رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قصة قصيرة..
حتمـــا ولا بــــد

كتب:ملاك ميخائيل شنودة
وقف. نظرحوله. رأى أمامه سلما متلويا وممتدا الى حيث لم تستطع عيناه أن تريا له نهاية. تلمس الجدران، ثم راح يصعد درجات السلم وهو يعدها:درجة.. اثنتان.. عشردرجات.. عشرون.. مائة.

عندما نسى الرقم الذى وصل اليه، وفشل فى تذكره، راح يصعد الدرجات دون أن يهتم بعدها. فكر أن يسلى نفسه؛ فحاول أن يغنى. بحث عن صوته فلم يجده. تشبث بالحاجز الحديدى للسلم بكل قوته.

تحسس درجات السلم الخشبية المتآكلة، والتى كانت تئز وتئن تحت قدميه بحذر. حاول أن يحدق فى الظلام الذى أحاط به فجأة ليرى ما حوله وليعرف أين هو، فعجزعن رؤية أى شىء.

فى الظلام تصبح كل الأشياء متشابهة، بلا حدود ولا معالم أيضا...

استمر فى الصعود بإصرار شديد. هذه الحقيبة السوداء الكبيرة والثقيلة تصعب عليه الصعود على هذا السلم بسرعة أكثر. أوشك أن ينزلق على درجات السلم الناعمة والمبللة. اضطر لحمل حقيبته بيده اليسرى، ليمسك الحاجز الحديدى بيده اليمنى، ليتجنب الانزلاق والوقوع. كانت الظلمة تخرج متماوجة ومتوالية من أحشاء الظلمات السابقة لها، فتحيط به من حوله وتملؤه فى داخله. غمره شعور غريب بالحصار. وقف للحظات محاولا أن يستعيد أنفاسه اللاهثة...

عاود صعود السلم الحلزونى الممتد مرتفعا الى ما لا يدركه بصره. أخذ السلم يضيق عليه شيئا فشيئا كلما زادت الدرجات التى صعدها. لم يستطع أن يعرف إلى أين وصل، ولا فى أى طابق أصبح الآن.

بعد وقت لم يستطع تحديده، لمح أمامه بابا حديديا مغلقا؛ ساعده على رؤية الباب بصيص خافت من الضوء الأحمر المرتعش الذى لم يستطع تحديد مصدره. طرق الباب بيديه. عندما لم يرد عليه أحد، راح يركله بقدميه بكل قوته، ثم أخذ يدفعه بكتفيه وبجسمه كله بقدر ما يستطيع.

أحس بالتعب واليأس معا، وكاد أن يقع على الأرض. فى نفس هذه اللحظة التى كاد أن يسقط فيها متهاويا على إحدى درجات السلم، سمع صوتا أجش وواهنا يأتيه من خلف الباب المغلق:

- من يطرق الباب؟؟!!

- أنا....

- ومن أنت؟؟!

- لا أعتقد أنك تعرفنى...

- وهل تعرفنى أنت؟؟!!

- لا أعرف... افتح الباب... أرجوك...

- لا يمكننى أن أفتح الباب...

- لماذا؟؟!!

- لأنه مغلق كما ترى...

- أوليس معك المفتاح الذى فتحته به عندما دخلته ؟؟!!

- لقد ضاع...

- ألا يوجد مفتاح آخر لتفتحه به؟!

- كل المفاتيح ضاعت... كل شىء ضاع...

- أرجو أن تخبرنى اذن؛ فى أى طابق نحن؟؟!

- .........

انتظر كثيرا ليسمع ردا على سؤاله، ولكنه لم يجد الا الصمت. خيّل اليه أن مخلوقات وكائنات غير مرئية ومتوحشة تحيط به؛ وتحاول قتله وافتراسه. شعر بالرهبة، وكاد قلبه أن يتوقف عن النبض.

أراد أن يبكى فاكتشف أن دموعه قد جفت فى مآقيه تماما. حاول أن يصرخ ففوجىء بصراخه وقد تحول الى ما يشبه النباح الذى لا يقوى على مغادرة حلقه. سعل بشدة. فكر فى إشعال عود ثقاب ليحرق به هذه الكتلة المحيطة به من الظلام الدامس. مد يده الى جيب سرواله ليخرج علبة الثقاب.

لم يجد لنفسه سروالا ولا جيبا. لمست يده لحم فخذه العارية، فأحس به باردا كالثلج. تسلل المزيد من الخوف إليه حتى ملأ قلبه ومشاعره كلها. أحس بالتعب الشديد، فتمنى أن يستريح ولو بالموت. قاوم خوفه وتعبه ومشاعره الممزقة واليائسة كلها وواصل صعود السلم الخرافى...

زاد وزن الحقيبة فى يده حتى خيّل اليه أن العالم كله فى داخلها. ربط الحقيبة على ظهره لعلها أن تصبح أقل ثقلا. أمسك بالحاجز الحديدى بكلتى يديه وواصل صعوده المتعب والبطىء. تنبه للساعة التى فى رسغه. حدّق فيها فرأى أن بها (عقربا) فسفوريا واحدا يدور بسرعة كبيرة. لم يرفى الساعة أية أرقام. قال لنفسه:(لا فائدة منها). فك سوارها المعدنى البارد عن معصمه، ورمى بها إلى أسفل..

بعد زمن طويل سمع صوت ارتطامها المكتوم بأرض (بئرالسلم). عندما حسب الوقت بين رميه الساعة وبين سماعه لصوت ارتطامها، استنتج أنه قد صعد جزءا كبيرا من السلم. أحكم ربط الحقيبة على ظهره. أمسك بالحاجز الحديدى للسلم بيديه معا بكل ما بقى من قوته. راح يصعد السلم الحلزونى الضيق والمظلم بكل عزم وإصرار، وهو يكلم نفسه مرددا فى نغمة متشابهة ومتكررة:

- لابد أن أصل الى نهاية هذا السلم مهما يكن الأمر... وحتما سأصل... حتما ولابد... حتما ولابد...

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق