رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشعب المصرى .. بنيان مرصوص حتى النصر

هاجر صلاح :
احد الاسرى فى حوار مع الاعلام المصرى
فى المساء عندما يبدأ ماراثون برامج التوك شو على الفضائيات المتصارعة، ويتعالى صراخ الضيوف، ما بين خبير استرتيجى وأمنى وعسكرى واعلامى ، كل برأى ووجهة نظر وتحليل وتفسير ورؤية ، نتساءل –وتمتمات الحمد تجرى على ألسنتنا- ماذا لو كانت هناك فضائيات وبرامج توك شو أثناء حرب اكتوبر؟! الاجابة : وضع كارثى بكل المقاييس..

عندما عدنا لنفتش فى صفحات الاهرام - ديوان الحياة المعاصرة كما وصفها المؤرخ الراحل الدكتور يونان لبيب رزق- حاولنا رسم صورة لحياة المجتمع المصرى قبل وأثناء الحرب، لنكتشف بالفعل وجود لحظة فارقة بين الزمنين.

قبل الحرب بأسابيع قليلة لم يكن هناك شيء غير عادى يشير الى ان هذا البلد مقبل على حرب تاريخية، أو أنه على موعد مع معركة شرسة. فبالرجوع الى اعداد "الاهرام" فى شهر سبتمبر نجد إعلانات غزيرة عن الحفلات الساهرة لكبار الفنانين مثل فايزة احمد وشادية ونجاة ومحرم فؤاد فى الكازينوهات ، وسهرات "غير عادية" –كما جاء وصفها- للرقص بالشمعدان وحفلات راقصة لنجوى فؤاد وزيزى مصطفى وفرقة الفنانة صفية حلمى ، مع اقوى عروض السيرك السوفيتى والبولندي، وتستقبل المسارح جمهور "مدرسة المشاغبين" بينما تقدم فرقة ثلاثى اضواء المسرح" اضخم كوميديا استعراضية " بعنوان "روميو وجولييت" ، و تعج دور العرض السينمائية بأفلام "خللى بالك من زوزو" و"حمام الملاطيلي"، و"الشياطين الثلاثة "و"البحث عن فضيحة"، و"ثرثرة فوق النيل" ، بينما يدعو صناع فيلم "شيء من الحب" جمهورهم لساعتين من الضحك المتواصل .

الحدث الابرز انذاك كان اعلان دولة الوحدة مع ليبيا فى الذكرى الرابعة لثورة الفاتح من سبتمبر.. تلك الدولة التى تؤكد "استمرار الثورة العربية ومبادئها وتعد كل طاقاتها من أجل معركتها الكبيرة على طريق تحرير الارض واستعادة الحق وبناء الدولة العصرية القومية".

لا شيء يبدو غريبا او غير معتاد، فالمصريون يبدأون العودة من المصايف وتحديدا من الاسكندرية، بعد انتهاء الموسم وبدأت الاسر تستعد لاستقبال سنة دراسية جديدة وشراء مستلزمات المدارس، بينما استعد "الصالون الاخضر" و"عمر افندي" بطرح أحدث خطوط موسم الخريف والشتاء، ويمتد عرض اوبريت "عريس وعروسة" لعزت العلايلى ونجوى فؤاد للشهر الثالث.. يأتى ذلك فى ظل تأكيدات من الرئيس السادات على الصفحات الاولى للجريدة على اهمية " التوصل الى التسوية السلمية العادلة لاستعادة اراضينا وكل الاراضى العربية فى الاردن وسوريا تنفيذا لقرار الامم المتحدة 242".

وفى صدر الصفحة الاولى لعدد الاهرام الصادر فى 5 سبتمبر- أى قبل الحرب بشهر- نجد خبرا صغيرا عن تأجيل الدراسة بالمدارس والجامعات الى تاريخ 6 اكتوبر ! ولا نعلم اذا كان ذلك يدخل فى خطة التمويه وخداع العدو ام أن الامر مجرد صدفة !

مازالنا فى شهر سبتمبر وقبل ايام قليلة من شهر رمضان ، حيث تمثل هند رستم للاذاعة لاول مرة فى رمضان مع فريد شوقى وأحمد مظهر، و90 مليون جنيه تكلفة خطة عاجلة لاعادة تخطيط المرور بشوارع القاهرة وطرح 800 ميكرباص واتوبيس جديد، وعلى المسرح تبدأ فرقة رضا فى تقديم "اضخم عمل استعراضى على مسرح ام كلثوم بعنوان"على بابا والاربعين حرامي" ووسط كل هذا الهدير يخطب انور السادات فى ذكرى رحيل عبد الناصر مؤكدا ان تحرير الارض احد اهم المهام فى المرحلة القادمة..

يهل شهر أكتوبر ببداية عادية لا تثير اى قلق، فالموسم المسرحى الجديد يبدأ بثلاث مسرحيات لمؤلف شاب اسمه وحيد حامد، ويمتد عرض "خللى بالك من زوزو للسنة الثانية، وتعرض السينما لاحمد رمزى فيلم "آخر جنان"، بينما يطل فؤاد المهندس على جمهوره بـ"عودة أخطر رجل فى العالم"!

وقبل معركة النصر بيومين فقط لاغير نجد خبرا صغيرا فى صفحة "الدولة" بعنوان :" الخميس اخر موعد لتقديم العسكريين للعمرة، جاء فيه ان الفريق اول أحمد اسماعيل -وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة- وافق على السماح لضباط وافراد القوات المسلحة باداء العمرة خلال هذا العام.. وهو ما يدخل كما علمنا لاحقا ضمن خطة خداع العدو.. اللافت للنظر انه فى العدد نفسه ،يأتى الخبر الرئيسى فى الصفحة الاخيرة عن قيام جامعة الدول العربية بتأسيس وتمويل فرقة مسرحية لمعالجة مشاكل الوطن العربى وانتقاد عيوبه الاجتماعية ! اى ان دور الجامعة العربية انتقل من الدور السياسي- كما هو منتظر ومتوقع فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ العرب- الى الدور الفنى !

حتى صباح 6 اكتوبر لم يكن بالاهرام اى شيء دال على قرب معركة تاريخية فاصلة، سوى مانشيت الصفحة الاولى حول توتر على جبهة قناة السويس، بينما يخصص صلاح جاهين كاريكاتيره لطابور الجمعية ! فهو اهم ما يشغل المواطن المصرى حينها..

نقطة تحول

ومع عدد صباح الاحد 7 اكتوبر بدأت تلوح فى الافق مرحلة جديدة، وكأن الهدوء السابق هو الذى كان يسبق العاصفة، بعد أن عبرت القوات واقتحمت خط بارليف كما جاء فى مانشيت ذلك اليوم، وتم وقف الدراسة بالمدارس الابتدائية والاعدادية، وصدر قرار بانتهاء العمل فى المسارح والسينمات فى الحادية عشرة مساء، لكن لا يمنع ذلك ان تستمر اعلانات مدرسة المشاغبين "كوميديا المليون مشاهد" ، وأن تنضم "زوزو" الى سينما جديدة، وأن يعلن فندق ونتر بالاس- اقدم فنادق الاقصر- عن فتح أبوابه بعد ادخال التكييف لجميع غرفه وهو محجوز بالكامل حتى نهاية مايو 74!

بدأ التوتر يظهر على صفحات الاهرام تباعا فنجد فى صفحة "الدولة" عناوين من مثل: ماذا تفعل عند حدوث الغارة، والمجمعات الاستهلاكية تعمل فترة نهارية واحدة، ونداء للمتبرعين بالدم لتسجيل اسمائهم وعناوينهم فى مراكز جمع الدم مع احتياطات خاصة بحديقة الحيوان حيث اعدت الحديقة 25 قفصا من الحديد لنقل الاسود والنمور والدببة وهى الحيوانات التى يخشى منها على الجمهور فى حالة حدوث غارات ، لكن مع ذلك نجد خبرا يشير الى ان الافواج السياحية بمصر تصر على استكمال برامجها ولا تشعر باى خوف او ترى ضرورة لقطع رحلاتها.

وفى الايام التالية ظهر التماسك الشعبى فى اوج ازدهاره، فالضباط المتقاعدون يطلبون الالتحاق بالقوات المقاتلة، وبدأت تظهر نوعية جديدة من الافلام السينمائية مثل "رد قلبي" و"فجر الاسلام"، وتحركت الوحدات السينمائية المجهزة تجهيزا كاملا الى الجبهة لتسجيل الاحداث.

وفى صباح 11 اكتوبر تطالعنا الاهرام بخبر عن قيام جميع الفرق المسرحية الخاصة بالغاء عروضها، ومن بينهم الفنانون فؤاد المهندس وتحية كاريوكا وامين الهنيدى ومحمد رضا ،وطلبوا المشاركة فى القاء القصائد الشعرية التى تبدأ بها مسارح الدولة عروضها، بينما تبدأ فرقة رضا تقديم تابلوهات وطنية على مسرح ام كلثوم. وتقوم الثقافة الجماهيرية بدورها فى تعبئة المواطنين فغيرت برامجها ووضعت خطة جديدة "تماشيا مع المعركة التى نخوضها"، اعدها وزير الثقافة يوسف السباعى مع الكاتب سعد الدين وهبة ، وكان من بينها اذاعة البلاغات والبيانات الخاصة بالدفاع المدني، وقيام فرق الانشاد الدينى ترديد الملاحم والبطولات المصرية عبر التاريخ فى الميادين والمواقع الجماهيرية، وأن تعرض جميع دور السينما التى تملكها الثقافة الجماهيرية افلاما وطنية وعسكرية، ويعاد فتح مسرح"الساحر" لتقديم مسرحيات وطنية تبدأ بمسرحية "على الزيبق" ، وتنظم قصور الثقافة معارض للكتب العسكرية والوطنية والفن التشكيلي، كما قامت فرقة الموسيقى العربية بالغاء حفلها التى كانت ستبدأ به موسمها، وحذت حذوها اوركسترا القاهرة السيمفونى فألغت حفلاتها، وعلى مسرح الطليعة يبدأ عرض مسرحية" الغول" التى كما جاء وصفها فى الاعلان "تعكس انتصار الشعوب على قوى الاستعمار الغاشمة" والدخول بدون مقابل، بينما تقدم فرقة رضا وسيرك الجيزة القومى عروضا مجانية بمناسبة" الانتصارات المجيدة لجيشنا الباسل".

ولا تنسى الكنائس رفع الصلوات " لنصرة قواتنا المسلحة وكى يكلل الله معركتنا المقدسة بالنصر الكامل"، بينما يطلب فنانو القاهرة والاسكندرية ومن بينهم سيف وانلى وحامد عويس السفر الى جبهة القتال لتسجيل المعارك المنتصرة فى لوحات، وفى 13 اكتوبر يتم الاعلان عن فرض ضريبة الجهاد لاشراك المواطنين فى اعباء المعركة على ان تخصص حصيلتها لدعم القوات المسلحة حتى يتم تحرير الارض،وتشمل السجائر والبنزين والسفر بالسكة الحديد والمشروبات الكحولية، لتكون ربما الضريبة الوحيدة التى لم تحتج لاى تبريرات، ولم يكن هناك اى حرج او قلق من فرضها كما هو المعتاد عند قيام اى حكومة بفرض ضرائب جديدة. ونجد الجرحى يطلبون العودة للقتال بعد شفائهم وهناك من طالب الخروج من المراكز العلاجية حيث يرون ان اصاباتهم لا تمنعهم من العودة الى وحداتهم، بينما يخصص المصريون بليبيا ربع مرتباتهم للمجهود الحربي. وتتلقى البنوك التبرعات ، ثم ما لبثت ان طرحت سندات الجهاد التى تتراوح قيمتها بين 50 قرشا و100 جنيه معفاة من الضرائب ومدتها عشر سنوات وبفائدة سنوية 4%، بينما تفتح جمعية هدى شعراوى مركزا للتدريب على الاسعاف، فضلا عن تحويل مراكز تنظيم الاسرة الى مراكز اسعاف وتمريض، ودعت امانة المرأة- لم نعرف تحديدا فى اى كيان- جميع فتيات مصر لكتابة خطابات الى ابطالنا على خط النار و تتولى الامانة ارسالها.

ويبرز دور الفن بشكل ملحوظ حيث تسافر بعثتان من المركز القومى للافلام التسجيلية الى جبهة القتال لتسجيل الاحداث لعرضها على الجمهور فور الانتهاء منها ، كما تم نشر خبر عن عرض فيلم "جميلة بو حريد" تباعا فى كل محافظة بسعر رمزى هو 2 قرش! تخصص للمجهود الحربي، ويقدم المسرح الحديث "سهرة مع الكلمة واللحن والاغنية من أجل المعركة" بعنوان "مدد.. شدى حيلك يا بلد " للموسيقار محمد نوح .. والدعوة عامة.

10 قروش

وبدأت تتوالى نشر اخبار حصيلة سندات الجهاد، ففى اليوم التالى مباشرة تم تجميع 100 الف جنيه اكتتبها العاملون فى المقاولون العرب، وتسابق المواطنون للتبرع للمعركة ، ويطالب الموسيقارمدحت عاصم الفنانين العرب بالتبرع بـ50% من أجورهم ، كما اعلنت هيئة السينما والمسرح والموسيقى عن تخصيص جميع عروضها مقابل 10 قروش تخصص لدعم المجهود الحربي.، وتعلن فرقة ثلاثى اضواء المسرح أنه يشرفها المساهمة فى المجهود الحربى بتخصيص ايراد يوم من كل اسبوع من مسرحية روميو وجولييت لصالحه، ويرفع النادى الاهلى اشتراكه جنيها واحدا لصالحه كذلك . وفى خبر طريف ويعكس وطنية المصريين ،ترفع افران الاسكندرية لافتات أثارت اهتمام السكندريين كتب عليها "سنخبز الكحك بعد النصر" ويصف الخبر بعض اللافتات بأنها "تحمل الروح المرحة التى لا تفارق المصريين تحت جميع الظروف –- حيث جاء باحداها :" مستعدون لاستلام الكعك وخبزه على ان نعيده لأصحابه محروقا "! خبر طريف اخر بطله عامل من أبناء حى باب الشعرية، قام باطلاق اسم "سام 6 " على مولوده الجديد، منفعلا باحداث الحرب.

وفى عدد 21 اكتوبر تم الاعلان عن جمع مليون جنيه كتبرعات من الزراعيين ورجال الشرطة، اما العاملون بالتليفونات فيلغون اجازاتهم الاسبوعية ويزيدون ساعات العمل حتى يتم تحرير الارض وتنازلوا عن مكافآتهم التشجيعية، وهكذا استمرت حالة من الاستنفار والتسابق بين مختلف فئات المواطنين من عمال وموظفين وفنانين وادباء ونساء وأطفال ،للمشاركة ولو بجهد بسيط رمزى فى معركة يخوضها الوطن..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق