رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

لطيفة الزيات وصناعة الذات

◀ نجلاء محفوظ
لا أريد ان أموت موتا سلبيا. هذا ما قالته لطيفة الزيات فى غيبوبتها إثر مرض خطير أصابها وهى شابة.

لطيفة نجحت ولم تمت سلبيا بل رحل (الجسد) وبقيت روحها تنبض بقوة فى حروفها الممتلئة بالعزيمة وحب الحياة والرافضة لوأد الأحلام وقهر الذات والضياع حتى لو كان باسم الحب.

احتضنت لطيفة أحلامها منذ الصغر واختارت طريقا مختلفا ونجحت فى بعض المراحل وأخفقت أحيانا (وامتلكت) شجاعة التخلص من الكبوات ولم تبررها أو تسمح لها بالتمكن منها بل قامت بطردها واستعادت صنع ذاتها كما تحب لنفسها.

ولدت لطيفة فى 8 أغسطس1923 وغادر جسدها الحياة فى 11 سبتمبر1996.

التقيتها قبل وفاتها بقليل كانت تفيض بالحيوية وكأنها شابة فى بداية الطريق رغم معاناتها عندئذ السرطان وقد تخطت السبعين من العمر.

تحدت لطيفة, بصدقها ودفئها الإنسانى وإصرارها على ترك بصمات بالحياة, كل عثرات الطريق.

لم تكن داعية لتحرير المرأة, كما يحب البعض اختزالها فى هذا الحيز الضيق, بل اتسعت قضيتها بالحياة لتشمل تحرر الإنسان والوطن من الاستعمار ومن الضياع فى ذوات الآخرين.

كانت أول طالبة يتم اختيارها لسكرتارية اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال التى كانت من خلالها تشجع الطالبات على الانخراط فى الكفاح الوطنى فى الأربعينيات من القرن الماضي، ولم تكتف بذلك، بل شاركت فى المقاومة المصرية ضد الاحتلال البريطاني، وتم اعتقالها فى عام 1949 ووضعت بسجن انفرادي, وفى 1981 اعتقلت ثانية وبدأت فى كتابة سيرتها الذاتية، واختارت لها اسم «حملة تفتيش».

تتميز سيرتها الذاتية بصدق نادر واعتراف بالأخطاء دون جلد للذات أو طلب للتعاطف.. واجهت نفسها بشجاعة ورقى وقدمت إبداعا إنسانيا يخسر كثيرا من لم يكرر قراءته.

وفى رائعتها «الباب المفتوح» لخصت لطيفة احترامها للتفرد الإنسانى وحق الإنسان فى الحرية وتحقيق الذات فى قول البطل لحبيبته «لا أريد منك أن تفنى كيانك فى كيانى ولا فى كيان أى إنسان، ولا أريد لك أن تستمدى ثقتك فى نفسك وفى الحياة منى أو من أى إنسان، أريد لك كيانك الخاص المستقل، والثقة التى تنبعث من النفس لا من الآخرين، وإذ حدث ذلك -عندما يتحقق لك هذا- لن يستطيع أحد أن يحطمك، لا أنا ولا أى مخلوق، فقط تستطيعين أن تلطمى من يلطمك وتستأنفى المسير وتستطيعين أن تربطى كيانك بكيان الآخرين، فيزدهر كيانك وينمو ويتجدد، وتحققين السعادة».

وحقا «ازدهرت» لطيفة الزيات فعملت أستاذة للأدب الإنجليزى بكلية البنات، وحصلت على جائزة الدولة التقديرية للأدب عام 1996، وفازت روايتها، «الباب المفتوح» سنة 1996 بأول دورة لجائزة نجيب محفوظ للأدب فى العام نفسه.

اهدتنا لطيفة إبدعات متنوعة منها : «الشيخوخة» (مجموعة قصصية)، ورواية «صاحب البيت»، ومسرحية «بيع وشرا»، إلى جانب رواية «الباب المفتوح, وبحملة تفتيش: أوراق شخصية» (سيرة ذاتية).

وكان لها تميز فى الأعمال نقدية، فقدمت: «حركة الترجمة الأدبية فى مصر»، «مقالات فى النقد الأدبي»، «من صور المرأة فى القصص والروايات العربية»، وبنجيب محفوظ: الصورة والمثالب, إضافة إلى أبحاث كثيرة فى نقد الأدب الإنجليزى والأمريكي.

وقد تركت لنا لطيفة خطوات الفوز بالذات الحقيقية نعرفها من قولها : إننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية فى شيء ما خارج حدود هذه الأنا الضيقة، ونحن نفقد هذه الذات الحقة حين نصبح محدودين محبوسين فى قفص، متحلقين حول الأنا، حين نغرق فى بحر من التفاهات، وفى دائرة أبدية خبيثة تستحيل إلى قدرنا ونهايتنا، ونحن إذ ذاك نفقد ذواتنا، لا بمعنى استعاري، بل فعلا وواقعا, وشخصياتنا تعانى متغيرات مروعة إلى حد لا تصبح معه بعد ذلك أنفسنا، تصبح الكراهية لا الحب الإحساس السائد فينا، وتأتى التقاليد لنجدة الفرد الذى فقد أخلاقياته وأحكامه الأخلاقية الحرة، يصبح الفرد صغيرا حقيرا، حسودا، مُدينا للآخرين، متزمتا أخلاقيا بالمعنى السيئ، ويزدهر مثل هذا الشخص حين يجد الشر فى الآخرين، وكأن وجود هذا الشر يمنحه الثقة بالذات، او الثقة بأنه وحده دون الآخرين على صوابب.

وأعراض التغيير تتضح فى فقد الاهتمام بالعالم الخارجي، وفى الانغلاق التدريجى فى حاجيات الذات الصغيرة، ويتأتى أن نجد التبرير لهذا التغيير فى كل حالة من الحالات الفردية. والخطأ الذى يؤدى إلى سقوط مثل هذه الشخصية هو ميل عام إلى اختيار الطريق الأسهل والأيسر للخروج من المشاكل، وأسهل الطرق هو اللا فعل واللا خروج، تخيف الحياة مثل هذا الإنسان وهو غير راغب ولا بقادر على الاشتباك معها من جديد، وهو يتوهم حين يتنازل كل مرة أنه اختار راحة البال، ولكنها راحة بال مؤقتة تؤدى فى نهاية المطاف إلى الإصابة بالشلل أو العجز الكامل عن الحركة والفعل».

أخيرا نقول ما رددته لطيفة عند وفاة أخيها المقرب لقلبها: أبيات من شعر كريستينا روزيتى كانت تحفظها فى صباها المبكر وترددت فى إلحاح على عقلها فى تلك اللحظة:

الملاح يعود إلى البيت

إلى البيت يعود

من البحر الطويل الطويل يعود

كما نتذكر قولها البديع : أعلم الآن أن على الإنسان أن يروى الشجرة إلى أن تخضر، ودون أن ينتظر أن تخضر .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق