رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ذكريات مراسل فى 3 حروب أكتوبر 73 : الإبداع المصرى والشهامة العربية

محمود مراد
على صدر الكلام.. نتطهر ونتوضأ.. وندعو: رحم الله سبحانه وتعالى شهداء مصر فى حرب أكتوبر 1973 ـ وهى الحرب الخامسة فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى وشهداؤها فى حرب الاستنزاف (1967 ـ 1970)

 وهى الحرب الرابعة ـ وشهداء العدوان الاسرائيلى يونيو 1967 ـ الحرب الثالثة ـ ورحم الله جمال عبد الناصر الذى أعطى عمره لوطنه وأمته.. وأعاد بناء القوات المسلحة فى وقت قياسى بينما تشن حرب الاستنزاف فى نفس الوقت. ورحم الله أنور السادات صاحب القرار التاريخى بالحرب تحريراً للأرض والعرض ثم استشهد على يد الجماعة الإرهابية التى كان هو الذى سمح لها بممارسة أنشطتها لكنها غدرت به وخانته !

ورحم الله شهداء سوريا، والشهداء من الأشقاء العرب الذين شاركوا فى المجهود الحربي. ورحم الله كل من شارك فى هذا المجهود من هنا وهناك سواء كانت المشاركة فى ميدان القتال نفسه أو.. فى الجبهات المتعددة دعما مخلصاً وشريفاً.. وتجيء فى المقدمة عائلات المقاتلين وتجيء الزوجة والأم المصرية التى ضربت أروع وأنبل الأمثلة فى العطاء والصبر وقوة التحمل.

والتحية كل التحية لكل من شارك وكان فى الخدمة أثناء تلك الحروب ولايزال على قيد الحياة يجتر الذكريات وتختلط الدموع باشراقات الروح، ويرتجف الجسد قبل اللسان وهو يستعيد ماجرى وماكان..

ولهؤلاء وأولئك نأمل فى أن تبادر القيادة العامة للقوات المسلحة بمنح ميدالية تذكارية مع شهادة تقدير لكل من كان فى الخدمة العسكرية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة ـ أى من يونيو 1967 حتى مارس 1974 ـ لتكون ذكرى يسعد بها ويفخر ويتباهى بها الأبناء والأحفاد.. ولكى تكون حافزاً بأن الوطن ـ والقيادة رمز له ـ لا ينسى أحداً..

وبعد، فان الذكريات عن حرب أكتوبر وماقبلها.. بقدر ماتسعد.. بقدر ماتدمي.. وهذا شعور لا يعرفه إلا من كابد واعتصرته التجربة فعرف وتنفس معنى التضحية بالعرق والدموع والدم !

ومن صدر الكلام إلى قلبه للحديث عن حرب أكتوبر المجيدة، فانه من الضرورى الإطلالة على ماقبلها لكى نتفهم بسرعة ماجرى وماكان.. واستأذن فى القول أننى كنت مراسلاً حربياً ـ محرراً عسكرياً للأهرام منذ بداية الستينيات فى القرن العشرين والى السنة الرابعة، والسبعين بعد الألف وتسعمائة ـ أى نحو ثلاثة عشر عاماً شهدت خلالها البلاد أحداثاً عسكرية بالغة التأثير فى تلك الفترة ومابعدها.. ولابد لى من ذكر أننى لم أكن الوحيد الذى يعمل فى هذا المجال.. بل كان هناك زملاء أفاضل متفرغون لهذه المهمة بينما كنت أعمل فى مجالات أخرى ومهام مختلفة.. غير أن الأقدار ساقتنى إلى المجال العسكرى ولم يكن هذا رغما عنى بل كان محبباً لي.

وعلى أى حال فقد وصلنا إلى سنة 1967.. وتحديدا إلى شهر مايو، الذى تصاعد فيه التوتر فى الصراع العربى الإسرائيلي.. وكما هى العادة فإن ذروة وهدف الحرب النفسية التى اشتعلت والمناوشات العسكرية كانت مصر هى هدفها.. وإسرائيل هى محركها الظاهر ـ بينما المحرك الخفى كان فى عواصم الدول التى تخاصم العرب ـ وليس مصر فقط ـ وتستهدف تركيع الأمة.!

ولقد قيل ـ ولا يزال يقال ـ ان سبب الحرب هو قرار جمال عبدالناصر فى مايو بترحيل قوات الطوارئ الدولية التى كانت متركزة فى جنوب سيناء ـ نتيجة لحرب السويس ـ لضمان علامة فى البحر الأحمر إلى إسرائيل.. ولكن هذا لم يكن صحيحا لما يلي:

1 ـ أنه إذا كانت الأمم المتحدة ـ المسئولة عن هذه القوات ـ قد وافقت ونفذت فان الأمين العام للمنظمة «أوثانت» جاء الى القاهرة لبحث الأمر وضمانات السلامة لإسرائيل. ولقد كان قائد تلك القوات هو الجنرال الهندى «ريكي» وتصادف والتقيت به فى الهند منذ نحو سبعة عشر عاما.. وقد ذكر لى أن محادثات «أوثانت» فى القاهرة كانت إيجابية..

2 ـ ان الولايات المتحدة الأمريكية.. قالت انه يمكن ايجاد حل سلمى للأزمة. وتم الاتفاق على سفر زكريا محيى الدين نائب رئيس الجمهورية الى واشنطن يوم الأثنين الخامس من يونيو الى واشنطن لمباحثات مع الرئيس الأمريكى ليندون جونسون. لكن العدوان الاسرائيلى جرى فى نفس اليوم وكانت الولايات المتحدة تعلم بل كانت شريكة.. وتم وضع اللمسات النهائية لإتفاقها مع إسرائيل فى الاجتماع الذى تم فى واشنطن يوم الثلاثين من مايو بين مديرى جهازى المخابرات فى البلدين.

3 ـ هل يعقل أحد ان إسرائيل يمكن خلال أسبوعين فقط ان تعد نفسها ـ عسكريا ومدنيا ـ لشن هذا العدوان ضد ثلاث دول: مصر وسوريا والأردن؟ أم أن النية كانت مبيتة والاستعداد كان جاهزا ينتظر المبرر؟. وهذا هو ما حدث وفى مذكرات عزرا وايزمان ـ الذى كان وقتها قائدا للقوات الجوية ـ قال ان إسرائيل أدركت ان مشاركتها فى العدوان الثلاثى حرب السويس ـ عام ألف وتسعمائة ستة وخمسين كان هامشيا. أو ـ كما قال موشى ديان ـ فى مذكراته ـ أن دور إسرائيل كان مثل راكب دراجة يمسك ـ يتشعلق ـ فى سيارة قوية تصعد الجبل!

ويضيف وايزمان انه لهذا السبب وضعت إسرائيل خطتها على أن تقدر على العمل بمفردها. وقدرت ان يكون هذا بعد عشر سنوات من نهاية حرب السويس.. وحشد لهذا الغرض ما تريده وأكثر ـ وطبعا على أن يكون أى تحرك بعلم وموافقة الولايات المتحدة لتدعم.. وتنقذ عند اللزوم.!

وأمضى الى تعداد أسباب العدوان فى تلك السنة، فان اسرائيل قدرت انه خلال السنوات العشر بعد حرب السويس ـ وفى ضوء المشروع النهضوى للثورة ـ فان مصر لابد ان تتقدم ويصبح من الضرورى ضرب هذا التقدم وهدمه. وبالفعل فان مصر كانت قد نهضت داخليا بالانتاج الزراعى والصناعى وبالتنمية البشرية ونشر التعليم وحققت فى الخطة الخمسية فى الستينيات ـ أعلى معدل للنمو وهو سنة فى المائة.. ومضت قدما فى مشروع الفضاء.. وساعدت ـ وبقوة ـ على تحرير واستغلال دول الخليج.. ودول المغرب العربي.. والدول الافريقية وغيرها.. بحيث أصبحت الأمة العربية قسمات وملامح.. وللافارقة منظمة تجمعهم وتنسق بينه للتقدم والتطور.. وأسس جمال عبد الناصر مع نهرو وتيتو حركة عدم الانحياز.. وغير ذلك.. مما جعل اسرائيل وخصوم الأمة يعملون على افتعال الأزمة.. ومن بين ذلك شن حربا نفسية ضد مصر وعبد الناصر ومن مفرداتها وجود القوات الدولية على خليج العقبة فى جنوب سيناء.. ونشطوا فى هذه الحرب فى عواصم عربية واوروبية وامريكية بل وآسيوية، ايضا الى حد ان المشير عبد الحكيم عامر كان على رأس وفد يزور باكستان.. فوجد حملة ضد مصر ـ سياسية واعلامية ـ فلم ينتظر عودته بل أرسل برقية لعبد الناصر .. يخبره فيها بما وجد ويقترح طرد هذه القوات فورا!

وتفاصيل أدت الى الأزمة.. واصدار القرار.. وارتفعت حرارة شهر مايو.. ولاح شبح الحرب! وبدأ الاحتشاد.. وبدأت اتصالات وتحركات عربية واجنبية..

<<<<<

وفى الثانى من يونيو كان جمال عبد الناصر ومعه المشير عبد الحكيم عامر النائب الأول لرئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة والفريق محمد صدقى محمود قائد القوات الجوية فى قاعدة بلبيس الجوية مجتمعا بالطيارين يشرح الموقف وتطوراته، وقال ان مصر بادرت بغلق خليج العقبة أمام جنوب سيناء، كما أغلقت باب المندب أمام اليمن وهو مدخل البحر الأحمر وهذه خطوة مهمة، ومن ثم لا تستطيع ان تبادر ببدء الحرب لكى لا تفقد التأييد الدولى خاصة ان زعماء وفى مقدمتهم الرئيس الفرنسى شارل ديجول.. اكدوا الوقوف ضد من سيبدأ القتال، كما أن الرئيس الأمريكى سيلتقى خلال أيام مع نائب رئيس الجمهورية زكريا محيى الدين، ولذلك علينا ان ننتظر وفى نفس الوقت نتحسب للغدر الاسرائيلى وعموما فانهم فى تل أبيب لن يتحركوا إلا بعلم وتأييد الولايات المتحدة التى تجرى اتصالات معنا، ولهذا فان الفرصة أمامهم قبل اجتماع جونسون وزكريا يعنى يوم الاثنين فالسبت مقدس عندهم والاحد إجازة فى الغرب وقد يهاجمون بالطيران صباح الاثنين قبل اجتماع واشنطن.. فهل تستعد قواعدنا ومطاراتنا الجوية وما حجم الخسائر المتوقعة إذا فوجئنا؟ ورد الفريق صدقى محمود بأن الخسائر لن تزيد على خمسة عشر فى المائة. وعقب عبد الناصر بأننا يمكن ان نتحمل ذلك ونقوم بالرد بتأييد دولى ودعم يعوض خسائرنا.

وانتهى عبد الناصر من الاجتماع الذى توقع فيه احتمال الضربة الجوية قناصة بعد ان قامت اسرائيل بتشكيل حكومة جديدة قبل ثمانيةواربعين ساعة ـ فى الثلاثين «مايو ـ واعتبرها المراقبون وزارة حرب تولى فيها موشى ديان وزارة الدفاع لكن عبدالناصر لم يكن يعلم بلقاء مدير المخابرات الاسرائيلية مع نظيره الأمريكى فى واشنطون فى نفس يوم تشكيل حكومة الحرب.. للاتفاق على توقيت بدء العدوان!

<<<<<

وحسب الوقائع التى صارت معروفة فان ترتيبات القيادة العسكرية المصرية لم تتحسب للاحتمالات المتوقعة الى حد ان المشير عامر صباح يوم الاثنين ـ الخامس من يونيو الذى من المتوقع وفق تقديرات عبدالناصر ان يحدث فيها شيء ـ كان فى طريقه جوا الى طار المليز فى سيناء حيث اجتمع القادة فى انتظاره ولما حدث الهجوم.. اضطر الى العودة وأفلحت طائرته فى الهبوط ولم يجد سيارة فاستقل »تاكسي« إلى القادة..وبدأ يدير المعركة مع مساعديه..وأصدر قرارات انسحاب..وكان ما كان!!

خلال ذلك، وفى اليوم التالى لبدء العدوان ـ أى فى السادس من يونيو ـ كنت فى سيارة»الأهرام» فى الطريق الى الجبهة ـ غرب قناة السويس ـ وبدأت بالاسماعيلية لأعرف ما فيها والتقى القيادات العسكرية والمدنية.. ثم اتجهت إلى السويس لأفعل فيها نفس الشيء ولتكون مكانا لإقامتى واتخذت من مكتب «الأهرام» الذى كان يديره الزميل حسن غنيمة، مقرا لي.. حيث كنت اتجول طوال الوقت من السويس وحتى بورسعيد.. وما بينهما اتنفس ما يجرى وكان بائسا وحزينا، أشبه بمأساة اغريقية يختلط فيها الواقع بالخيال.. وتتضخم فيها الشخوص وتتضاءل بلا منطق! وكنت مع معايشة الواقع والغوص فى قاع الحياة.. التقى القيادات ومنهم مثلا حامد محمود الذى كان محافظا للسويس واللواء على صادق شرف الذى جرى تعيينه قائدا للقيادة العسكرية الشرقية ومقره الاسماعيلية.. ولطفى واكد ـ أحد الضباط الأحرار فى ثورة ثوليو.. وقد صار قائدا للمقاومة الشعبية ومقره القنطرة غرب ـ شمال الاسماعيلية. وفيما شاهدت وسمعت مالم أتوقعه..وبكيت دموعا حارقة.

واستمر وجودى المتواصل فى المنطقة.. التقى الضباط والجنود العائدين المتسللين مشيا على الاقدام وسعيد الحظ من وجد جملا يركبه ثم بسباحة عبر القناة أو خلسة فى قوارب.. وذلك كله بمساعدة أبناء سيناء وأفراد من الصاعقة والقوات الخاصة المصرية.. وكانوا يروون حكايات وحكايات عن الزملاء الذين سقطوا جوعا وعطشا.. وعن الهليكوبتر الاسرائيلية التى كانت ترى مجموعة من المنسحبين بلا أسلحة ولا معدات تحوم حولها وفوقها للتخويف والترهيب ثم فجأة تنقص على الأفراد وتنهال عليهم بطلقات الرشاشات والقنابل.. وفى مكان آخر يعطى الاسرائيليون أوامر للمصريين المنسحبين لحفر حفرة واسعة عميقة.. ثم يطلبون منهم الوقوف على حافتها وفى لحظة واحدة يطلقون عليهم نيران أسلحتهم فيتساقطون داخل الحفرة اما من ينجون من المجزرة فيطلبون منهم ردم الحفرة بالرمال.. وعندما يفرغون يطلقون عليهم النار ويتركونهم بين قتيل وجريح.

وهكذا.. وهكذا ووسط كل ذلك، وفى بداية الأزمة كان جمال عبدالناصر قد أعلن تنحيه فى اليوم التاسع من يونيو.. وقبلها بيوم واحد كنت فى السويس عندما أذاعت الاذاعة أغنية «أم كلثوم» التى كتبها حافظ ابراهيم ـ أنا ان قدر الإله مماتي..لاترى الشرق يرفع الرأس بعدى وفى تلك اللحظة ضاع منى بصيص الأمل وأدركت بدموعى التى تساقطت انه لا أمل واتصلت تليفونيا بالمحافظ فجاء فى صوته المختنق معبرا عن الموقف!!

هكذا كانت ليلة سوداء، ظللت فيها أنا وحسن ومجموعة من العسكريين والمدنيين ساهرين حتى صبح الصباح وسحبت أقدامى الى غرفة الفندق الذى أقيم فيه لأرتمى على الفراش..ثم .. وبعدما عدل عبدالناصر عن قرار التنحى باستفتاء شعبى كاسح .. بدأت عملية إعادة ترتيب البيت وتولى الفريق محمد فوزى منصب القائد العام وزير الحربية، واللواء عبدالمنعم رياض منصب رئيس اركان القوات المسلحة .. وجرى اتخاذ ترتيبات واجراءات وضوابط حاسمة وعملية اعادة البناء للجيش وبدء حرب الاستنزاف بمراحلها المتعددة .. بدءا من ضرب المدمرة إيلات أمام بورسعيد بلنشات الصواريخ المصرية فى الاسبوع الأخير من يونيو نفسه وأيضا، وفى نفس الوقت وانتصار القوات المصرية فى معركة رأس العش شرق القناة ـ ومنع اسرائيل من الوصول الى بور فؤاد الى تفجير مخازن الذخيرة المصرية فى سيناء ـ الشهر التالى يوليو وفى الشهر نفسه قامت طائرات القوات الجوية المصرية بضرب مواقع إسرائيلية فى سيناء .. وبدا ـ من هذه العمليات وغيرها ـ ان الجيش المصرى قد أصيب .. لكنه أبدا لم ينكسر ولم ينته!

ويهمنى هنا التركيز على نقاط أساسية:

1 ـ إن الجبهة الداخلية كانت حاضنة وراعية للقوات المسلحة، باعتبار أن هذه القوات جزء من الشعب وتعبير عنه. ولم يطلب أحد من الناس أن يرتدوا »الكاكي« ويمشوا بخطى عسكريا وإنما يمارسون حياتهم ويمرحون، وفى نفس الوقت ينتبهون ويجدون، ويتجسد هذا على مستوى المجتمع وعلى مستوى الأسرة، وإذا كنت قد ضربت مثلا بأمى وما قالته ويمكن أن أذكر المزيد، فإننى أشير إلى مكان وآلاف الأمثلة الأخرى لأمهات مصريات فى كل انحاء مصر، ولا أنسى مثلا أنه عندما ذهب ضابط صديق ـ كما روى لى إلى بلدة فى الصعيد لتسليم جثامين ستة من الشهداء ـ خلال حرب الاستنزاف ـ وكانت سلطات الأمن قد أخذت خبرا تحسبا لأى طارئ ومنها إنتشر الخبر فى القرية، ولذلك عندما أصبح الضابط والسيارات المرافقة على مشارفها.. فوجئ بمظاهرة تستقبله وأمهات الشهداء تستقبل أبناءها بالزقازيق.. والرجال يهتفون: «إلى الجنة».

2ـ ان المقاتل على الجبهة مع شعوره بدفء الجبهة الداخلية.. كان مطمئنا إلى أن عمله ينتظره ـ إذا كان معينا فى جهة ما ـ وانه بسبيله إلى الاحتفاظ بعمل إذا جاء عليه دور التعيين، كما أن الذى كان يعمل تقرر بالنسبة له أن يصرف شهريا نصف راتبه.. وأما الذى لم يلتحق بعد بوظيفة فإنه يأخذ نصف الحد الأدنى حسب مؤهله.. وذلك علاوة على راتب الجيش، وعلى وسائل المعيشة التى كانت فى تحسن. ومن كان يستبقى فى الاحتياط بعد المدة العادية.. تحسب له مضاعفة فى المعاش..

3ـ ان شعار «التدريب يوفر كثيرا من العرق والدم» كان منفذا تماما وأساليب علمية راقية.

4ـ انه فى المهام الكبرى حدث تطور خطير فى القوات المسلحة، بحيث يؤخذ رأى الفرد فلا يفرض عليه. ومثلا فإن قرارا صدر من رئيس الجمهورية ـ القائد الأعلى للقوات المسلحة بأن يكون الاشتراك فى «السرايا الخاصة» بموافقة كتابية ممن يشترك فيها. وهذه السرايا هى التى تقوم بالعبور ليلا لقناة السويس والتسلل إلى ما وراء خطوط العدو لتنفذ مهاما دقيقة ثم تعود. وهكذا وأمامى جرى تشكيل السرية الخاصة فى اللواء 136. وقادها النقيب أمين عيسى وضم عددا من الأفراد، وكنت أشاركهم بالتوجيه المعنوي.. شرحا للتاريخ والسياسة والأهداف الاستراتيجية..

5ـ انه فى القرارات المهمة كان يطبق نفس الأسلوب.. أى باستطلاع آراء القاعدة.. ولهذا فإنه عندما ثار الجدل حول كيفية التعامل مع خط بارليف، طلبت القيادة العامة استطلاع رأى القاعدة، ومن ذلك ماجرى فى أحد تشكيلات الجيش الثالث عندما تحدث المقدم مهندس باقى زكى يوسف وقال بفكرة استخدام مضخات المياه فى تعرية الخط من الرمال ثم بعد ذلك التعامل معه بالمدافع، ولعله من المهم القول إن باقى زكى لم يكن مدعوا أساسيا فى الاجتماع. فقد كان ضابط حملة ـ أى للسيارات ـ بحكم تخصصه الهندسي.. لكنه حضر وتحدث خجولا وكان ماقاله هو الفيصل!

<<<<<

وأعود إلى اللواء 136 مشاة ـ الذى كنت مجندا فيه ـ وقد تميز بأن أخطر فصول حرب الاستنزاف قد بدأ من القطاع المسئول، وفى نفس هذا القطاع ـ الذى ضم موقع المعدية رقم 6ـ استشهد اللواء الجنرال الذهبى عبدالمنعم رياض.

كانت تلك الأيام فى مارس 1969 حبلى بالأحداث المتلاحقة فى حرب الاستنزاف التى إعتبرها الاسرائيليون ـ وفى مقدمتهم مناحم بيجين رئيس الوزراء خلال مباحثاته مع أنور السادات 1980 ـ «حربا مستقلة» فى سجل الصراع العربى الاسرائيلي.. وقد تصاعد الاشتباك بالنيران بين الطرفين على جانبى القناة خاصة يومى 6و7 مارس، حيث قام القناصون المصريون فى كتائب اللواء 136 مشاة بدور عظيم لاصطياد الجنود الاسرائيليين على الضفة الشرقية خاصة الذين كانوا يعملون على المدافع.. وفى اليوم السابع من مارس بدأ العدو يقصف نيرانه وردت عليه القوات المصرية.. ثم جاء اليوم التالي.. ووفق خطة محكمة لتأديب الاسرائيليين انطلقت المدفعية المصرية تدك العدو.. ولعبت مدفعية اللواء والكتيبتان 537 و538 دورا بارزا عندما فاجأت العدو فى الفترة المسائية وإلى منتصف الليل الذى تراجع ظلامه أمام وهج النيران.

وصباح اليوم التالى بدا الهدوء نسبيا.. وكنا فى قيادة اللواء مشغولين، كل فى مهامه داخل حجرات فى بيوت صغيرة كانت أساسا منازل لمنتفعى الاصلاح الزراعي، عندما جاءت سيارتان جيب.. أمام مقر قائد اللواء الذى سارع بالخروج عندما ألفته الحراسة بوصول السيارتين وبهما «رتب كبيرة» ليجد القائد نفسه أمام اللواء عبدالمنعم رياض وبصحبته اللواء سعدى نجيب رئيس أركان الجيش الثاني.. ودار حوار سريع أنهاه رياض برغبته فى أن يذهب إلى الموقع الأكثر تقدما على الجبهة ليلتقى بالمقاتلين الرجال الذين نفذوا معركة الأمس.. وعرض قائد اللواء ان يصحبه بنفسه لكنه رفض حتى يواصل القائد مهامه.. ومن ثم صحبه النقيب أمين عيسى إلى الموقع الأمامي.. ليلتقى الجنرال الذهبى وهذه صفة عندما درس فى الاكاديميات العسكرية شرقا وغربا ـ وداعب المقاتلين وشكرهم وأعطاهم شحنة حماس هائلة.. وأثناء ذلك بدأ العدو يقصف نيرانه بعد ان شاهد على الناحية المقابلة ـ حيث مواقعنا ـ حركة غير عادية ـ ،خاصة وعرض القناة فى هذه المنطقة أضيق من غيرها ـ واصدر عبدالمنعم رياض أمره الى الضباط الذين كانوا حوله لينصرف كل منهم إلى موقعه.. واتجه هو إلى بقعة أرض منخفضة ليجلس فيها ويراقب بينما أتجه اللواء سعدى نجيب الى بقعة أخري.. وعندما توقف القصف المتبادل.. عاد الضابط يتفقدون.. واذا بهم يسمعون صوت سعدى نجيب فاتجهوا اليه ليجدوه مصابا إصابات خطيرة.. لكنه وببطء قال لهم ان يبحثوا عن سيادة اللواء عبدالمنعم رياض.. فكان ان وجدوه راقدا مبتسما راضيا مطمئنا.. بلا جروح.. لكن بلا حياة فقد أصيب فى الدورة الدموية وفى الجهاز الهضمى من جراء تفريغ الهواء ـ حيث كان بسبب شدة القصف واستمراره..

وكان هذا اليوم التاسع من مارس 1969.. حزينا مأساويا.. بكى فيه جمال عبدالناصر.. وكان فى مقدمة الجنازة العسكرية الرسمية الشعبية كثيفة العدد التى شيعت الفريق ـ وهى الرتبة التى قررها له عبدالناصر ـ عبدالمنعم رياض إلى مثواه الأخير.. وصار اليوم.. هو يوم الشهيد.. يحتفل به سنويا تقديرا للشهداء الأبرار.

وعدت لممارسة عملى كمراسل حرب مزودا بخبرة عملية ، بعد خروجى من الخدمة عقب إصابتى فى العمود الفقرى فى سبتمبر 1969، واستمرت حرب الاستنزاف فى تصاعد أذهل العدو.. وبلغت ذروته فى اسبوع تساقط الطائرات السريع فى آخر يوليو الف وتسعمائة وسبعين، عندما كانت الطائرات الفانتوم الإسرائيلية ـ الأمريكية الصنع ـ تتهاوى على أرض سيناء بالمدفعية المصرية المضادة.. وسجلت العسكرية كيف ان السلاح بالرجال وليس الرجال بالسلاح.. وان الفرد المقاتل هو المبدع .. فقد كانت الظاهرة الملحوظة والمسجلة ان المقاتل الفرد يظل يستخدم مدفعه ويصوبه ويصيب به الطائرات مهما كان عددها حتى ولو استشهد رفاقه المعاونون.. ويستمسك بالمدفع الى ان تتكاثر عليه النيران فيلتحم بالمعدة.

ونتيجة لهذا الضغط طلبت إسرائيل هدنة لوقف إطلاق النيران.. فأعلنت واشنطن عن مبادرة روجرز ـ وزير الخارجية ـ ووافقت مصر وتنفذ اتفاق الوقف فى الثامن من اغسطس . وكان قبول عبد الناصر للهدنة ومدتها ثلاثة أشهر ـ مثار دهشة عند البعض ـ ومنهم عناصر فلسطينية ـ ولم تفصح القاهرة عن السبب الذى كان فى غاية الأهمية ـ كما اتضح فيما بعد ـ وهو ان تقوم القوات المسلحة سرا ببناء حائط الصواريخ غرب القناة.. لتكون منصة لإطلاق الصواريخ التى يمتد تأثيرها إلى نحو عشرين كيلو مترا شرق القناة، فتحمى بذلك القوات المخطط لها ان تقتحم وتعبر القناة وتستولى على خط بارليف ولقد تم البناء فى ظروف قاسية خلال أربعين يوما فقط كانت خلالها الطائرات الإسرائيلية تخرق اتفاق وقف النيران وتهاجم فيسقط شهداء عسكريون ومن المدنيين المشاركين فى البناء.. لكن لم يتوقف العمل.. والمدهش ان إسرائيل لم تكشف ما كان يجرى وأذاعت متهكمة ان مصر تبنى مصاطب ومقابر على عادة الفراعنة!

<<<<<

وبعد رحيل عبدالناصر وتولى الرئيس أنور السادات السلطة، جرى فى سرية تامة تحديث ما كان موجودا من خطط وبرامج... وجرت اتصالات مع سوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد، واتفقت القاهرة ودمشق على بدء العمليات العسكرية لتحرير الأرض المحتلة فى اليوم السادس من أكتوبر سنة الف وتسعمائة وثلاثة وسبعين.

وأكثر من هذا.... فقد تحددت الدقيقة الخامسة بعد الساعة الثانية ظهرا لكى تبدأ العمليات فى الجبهتين: المصرية والسورية..

ولم يكن تحديد ساعة «الصفر» سهلا... ولم تكن الحرب نفسها ـ باستعداداتها ـ سهلة... فقد سبق ذلك اعداد علمى يؤكد قدراتنا على العمل والإنجاز ومواجهة أصعب التحديات، فالحرب ليست مغامرة... والمعارك ستكون داخل الوطن وليست خارج حدوده... والخسارة ـ لا قدر الله ـ ستلقى بمصر والأمة العربية كلها فى أسر استعمار استيطانى يفوض دعائمها واركانها... فهى وبحق «معركة مصير» ومعركة «أن نكون أو لا نكون».

<<<<<

لقد ناقشت عددا من القادة ـ الذين شرفت بمعرفتهم، وفى مقدمتهم المشير محمد عبد الغنى الجمسى عما جرى وكيف جري؟ وكانت الإجابة، هى الالتزام بالأسلوب العلمى بدءا من تحديد «الهدف» الذى تريد.. ثم العناصر البشرية القادرة على التنفيذ وتدريبها تدريبا عاليا وتزويدها بالامكانيات والمستلزمات المطلوبة... ووضع خطة للعمل تفاجئ العدو وتضاعف من النتائج...

وهكذا... وبعد حسابات عميقة عن الأوضاع فى الجانبين.. وعن الحالة المعنوية للجنود هنا وهناك... وعن حالة الجو وتقلبات المناخ... والعادات والتقاليد... تحديد يوم السادس من أكتوبر، وأنه كان يوم سبت ـ يوم الإجازة الأسبوعية لدى إسرائيل ـ وكان أيضا يوم «عيد الغفران».. أى أن إسرائيل ستكون فى استرخاء كامل خصوصا، وأن خطة نفسية وإعلامية جرى تنفيذها... أعطت انطباعا بأن الحال كما هو عليه فى العامين الاخيرين «جثة هامدة» على حد تعبير مستشار الأمن القومى المصري، فى واشنطن قبل الحرب!...

ولعلى أضيف أن المصريين كانوا يريدون بدء العمليات فى الصباح.. لكن السوريين قالوا إن الشمس فى ذلك التوقيت ستكون فى مواجهتهم ـ فى أعين المقاتلين ـ ومن ثم ستعوق المدفعية... وما بين هذا وذاك... وافق الجانبان على اقتراح حافظ الاسد بأن يكون التوقيت ظهرا.. وتحددت الساعة الثانية وخمس دقائق.. مع الالتزام بالدقة المتناهية..

<<<<<

وكان يوم السبت السادس من اكتوبر فى تلك السنة يتوافق مع اليوم العاشر من شهر رمضان الكريم... وكان فى نصفه الأول يوما عاديا.. حيث كنا نعمل روتينيا.. ولكن فى الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر سمعنا من الاذاعة، وكذلك التليفزيون بيانا عسكريا بأن العدو الاسرائيلى يطلق نيران مدفعيته مهاجما موقع الزعفرانة فى قطاع البحر الأحمر.. وبدأنا نقلق ونجرى اتصالاتنا لكن دون ان نصل الى اجابة شافية.. وبعد أقل من ساعة صدر البيان الأول من بيانات الحرب المجيدة.. فانه فى الدقيقة الخامسة بعد الساعة الثانية انطلقت مائتان واثنتان وعشرون طائرة من القوات الجوية المصرية وعبرت قناة السويس لتهاجم وتدمر مراكز القيادة والمسيطرة ومخازن الأسلحة والذخيرة ومهابط الطائرات الخاصة بالعدو الإسرائيلى في.. وقد عادت كل الطائرات سالمة الى قواعدها بعد تحقيق مهمتها بنجاح فيما عدا طائرتين.. كان يقود أحدهما الطيار عاطف السادات شقيق رئيس الجمهورية..

وفى اللحظة التالية لعودة الطائرات.. انطلق جحيم النيران من المدفعية المصرية على طول الجبهة من بورسعيد شمالا الى البحر الأحمر ـ جنوبا ـ تدك مواقع العدو.. وفى نفس الوقت ووسط صيحات «الله اكبر» التى رددها المقاتلون المصريون.. اندفعوا الى مياه القناة مع القوارب يحملون عليها مضخات المياه التى كانت مصر قد اشترتها من المانيا وبريطانيا بحجة حفر آبار للمياه فى الوادى الجديد بالصحراء الغربية.. وبسرعة مذهلة وتحت نيران أطلقها العدو ضد الرجال.. وصلوا الى الشاطئ الشرقى للقناة، ونفذوا ما سبق ان تدربوا عليه.. فأطلقوا مدافع المياه على خط بارليف ليهيلوا الرمال ويكسحوها.. ودون انتظار ان تفتح المدفعية ثغرات فى هذا الحصن المنيع (!!).. تسلقه المقاتلون فى شجاعة نادرة وهاجموا أفراد العدو الذين كانوا قد فوجئوا ـ وعلى حد تعبير قائد اسرائيل ـ «فقد فوجئنا قبل ان نرتدى ملابسنا» !!

وبعد ست ساعات فقط.. كان خط بارليف قد سقط فى أيدى المصريين ورفعوا فوقه علم مصر.. عدا موقع رئيسى فى الشمال وآخر فى الجنوب استمرت مقاومة كل منهما لساعتين أخيرين قبل ان يستسلم.. وبرغم هذا العمل البطولى غير المسبوق.. والابداع الذى أذهل، فان عدد الشهداء المصريين لم يتجاوز ستمائة شهيد وكانت بعض التقديرات تتوقع ان يسقط عشرون ألف شهيد..!

واذا كانت الفرحة قد زغردت فى سماء مصر وجوفها.. فانها كانت بنفس الدرجة على امتداد الأمة العربية كلها.. ومع التظاهرات العربية المؤيدة.. فان القيادات العربية عبرت عن الشهامة العربية وأصالتها.. ففى أبو ظبى قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة ان البترول العربى ليس أغلى من الدم العربي».. وأبدى استعداده للوقوف الى جانب مصر،، مستخدما سلاح البترول.. وواضعا امكانات بلده فى خدمة المعركة..

ونفس الموقف كان لخادم الحرمين الملك فيصل بن عبد العزيز.. وبدأ اتصالاته وتحركاته العربية والأجنبية.. وكذلك فى الكويت.. وفى غيرها.. وأيضا الجزائر والمواقف العظيمة للرئيس هوارى بومدين.. وكذلك ليبيان وغيرهما.. فقد كان العبور للنصر مصريا.. و.. عربيا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق