رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بالعلم والفكر.. انتصر السلاح وتحقق العبور

إسماعيل جمعة :
تعتبر حرب أكتوبر المجيدة أغلي هدية قدمها جيش مصر الباسل للشعب المصري منذ فجر التاريخ وحتي وقتنا‏,‏ وذلك بدفاعه المجيد عن تراب الوطن وكيانه الحضاري‏,‏

فقد برهن الجنود المصريون خلال الحرب علي أنهم خير أجناد الأرض, وأعادوا البريق الساطع لمصر, حيث إن الحرب لم تنقذ مصر والأمة العربية من نكسة حربية فحسب, ولكن أقالتها أيضا من نكسة حضارية, في وقت أصبح فيه الخطر الحقيقي علي أي أمة, أن تتعثر خطواتها في الخروج من دائرة التخلف, أو أن تقوم في العالم علاقات حضارية غير متكافئة, تزيد الأقوياء قوة, والضعفاء ضعفا.

وكان أخطر ما واجهته مصر والأمة العربية بعد نكسة67, هو اكتشاف جوانب في تلك الكارثة, ترجع إلي بقايا مراحل التخلف الحضاري, والتي جاءت وليدة رواسب الماضى, وما صاحبها من مؤامرات الاستعمار والصهيونية علي مسيرة التقدم العربي وجهاده, واندفع المصريون والعرب للبحث عن أسباب النكسة, وجاءت أول الأسباب, وهي أهمية العلم في أدوات القتال وأجهزة الدولة, باعتبارهما مظهرين من مظاهر الحضارة, أو نتاجا من منجزات الحضارة, وانتهي الأمر بالباحثين إلي إعادة تقويم الحضارة, وتلمس السبل لتحريرها من أغلال التخلف, وباعتبار ذلك وحده هو السبيل لكسر حلقة الحصار الحضاري الذي فرضه العدو عليهم بعد نكسة67.

وخلال هذا التقويم تكالبت علي الأمة العربية كل القوي المعادية للتقدم الإنساني واستهدفت هذه القوي أن تبقي دائما متفوقة علي الأمة العربية, وأن يظل بينها وبين أبناء العالم العربي فارق مئات الأعوام, وذلك من خلال الكتابات والمقالات والدراسات ومصدرها الصهاينة, وأنصارهم في الغرب, وتعبر جميعها عن نظرة حضارية متعصبة, وتروج لأفكار غريبة ومنحرفة, وغير صادقة عن ماضي الأمة العربية وحاضرها, وتنذر كذلك بسوء مستقبلها, واستهدف كل ذلك قتل الروح المعنوية عند أبناء الأمة العربية, وذلك لأن قادة إسرائيل كانوا يخشون,

رغم انتصارهم في67, عودة الحضارة العربية للازدهار, لأن تلك الحضارة كفيلة بهدم كل انتصار حربي يحصلون عليه, وكشف عن هذه الحقيقة مناحم بيجين حين قال للإسرائيليين: "ينبغي ألا تستكين إسرائيلكم حتي تقتلوا أعداءكم, ولا تأخذوا بهم شفقة حتي تدمروا الحضارة العربية, ونقيم حضارتنا علي أطلالها".. وعزز إيجال ألون هذا القول حين قال: من الجوهري لتحقيق السلام انتزاع الأمل الواهم في النصر من عقول العرب مرة وإلي الأبد, وعادت جولدا مائير إلي تأييد هذه النظرة الإسرائيلية حيث قالت: "إن الحدود الآمنة التي يمكن الدفاع عنها وبسهولة هي عبارة عن الحظ الذي يمكننا من جعل العرب يتنازلون عن الرغبة في استئناف الحرب".

وكان الرد المصري علي كل هذه العبارات الفارغة قويا ومدويا, ونزل عليهم كالصاعقة, حيث جاءت حرب أكتوبر المجيدة, وأسكتت جميع الألسن الإسرائيلية المتغطرسة, وقلبت جميع موازين القوي في المنطقة, وكانت هذه المعركة ليست حربية فقط, ولكنها حضارية أيضا, واستطاعت هذه الملحمة أن تدفع بالأمة العربية إلي تجاوز ما كانت تعانيه من معالم التخلف الحضاري علي اختلاف أشكاله, وصوره, وكان من أهم آثار حرب أكتوبر في هذا المجال: أولا: اجتياز التخلف العلمي والتكنولوجي, وكانت هذه أول نقطة في تجاوز التخلف الحضاري للأمة العربية, والترجمة العملية والفورية لما راود تلك الأمة من آمال, وما بذلته من محاولات في هذا الميدان منذ قيام نهضتها في مطالع العصر الحديث, بحيث تخلصت الأمة العربية مما سادها فور وقوع نكسة67 من وهم التفوق التكنولوجي للعدو, وأنه السبب فيما تحقق له من نصر وأدركت أن الصراع الدائر بينهما ليس صراعا حربيا فحسب, لكنه صراع حضاري أيضا, تمثل فيه إسرائيل استمرارا للحضارة الغربية, التي سبق أن تصدت لها الأمة العربية, وحالت بينها وإجهاض ما حققته من تقدم علمي, وليس أدل علي قوة هذا النصر الحضاري, من اعتراف شيمون بيريز حيث قال: لقد وضع العرب نصب أعينهم بعد فترة طويلة من التخلف الحضاري سؤالا كيف حدثت نكسة67 بعد مئات السنين كانت لهم فيها مكانة مرموقة بين العالم من النواحي الفنية علي قلب موازين إسرائيل قائلة: إن كل المعلقين العسكريين الإسرائيليين وكل القادة والجنرالات المتقاعدين قد ظلوا 6 سنوات يقولون إننا نملك عمقا استراتيجيا وتفوقا عسكريا, وكتبوا أن المصريين لن يقدموا علي عبور قناة السويس بالقوة لأنها تشكل خط حدود طبيعيا, وأن الزمن من حقنا وأن الصواريخ المصرية قديمة الطراز, ولا يعرف الجندى المصرى كيف يستخدمها, وأنه إذا جاءت الحرب بعد ذلك ستكون قصيرة وخاطفة وتنقضي في90 دقيقة, وعندئذ سيهزم المصريون نهائيا, ثم حدثت المفاجأة وأصبح كل كلام الخبراء والقادة كذبا, وإذا بهم يبررون هذه الهزيمة بصورة أخري. لقد استطاع المحارب المصري العظيم في حرب أكتوبر المجيدة أن يعبر في سرعة خاطفة فجوة التخلف الحضاري, بين ما ينتجه التقدم العلمي والتكنولوجي من عدة وعتاد, وبين القدرة علي استيعاب أبعاد هذا التقدم.

فلقد تمكن المقاتل المصري أن يقفز بالأمة العربية ككل من القرون الوسطي إلي القرن العشرين, وأثبت أن المصريين قادرون علي استيعاب العصر ومعداته وبصورة تنتزع الإعجاب والتقدير, وتجلي ذلك في جهود الجيش المصري حين أظهر من الابتكارات العلمية ما وضع حدا للتخلف الحضارى الذي اعتمدت عليه إسرائيل في فرض سطوتها علي العرب, فقد قالت إسرائيل مرارا وتكرارا إن القوات المسلحة المصرية ستسحق خلال24 ساعة لو حاولت عبور القناة, ولكن القوات المسلحة قلبت التقدير الإسرائيلي بفضل ما للعقلية المصرية من أصالة علمية, وقابلية للتطور, وأذهل الجندي المصري خبراء الاستراتيجية وعلماء الاجتماع بما حققه من كفاءة حضارية في ساحة القتال.

ثانيا: كسر التحدي الحضاري, حيث حاصر التحدي الحضاري الأمة من مطالع نهضتها في العصر الحديث واستحكمت حلقاته حول كيانها الحضاري, مع وقوع نكسة67 واتخذ التحدي الحضاري مع التخلف العلمي والتكنولوجي, للأمة العربية دليلا علي عجزها الفطري عن الأخذ بأسباب التقدم, وأنها لا يمكن أن ترقي إلي مصاف الأمم الكبري المعاصرة لها, فلقد أوجد الاحتلال الإسرائيلي لسيناء حاجزا يحول بين الأمة العربية في المشرق,

ومد يد المساعدة للمغرب, فضلا عن فرض حصار محكم علي باب مصر الشرقى, وتبلور الهدف الإسرائيلى في العمل علي إيجاد حواجز فكرية, وثقافية مصطنعة, من شأنها تعميق رواسب الماضي في البلاد العربية, والإبقاء عليها في حالة الركود الحضاري, وفصل الأمة العربية في حاضرها عن جذورها التاريخية, والتي تستمد منها مقوماتها, وشخصيتها, والترويج للادعاء القائل بوجود تفوق حضاري لليهود علي العرب. وجاءت حرب أكتوبر لتضع حدا لهذا التحدي الحضاري الذي واجهته الأمة العربية بعد67, وتفتح الباب أمام عصر حضاري جديد للعرب قائم علي الأخذ بأسباب التقدم في العالم وحضارته العصرية الرائعة, إذ هدمت حرب أكتوبر دعائم التحدى الحضارى للعدو القائم على تلك الادعاءات الثلاثة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر, ودولة إسرائيل الديمقراطية الجديدة وواحة المدنية وسط صحراء التخلف.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق