رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الجائزة

محمد بنميلود -كاتب مغربى
طيلة سنوات طويلة وهو يكتب، حتى صار كاتبًا. عمره الآن سبعون سنة بالتمام والكمال، لكن أبناءه وأحفاده لم يحتفلوا بذلك، نسوا عيد ميلاده، ينسونه دائما. يعتبرونه مجرد كاتب غريب الأطوار، يحبونه ربما، لكنهم لا يأخذون كلامه أبدا على محمل الجد، ولا يشرفهم كثيرا سلوكه الانطوائي، ولباسه الغريب بقبعة، ونطقه المستمر للكلمات بالفصحى، أمام العائلة، في المحافل الكبيرة، حين يكون على المرء أن يزن كلامه قبل أن يقوله، وأن يجلس بطريقة لائقة واضعا رجلا على رجل، وأن يستعرض مفاتيح سيارة في يده..

هو لا يملك أي سيارة، يبرر ذلك بحبه الكبير للمشي بحذاء دون كعب مسافات طويلة للحفاظ على صحته، وبرفضه المستميت تلويث البيئة بدخان البترول والزعيق. ثم إنه يعاني من رهاب قديم، منذ كان طفلا في سنوات زمان، حين ركب لأول مرة في حياته وسيلة نقل حديثة، كانت حافلة كبيرة، طويلة وعريضة، ستقله هو وخاله من القرية إلى المدينة البعيدة. تحلق القرويون ساعة حول تلك الحافلة المدهشة فاتحين أفواههم قبل أن يركبوا متدافعين. كانت حافلة حمراء، عملاقة، بنوافذ من زجاج، وعجلات كبيرة، وسقف بسلالم مليء بالباكاج، وصوت محرك يسمع من الضيعات البعيدة، وكلاكسون يسمع من آخر الدنيا.

كان سعيدا وشعره ممشوط، وياقة قميصه مزررة، يساعد خاله بحماس بحمل سلة البيض دون كسره، بينما يحمل خاله على كتفه صندوقا، وفي يده بطة مقلوبة.

كان يوما عظيما بالنسبة له، يوما لا ينسى، يوم ركوب الحافلة الحمراء الجديدة اللامعة في الشمس، ولم يكن يومها قد قرر بعد أن يصير كاتبا.

بعد أن تقدمت الحافلة كثيرا، مبتعدة بالكامل عن القرية، بحيث لم يعد بمستطاعه رؤية حقولهم، ولا حقول قبيلتهم، ولا حتى الحقول والهضاب التي كان يراها مجرد خطوط واهية على مرمى البصر حين يقف منتصبا على ربوة، يبسط يده فوق جبينه كحافة قبعة ويتطلع بعيدا. كل ذلك الأفق البعيد تجاوزته الحافلة في أقل من ساعة، متوغلة في طبيعة أخرى غريبة عنه، وتضاريس لم يرها من قبل.

لقد بلغت الحافلة الآن طريقا عالية ملتوية بين الجبال، وهاهي تنعطف بصعوبة يمينا ويسارا، دون توقف أو خفض للسرعة عند المنعرجات. شعر بدوار غريب يصعب وصفه بالكلمات، وبمغص في بطنه حاد كمقصات حلاق السوق، وداهمته رغبة كبيرة في القيء، وجحظت عيناه، وكلما انعطفت الحافلة بغتة إلا وتضاعفت دوخته وازداد غثيانه، وهو يحبس نفسه ما أمكن بوضع يده على فمه ككمّامة جرو، ويلوم نفسه أنه أفطر كل ذلك الفطور الذي اعتبره بينه وبين نفسه غداء صباحيا كي لا يجوع في الطريق.

كان خاله متكئا على زجاج النافذة برزّته الصفراء الجديدة، وقد نام وفتح فمه بالكامل، يتململ بلذة مع رجرجة الحافلة، غير عابئ بانعطافاتها الكثيرة المتوالية.

جاء صوت السائق ثخينا ومبحوحا حين قال: الذين سينزلون في المحطة القادمة عليهم الاستعداد منذ الآن، والتفت إلى الركّاب ليعيد ما قاله محدقا فيهم حتى لا تكون لهم عليه حُجة، غير مركز نظره في الطريق الخطيرة. على الأرجح كان يسوق ويشرب الشراب الرخيص، مخفيا القنينة تحت دواسة السرعة، كعادة سائقي الشاحنات والحافلات.

اتجهت الحافلة في اتجاه حافة مرعبة كي تتدحرج كيفما اتفق مسافة مائة متر على الأقل من أعلى إلى أسفل، لكن السائق السكران فطن للأمر قبل وقوعه دون ارتعاب، فأدار المقود كاملا ضاغطا على المكابح بحذائه العسكري، فاستدارت الحافلة بغتة بشكل كامل، قاذفة الباكاج وحده إلى الحافة ليتدحرج، متّجهة بانزلاق أفقي دون شك في اتجاه الجبل.

تبوّع فطوره فوق وجه خاله، قبل أن تصطدم الحافلة بالصخور وتتوقف ويجرح السائق جروحا بليغة في وجهه وبطنه ويجرح كثير من الركاب وتنكسر ساعده هو وأسنانه الأمامية ويغمى على عجوز وينزل فوقهم رذاذ الزجاج كرذاذ الأمواج، وتطير البطة..

في المدينة ابتعد ما أمكن طيلة حياته عن ركوب السيارات والحافلات والدراجات النارية والتاكسيات الكبيرة السريعة التي لا هم لأصحابها سوى جمع المال الطائل بتحويل الشارع إلى حلبة سباق حتى في المطر والزبائنَ إلى خط وصول متحرك.

طبعا سارت حياته كلها هكذا، جنب الحائط، بطيئة، مهادنة، وحذرة. في الغالب حادثة الحافلة تلك كان لها تأثير كبير بالرهاب في حياته بتحويله مباشرة إلى كاتب..

في الجامعة كان يفضل الجلوس في حديقتها على كرسي مشمس وقراءة طه حسين والمنفلوطي والعقاد وميخائيل نعيمة. كان يسكن عند عمته في حي شعبي، يبيت ويأكل عندها مجانا، ويرتدي صندال زوجها البلاستيكي للوضوء، وقد أحب ابنتها أيضا. لكن ابنتها لم تكن تحب الشعر والشعراء، كانوا بالنسبة لها جماعة من المعقّدين الذين ليس لديهم شيء يفعلونه سوى نظم الكلمات المبهمة في قصائد، والتغني بالأكاذيب، بجيوب فارغة، لا أقلّ ولا أكثر..

مرت الأعوام وقد أصبح أخيرا كاتبا هو أيضا ككل الكتاب الذين قرأ كتبهم. طبع كتبا باسمه، وبدا له الأمر ذا جدوى، خصوصا حين يحضر أمسية أو يجالس كُتّابا في المقهى، يشعر بقيمة نفسه الكبيرة، وبأهميته العظيمة في العالم. لكن، بمجرد أن يتفرقوا، بمجرد أن يغوص في زحام الشارع، في سوق الخضار، وسط ضجيج الباعة، عاقدا يديه خلف ظهره، عائدا إلى بيته، صامتا، مطأطأ رأسه، حتى يحس أنه بلا أهمية تذكر وسط هؤلاء المارة اللانهائيين الذين لا يعيرونه اهتماما، ولا ينتبهون حتى لمروره واصطدام كتفه بأكتافهم أحيانا. كذلك الشأن بالنسبة لزوجته وأبنائه وأصهاره وجيرانه وزملائه في العمل وفي التقاعد. إنه في نظرهم مجرد كاتب شغله الشاغل هو ملء الأوراق البيضاء بسطور غامضة لن تغني أحدا ولن تسمنه من جوع..

الآن تغير الأمر برمته، لقد قررت جمعية منحه جائزة مبلغها خمسة ملايين سنتيم كاملة، باعتباره كاتبا كبيرا. ظن أن عائلته ستعتبر ذلك إنجازا عظيما، لكن ابنه الأصغر قال بلهجة لا تخلو من تهكم قبل أن يصفق الباب: إن خمسة ملايين سنتيم لا تشتري حتى سيارة مهترئة..

كان يرتدي بدلته المكوية في غرفة نومه استعدادا لتسلم الجائزة، واقفا يرتدي السروال ويدخل فيه الحزام الجديد، وزوجته جالسة على حافة السرير تمده بالملابس.

قالت له: أسرع، هل ستحتاج أسبوعا لترتدي بدلة؟

ردّ عليها متجاهلا سؤالها: هل قلتِ لأخي عبد الغفور وزوجته إني فزت بالجائزة؟

أجابته بفتور: نعم.

سألها باهتمام: وهل أخبرتهم بالخمسة ملايين، مبلغ الجائزة؟؟ ردت عليه وهي تناوله القميص الأبيض وصدره يبدو عبارة فقط عن عظام ناتئة: لا.

رد عليها منزعجا: ولِمَ لا؟ أخبريهم بكل شيء، أخبري الجميع، من العيب أن أتحدث أنا عن ذلك، أنا سأقول فقط إني فزت بالجائزة، وأنتِ أذكري المبلغ، أين نظّارتي؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق