله زجادة الكينيا.
انتصبت أمامي فجاة شيشة هائلة, كشمعدان شرقي صغير, يتوج هامتها حجر من الفخار, تعلوه جمرات حمراء ناصعة, عليها غلالة من الرماد, كانت الجمرات متقدة ومتوهجة وصافية, ملونة بلون البهجة الأحمر الشهواني, يتصاعد من منتصف الحجر خيط من الدخان الأزرق, يرتفع لأعلي, في نزاهة ورقي وسمو وترفع, وصل الي أنوفنا لاذعا ومنعشا.
وطافت علينا مباسم الشيشة العاجية, وعندما سحبت منها, شعرت في تلك اللحظة فقط, أنني أمام أجمل وأندر وأهم ما أنتجه الطبيعة البشرية في عالم التوهان الأرضي, والذي قال عنه الأقدمون, انه يذهب بك الي الجنة دون أن تعبر الصراط, مارد الشرق, دخنه أمرؤ القيس دون أن يعرفه, وجنكيز خان, وحسن البصري وتيمور لنك, وصلاح الدين الأيوبي, وكل أباطرة الشرق العظام, من بهرام الهندي, حتي ملوك ساحل الأطلنطي, وهو الجوهر المعروف في كتب العشق والتاريخ والقانون بالحشيش.
ولسبب غامض, شعرت بنوع من الغيظ والآسي في آن واحد, فسني ولا مركزي, يسمحان لي بشرف تدخينه, فقد اختبرته سابقا, ووجدت أن صدري ورئتي, غير قادرين علي احتمال سطوته وعنفوانه, ويصيبني بنوع كئيب من ضيق التنفس.
نظرت حولي, فوجدت آخرين قد جمعتهم الغرفة, وكلهم من أكابر القرية وشبابها, بعضهم وظائف مرموقة, مستشارون, وضباط كبار, وأعضاء مجالس نيابية, سابقون وحاليون, ورجال أحزاب, ووظائف أخري مرموقة, لست في حل من ذكرها.
وأصبحت الغرفة كلها غيمة كثيفة من الدخان الأزرق اللذيذ الرائحة, واختلطت أصوات الأغاني القادمة من الخارج, مع أصوات فتح علب البيرة الكانز, وخرير سائلها الأصفر الشفاف, يراق في أكوب كبيرة, ورغوتها الكثيفة تتوجه حافة الكوب العليا, وتنداح حوله.
وأمام إلحاح المضيفين الكرماء, كان لابد أن أشرب, وفتح احدهم, رغم معارضتي التي لم تجدي, زجاجة الكينيا, وأجبرت أيضا علي شربها, ثم جاءت زجاجات البيبسي, وكنت أعرف أنه عندما تشرب البيرة مع البيبسي, فإنها تحدث نوعا من الغياب غير الكامل عن الوعي, وإحساس عميق بالدوران اللذيذ, كأنك في ساقية تدور ببطء, وانت تنعم بصوت دورانها الجميل.
بعد ساعة, اقتادنا مضيفونا إلي غرفة أخري أوسع وأرحب, الغرفة مفروشة بالسجاد الفاخر, وهناك وجدنا الأكل, كان الأكل بسيطا وموحدا, صينية هائلة عليها كمية من الأرز, تعلوه قطع من لحوم الماعز, وهو قريب من طعم لحوم الغزال, بل هو ألذ, والخبز الطازج والزيتون المخلل.
وامتدت الأيدي المتوترة, تنهش اللحوم والأرز بلا هوادة, لاحظت أننا كنا نأكل بشغف ونهم, غير مبرر, وغير معهود منا, لا يتناسب وقارنا الوظيفي والعمري المفترض, والغريب انه لم تكن هناك شوك وملاعق. كان الضيوف يأكلون بأيديهم, يجمعون كتلة الأرز, ويقذفونها في أفواههم, بشراهة منقطعة النظير, كل هذا علي أنغام الأغاني الشعبية الصاعقة, التي تأتي من الخارج.
أكلنا وشبعنا, ثم خرجنا الي الساحة, حيث حلبة الرقص الكبري. كانت هناك مجموعتين من الشباب, كل مجموعة مكونه من أربعة أو خمسة من الراقصين, بعضهم كانوا يرقصون, وهم يضعون علي رءوسهم البنادق الآلية, وآخرون يرقصون بالسيوف المعدنية التي تلمع نصالها في الأضواء الملونة, وكان العرق يلمح حول أقفيتهم ورقابهم ويبلل أكتافهم.
كان رقصهم عنيفا وصعبا وقاسيا, في آن واحد كانوا منخرطين فيه بكل عنفوانهم, وشبابهم وقوتهم, مغيبون, تائهون, وكان رخات الرصاص وزغاريد النساء, تشكلان معا سيمفونية من العويل العميق الحزين البشع, يشبه الي حد كبير عويل القبائل الأفريقية التي ترقص وتصرخ بكل كيانها.
كان الشباب الواقفين خارج الحلبة, مندمجون في التصفيق, يشجعون الراقصين,.
النساء والبنات, تركن أماكنهن المخصصة لهن, وتابعن الراقصين اللاهثين, كن منبهرات برقص الشباب, المفعم بالرجولة والعنف, كن يرقبن المشهد, تائهات مغيبات, تتأملن معا صامتات, الرجولة المفعمة بالحركة والشهوة التي تلهث وتفح بعنفوان الذكورة, كانت كل واحدة ملتصقة برفيقتها, إلتصاقا مريبا, صامتان, منمجات, وكل منهن تلوك شهوة حاضرة وجاهزة..
فجأة إنطلقت طلقة بعيدة من بندقية, كان عيارها قويا ومكتوما.
كان مصدر الطلقة, في الجزء المظلم, في الساحة, البعيد عن الحفل, والذي لا تشمله الأضواء المتلألئة.
في أول الأمر, لم يحفل أحد بتلك الطلقة, ولكننا سمعناها, واستمر الطقس العنيف والموسيقي الصاخبة, وانضمت الي الراقصين مجموعات أخري, وخرج بعضهم, ممن أنهكهم الرقص وهم يلهثون.
ثم سمعنا صرخة إمرأة, وحيدة مجهولة المصدر, كانت خافتة في أول الأمر, وأعقبتها صرخات أخر. حادة, حزينة, كانت أقسي وأمر من الصرخات السابقة.
وتوقف كل شئ. وبهت الجميع.
وفي لحظة أخليت الساحة تماما, وعم السكون, وسمعنا بالقرب منا دفقات متتالية, من البنادق الآلية تعوي وتصرخ في الفضاء, ثم توقفت الطلقات بعد فترة, وعم السكون القاتل الرهيب, وبدأ البعض يجري, وخرج أصحاب الفرح بأسلحتهم, وسمعنا من يحاول أقناعهم بأن الأمر لا يعنيهم, فقد كان الأمر ثأرا قديما, قام به اصحابه, وانتهي الأمر, ثم جاء من يخبرنا ان هناك ثلاثة من القتلي. كان من عليه الثأر, بعض أقاربه, فأعملوا أسلحتهم الآلية, وقتلوا ثلاثة من المهاجمين, وعندها وضح الأمر, وقال واحد من الحاضرين موجها حديثه لأصحاب الفرح:
ربنا يتمم بخير.
وهي كلمة تقال دوما في الأفراح. مما يعني أن الأمر لا يعنيهم, وأن لا ينبغي أن يتوقف الفرح.
انتظرنا سيارات الإسعاف, لتنقذ من لم يمت, وسيارات الشرطة, لتقبض علي المتهمين.
أخبرني أحد المدعوين, أن سيارات الإسعاف مشغولة بحادث ثأري آخر, في بلدة مجاورة, والشرطة في ذلك الوقت, لا يهمها الأمر, كثيرا مادامت القضية ثأرا.
كنا واقفين نستمع الي تقرير من أحد مشاهدي العيان عن الحادث, يصف لنا تفاصيل الحادث المروع, وكيف أنه شاهد القتلة, وذكرهم بالاسم وهم يقتلون فتوح السكران, وشاهد أقارب فتوح وهم يقتلون موسي وجمعة ورجب, وقال أن هذا حدث, بعد انتهاء نوبة رقص في الساحة والتي كان فتوح بطلها.
وبعد أنتهي الرجل من تقريره, أعادة مرة ثانية تلقاء نفسه, وفي المرة الثالثة, أضاف تفاصيل جديدة, وقال إن القتلة كانوا متربصين بفتوح, وشاهدوه وهو ينتهي من الرقص, وهو مغيب عن الوعي, غير مدرك ما ينتظره, وكان يتأهب لركوب الموتوسيكل, وفي الرواية الرابعة قال إن القتلة كلهم ركبوا تكاتك وانطلقوا معديات الشرق وبعد أن انتهي الرجل من السرد للمرة السابعة, قالت امرأة: يخرب بيوتهم..... هاتوا الشمع والحنة نزف عريسنا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق