رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المسدس

د.عبدالرشيد محمودى
الفتاة التى أجلس فى مواجهتها يبدو أنها تعرف ما تريد. بالضبط، بالسنتيمتر والملليمتر. أخرجت من حقيبة يدها كيسا من البلاستيك فيه سندوتش هما سندوتشان فى الواقع فى كل منهما شريحة من اللحم البارد -

وزجاجة كوكا كولا من البلاستيك. وانصرفت إلى قضم طعامها لا تعنيها بقية الركاب، بمن فيهم الراكب الذى يواجهها فى الصف المقابل. هل تدرك أننى أراقبها، رغم أننى أفعل ذلك بحذر؟ وهى تأكل على مهل قضمة فقضمة وبتركيز شديد يبدو أنها تفكر. تلبس جيبة رصاصية مزركشة بنقاط بيضاء دقيقة. أما الجاكتة الحمراء، فمن الواضح أنها لينة دافئة (الوقت شتاء) ولها أزرار حمراء مستطيلة مشدودة إلى صدرها فى عروات ضيقة.

وعندما انتهت من الأكل رفعت الزجاجة وشربت القليل الذى كان فيها. وبهدوء دست يدها فى حقيبتها لتعيد إليها الزجاجة وكيس البلاستيك الفارغين. ولم تخرج يدها إلا وهى تحمل قرصين من النعناع ألقت بهما فى فمها. اقتصاد كامل فى الحركة، وليس هناك أى تبديد فى الجهد. ولماذا قرصان بدلا من قرص واحد؟ ولم يمض وقت طويل قبل أن تظهر الإجابة. هناك فارق بين القرصين: ابتلعت أحدهما بينما استبقت الآخر فى فمها لتستحلبه على مهل. وهذا أمر مفهوم. شريحة اللحم الباردة متبلة ربما بالثوم - ولا بد أن تزال الرائحة تماما. لذلك أسقطت قرصا نحو المعدة كخط دفاع أول، واستبقت الآخر فى الفم كخط دفاع ثان. لا بد أنها ذاهبة إلى من يجرى معها مقابلة فى شركة تريد أن تعمل بها، وهى لا تريد لمن يجلس فى مواجهتها أن يشم رائحة الطعام. ويجب بالأحرى أن يتنسم روائح أخرى. وعندما أخرجت من حقيبتها أدوات الزينة وأخذت تضع اللمسات الأخيرة على الوجنتين والشفتين والرموش وما تحت الجفنين ورشت العطر على عنقها، بدت على وجهها علامات الرضا. لقد فعلت كل ما تستطيعه فى ظل الظروف الراهنة قبل المقابلة. وهى تبدو الآن مطمئنة وعلى أهبة الاستعداد. وأتخيل أن لديها كل ما تحتاج فى حقيبتها. من أوراق وأقلام وبطاقات الزيارة مثلا.

وعندما أعادت المرآة المستديرة الصغيرة إلى الحقيبة، خيل إلى أن فترة التزين قد انتهت. ولكنى كنت مخطئا. هناك مشكلة الشعر. فهو منسدل على شكل حلقات، ولا يمكن فى رأيها أن يترك على حاله. بل لا بد أن يمشط بالأصابع ويعاد ترتيبه وينسق. وهى لذلك تهز رأسها يمنة ويسرة فينتشر الشعر كأنه مروحة ثم تتركه لكى يعود إلى مكانه ويستقر على الكتفين. فعلت ذلك ثلاث مرات قبل أن تطمئن إلى ما فعلت بشعرها. وهنا فقط نظرت إلى بسرعة ولاحت على وجهها ابتسامة خاطفة، ولكنها كانت كافية لتوقظ فىّ قرون الاستشعار. هناك دعوة ما. هناك كلام يقال.

ركاب القطار كانوا صامتين؛ كل منهم منصرف عن الغير إلى شيء أو آخر: البعض مستغرق فى قراءة كتاب أو جريدة، والبعض يعبث بالهاتف المحمول، وهناك فتى أسود على رأسه برنس يتمايل مغمض العينين غائبا عن الدنيا مستسلما لموسيقى تأتيه من سماعتين على أذنيه. وليس فى العربة أحد منتبه إلا هذه الفتاة التى لديها ما تقول وأنا الزائر لهذه المدينة التى لا يكف فيها المطر عن السقوط إلا ليستأنف عمله. وهذا الصباح ينطوى على أنباء. ما لزوم التزين بعناية فى القطار؟ وماذا تحمل الفتاة فى حقيبتها عدا الطعام والشراب وأدوات الزينة؟ أدوات الزينة أشياء عادية ومتوقعة فى حقيبة امرأة. وقد يستحق وجود البنود الغذائية قدرا من الاهتمام، ولكنه يخلو من الإثارة. فماذا يمكن أن يوجد فى الحقيبة لكى تكون هناك بداية لقصة؟ وحتى الرجل الذى أفترض وجوده فى نهاية الرحلة لا يثير حب الاستطلاع. وما هو المثير فى مقابلة من أجل الحصول على وظيفة؟ الأفضل أن أتخيل أنه عشيقها أو مشروع لعشيق. ثم ماذا؟ ليس لدى ما أفعله فى هذه المدينة الرائعة. جئت إليها لأسترجع ماضيا انقضى. لا يعنينى أمر معالمها المهمة، فهى للسياح. وقد انتهيت من كل ذلك. وما عادت الآثار ولا المتاحف ولا المعارض تستهوينى. أنا أبحث عن البشر الأفراد. كانت أمى ترسلنى إلى أوروبا لأتعلم من البشر. ولم أتعلم عندئذ الكثير عنهم. وهاهم البشر أمامى ممثلون فى هذه الفتاة المبتسمة. وأنا الآن مستعد لأى شيء؛ لا عمل لى إلا التقاط الدعوات. والقصص ملقاة على قارعة الطريق. القصص تداهمك، هى التى تأخذ زمام المبادرة وتدعوك. ماذا لو كان فى الحقيبة مسدس؟ هذه فكرة لا يمكن أن تخطر على بال أحد غيرى. مسدس يرقد فى هدوء بجوار اللحم البارد والكوكا كولا وأقلام الزينة وقارورة العطر البخاخة. الرصاص بجوار رشات العطر. هنا ينفتح الباب على كل الاحتمالات. هنا يبدأ الكلام. مسدس أعدته للرجل الذى ستقابله فى نهاية الرحلة. ولعل القبلة الأولى عند اللقاء تعقبها طلقة مسددة نحو القلب.

هل كانت مروحة الشعر هى التى أطلقت الإشارة، أشعلت الشرارة؟ هل كانت طقوس التزين فى القطار موجهة إلى جمهور هو أنا؟ عندما جلست الفتاة إلى مائدة فى مواجهتى قالت: «لاحظ أننى لا أتحدث إلى أغراب، ولكن جرأتك أذهلتنى. رأيتك تتبعنى داخل الأنفاق المؤدية إلى باب الخروج. والتفت ورائى على السلم المتحرك، فلمحتك. وكان ينبغى أن أسرع، فأنا لا أحب التحدث إلى الأغراب. فإذا كان الغريب يطاردنى مثلك، وأصبح التحرش أمرا شائعا ...» فقاطعتها: «فلماذا توقفت عند باب الخروج؟» قالت: «قررت أن أتوقف وأواجهك ... وأوبخك إذا اقتضى الأمر». قلت: «وهكذا وجدتك فى انتظارى. فلماذا لم توبخينى عندما اقتربت منك ودعوتك إلى فنجان من القهوة؟ وفكرت قليلا قبل أن تقول: «أنت على حق. كان يجب أن أكون أكثر حذرا. لماذا لم أكن أكثر حذرا؟ لعلنى توسمت فيك أنك شخص لا يمكن أن يؤذى أحدا. مجرد رجل أجنبى تائه ...» وقلت: «وأردت أن ترشدينى. أما أنا فقد افترضت أنك تحملين فى مخلاتك من بين ما تحملين مسدسا وأثار ذلك حب استطلاعى ...» وهتفت: «مسدس؟ كان ينبغى أن تشعر بالخطر وتفر». قلت: «كان ذلك مجرد افتراض، تفعله لالتقاط الخيط». وقطبت جبينها: «أى خيط؟»

واعتدلت فى جلستها، وأخذت رشفة من قهوتها: «لم أعد أفهم شيئا. قل لى: من أنت؟ ومن أى بلد جئت؟ وما عملك؟ وماذا تريد؟» وقررت مواصلة الهجوم: «وافترضت أيضا أنك على موعد مهم. وأن الموعد قد يكون مع رجل. وإذا لم يعطك ما تريدين قتلتيه». وقهقهت.

أنا أشرف عبدالغنى. مصرى. صحفى متواضع. أحرر فى مجلة شعبية بابا ركنا للعشاق أرد فيه على رسائل المحبين. ويحدث أحيانا أن تقل الرسائل أو تنعدم، فأفبركها. ويبدو أن الكتابة عن مثل تلك المسائل هدتنى إلى كتابة القصص. القصص القصيرة فقط، لا الروايات، فأنا لا أجرؤ على كتابة الرواية. والأمر كما ترين: أنا منزو فى ركن، أراقب الناس ولا يأبهون بى. والأحداث من حولى تدور. وهذا جميل لأن أحدا لا يشعر بوجودى إلا مديرة التحرير لأنها ترى أننى أعلم الشباب الإباحية.

وقالت الفتاة: «مديرة التحرير معها الحق. أنت تدعى أنك منطو على نفسك، ولكن جرأتك ليس لها نظير. هل أنت متزوج؟» ولما أخبرتها أننى أعزب، قالت: «ولم لا؟ هل لك على الأقل رفيق؟ هل تعيش مع أحد؟» لا زوجة ولا عشيقة؛ لا رفيق ولا رفيقة. إنما أسبح فى ملكوت الله. كانت أمى ترسلنى إلى أوروبا فى العطلة الصيفية لأتعلم من البشر كما تقول. الكتب للدراسة والمتعة، وهى لا تكفى. المهم التعلم من الحياة. وكنت أقضى الصيف فى جمع الفاكهة هنا وهناك، فتعلمت حب الشجر والنباتات. وكانت أمى تقول: «إنك لن تتزوج الشجر». وهذا صحيح لأننى لم أستطع أن أقنع زهرة واحدة بأن تتزوجنى أو تعيش معى. وليس هناك إلا زينب الشغالة التى تأتى كل يوم فيما عدا الجمعة.

وقالت الفتاة: أمر مؤسف. على أى حال. ما دمت سعيدا هكذا. وقلت: «بالفعل أنا سعيد هكذا. ولكنى أرجوك ألا تقتليه». وسألت بدهشة: «ماذا تعنى؟ أقتل من؟» قلت: «صاحبك، الرجل الذى أنت على موعد معه». وقالت: «أنت غريب الأطوار». وقلت فيما يشبه التوسل: «أرجوك أن تعفى عنه. أطلقى سراحه». وقررت أن تشاركنى اللعب وتؤدى دورها: «سأقتله إذا لم يستجب لطلباتى. غرر بى الوغد واستغلنى، ولا بد أن أنتقم.» ورفعت يدها إلى عينيها كما لو كانت تجفف دموعها، وأخذت تنهنه. قلت: «الأمر لا يستحق إراقة الدماء. أنت جميلة، أنت رائعة. وستجدين غيره بكل سهولة، والباب مفتوح على كل الاحتمالات». وتوقفت عن التمثيل ودققت فى النظر قبل أن تقول: «أنت مجنون».

هل كانت تريد أن تعرف ما إذا كنت جادا أم أهزل؟ المهم أن اللعبة راقت لها، فأقامت ساعدها على المائدة، وصافحتها كفا على كف.

وسألتنى عندما بدأ الرذاذ يتساقط: «أين مظلتك؟ كيف تسير فى الشارع فى مثل هذا الجو دون مظلة؟» وأخرجت من مخلاتها مظلة صغيرة، فلما نشرتها أصبحت كافية لحماية اثنين يسيران أحدهما لصق الآخر. وها هى التى كدت أفقدها فى الزحام ومتاهات المحطة تسير معى ذراعا فى ذراع. تنفست الصعداء أخيرا عندما لمحتها واقفة أعلى السلم المتحرك الصاعد نحو باب الخروج. وكانت تنتظرنى عند الباب. والسير تحت المظلة معا يشجع على التصارح: «الواقع أننى انتظرتك عند باب الخروج لا لأوبخك. كان من الممكن أن يحدث ذلك. ولكننى قلت لنفسى عندما لمحتك ورائى على السلم الصاعد: «ولم لا؟ الناس يبحثون عن رفيق بكل الوسائل. لم يعد أمام الباحث إلا أن يكشف عن أوراقه. فى الماضى كان مكان العمل وسيلة ممتازة للتعارف. أما الآن فقد أصبح الخوف من تهمة التحرش يدفع الزملاء إلى التزام الحذر ولم يعد أمام الباحث عن رفيق إلا أن يكشف عن أوراقه لجهة أو أخرى. خذ الإنترنت مثلا، على الشخص أن يقدم عن حياته الخاصة معلومات مفصلة تختزن فى ذاكرة تتسع لكل شيء. وهناك مكاتب متخصصة فى تنظيم اللقاءات، وعليك أن تقدم المعلومات اللازمة. وأنت إذن مراقب وضعيف أمام هذه الأجهزة والشبكات العنكبوتية الممتدة. وبالمناسبة لى صديقة تضرب المواعيد مع الرجال الذين تبحث عنهم لتلتقى بهم على رصيف فى محطة للقطارات. كأنها لا تعلم أن هناك كاميرات عليا تسجل كل ما يجرى على الأرض.» قلت: «وهناك أقمار صناعية تلتقط الصور.» وقالت: «وماذا بقى إذن؟ أنا أكره الزحام والضوضاء فى الديسكو، وأكره الذهاب إلى بار يحتشد فيه السكارى. وقلت لنفسى: «هذا رجل لعله يريد التعرف على. ولم لا؟ لماذا أبحث عنه فى الفضاء الإلكترونى أو على أرصفة السكة الحديد؟ لذلك انتظرتك.» وتوقفت فجأة لتقول باستنكار: «ولكنك عجوز. كم سنك؟»

ولكنى لا أبحث عن رفيق، بل أبحث عن قصة أو قصص. واقترحت أن نلتقى فى اليوم التالى، فوافقت. وهى التى حددت المكان مسرح الأولد فيك فهناك مسرحية جديدة مقتبسة من قصة لتورجينييف: «قد نكون محظوظين فنجد تذكرتين. فإذا لم نجد تذاكر، ذهبنا إلى مقهى مثلا». وجرفتنى موجة من الحماس: «أو إلى مطعم. سأدعوك إلى العشاء. أما لو كنا محظوظين، واستطعنا مشاهدة المسرحية... عندئذ يكون العشاء بعد انتهاء العرض. كما ينبغى. أليس كذلك؟ وبعد العشاء باستطاعتنا أن نذهب إلى أحد تلك الأماكن التى يسهر فيها الشباب طيلة الليل. أنا أحب لندن فى الساعات الأولى من الصباح...» وقاطعتنى: «لا تتعجل الأحداث. سنسير خطوة خطوة، ولكل شيء أوانه». وقلت: «خطوة خطوة كما تقولين. والخطوة الأولى مشاهدة مسرحية مقتبسة من تورجينييف. أى سعادة! هنيئا لكم أيها الانجليز. ولد لكم شاعر فى القرن السابع عشر، ولكنه ما زال باقيا. غربت الشمس عن إمبراطوريتكم، ولكن دماء شكسبير ما زالت تسرى فى عروق شعرائكم وممثليكم العظام. أليست هذه أعجوبة: أن تكون لغة العلوم والتكنولوجيا والبيزنس هى أيضا لغة الشعر؟ أن يجيد التجار كما يقول برنارد شو التأليف والتمثيل؟ ونظرت إلى بدهشة أو أنها نظرت بإشفاق، لا أدرى وضحكت: «الآن تأكد لدى أنك مجنون. لكن كم سنك؟»

قد أخبرها مساء الغد. وها هي لندن كعادتها، لم تختلف عنها كما رأيتها آخر مرة منذ تسع سنوات. ترى الدنيا فيها. أناس من جميع الألوان يتكلمون بكل اللغات ويرتدون من الأزياء أشكالا وأنواعا. لا يصدهم عن الخروج والتسوق أو الاحتفال برق ولا رعد، ولا مطر ولا برد ولا ثلج. يسيرون على مهل أو يهرولون. تحت المظلات أو بدونها. موجات تعلو وتهبط من البشر وسيارات الأجرة السوداء والباصات الحمراء ذات الطابقين. وهناك ما يشبه الكهرباء فى الجو المشحون. وأنا محمول على إحدى الموجات. ثم انقطع التيار فجأة وانحسرت الموجة عندما انصرفت. عزيزتى جولى أدامز. ستجديننى غدا عند باب المسرح. ولكن القصة التى تعرضينها على ليست من القصص التى أبحث عنها. أنا بصراحة أفضل القصص التى تعرض على فى القاهرة. منذ أسبوعين كنت فى سيارة أجرة تزحف ببطء فى شارع مكتظ بالناس وتصم فيه الآذان أبواق السيارات ونداءات الباعة ومكبرات الصوت. ولما توقفت السيارة بالقرب من موقف للميكروباص سمعت امرأة تقول لصاحبتها: «دا راجل خيبان. لا بيجيب فلوس بالنهار ولا بيقوم بالليل بالواجب». ها هى قصة انشق عنها الزحام والضوضاء. قصة تعترضنى وتستوقفنى وتتوسل إلى أن أفكر فيها. عبارات دفعت بى إلى الكمبيوتر دفعا. هذا نوع من القصص مفتوح الأبواب لأننى لست طرفا فى الأحداث. أما قصتك يا عزيزتى، فهى قصة أصبحت طرفا فيها، والرجل الآخر لم يعد موجودا، والأبواب مغلقة. عندما رأيتك تبتعدين تحت مظلتك، أصبحت أعرف النهاية منذ الآن. وها أنذا أشعر بالوحدة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق