رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ان تحبك جيهان

مكاوى سعيد
بدت أمي زهوقة وهي بصحبة أهل «جليلة» في نادي المدرعات الذي دخلناه ملحقين على كارنيه والدها، وكان أبي مسيطرًا على انفعالاته، وكنا في الأيام الأولى من الخطوبة لذا لم تلح أمي في الانصراف المبكر وقد اتفقنا على قضاء اليوم بكامله في النادي، وكان طابع والد «جليلة»

العسكري لا يتفق مع طبيعة أبي الساخرة، وطبيعة أمي المتحفظة وغير الراغبة في ارتباطي بـ «جليلة»، لا توافق سماحة أم «جليلة» وتبسطها، لكني كنت في وادٍ آخر مع خطيبتي؛ نتمشى على التراك ونلعب التنس لبعض الوقت ونشارك في لعب الكرة الطائرة، وكان ذلك ضمن جدول اتفقت عليه معها وكانت راغبة في اللعب بالشورت القصير لكني نبهتها إلى تحفظ أمي فلم تعلِّق وأحضرت معها «الترانينج سوت» وسررت لذلك، وكان ظني أن ذلك سيرضي أمي مؤقتًا، لكنها في نهاية اليوم ستبدي انتقادًا لكل شيء في النادي بمبانيه وملاعبه ورواده وانتهاءً بعائلة «جليلة»، لكنها فاجأتني بما لا يخطر على بال. إذ انتهزت فرصة انطلاق أبي لإحدى سهراته بعد أن كبَّلته النزهة العائلية طويلًا، وطلبت أن تدردش معي قبيل نومها، ووضعت لي بعض شرائح البطيخ مع القهوة فقلقت، ثم قالت إن اليوم كان لطيفًا ووصفت أم «جليلة» بالطيِّبة وطلبت مني أن نرد النزهة في أقرب وقت، بينما أنا أحدق في أم أخرى! ربتت ركبتي وسألتني ببراءة: «هي جليلة يا بني كانت متجوزة قبل كده؟»، بهت وقلت معترضًا: «هي لو كانت كده كنت حاخبي عليكم

يا أمي!»، همست: «تكون بتحبها يا أحمد ومش عايزنا نعترض.. المهم لو هي متطلقة مش مشكلة يا ما بنات ناس نصيبهم بيعاكسهم في الأول»، أعدت فنجال القهوة إلى المنضدة وهممت بالقيام معترضًا وأنا أقول: «من فضلك يا أمي ماتكلمينيش في الموضوع ده تاني، ويكون في علمك أنا أول واحد في حياة جليلة»، زادت ابتسامتها واتسعت نظرتها وهي تطالبني بالجلوس وتصر على مناولتي شريحة بطيخ باردة، ثم تصمت لدقائق، حدقت فيها ثم سألتها عن سبب سؤالها هذا، ادعت أنها لا تريد الاسترسال في الكلام حتى لا تضايقني لكني ألححت، غمغمت بأنها لاحظت أن حركة «جليلة» تبدو كالسيدات المتزوجات لا الآنسات؛ ولما أحست بعدم مبالاتي لكلامها عقبت بوضوح وبيأس كأنها تلقي شهادة للتاريخ بأنها راقبتها جيدًا وهي تلعب اليوم ورأت اندفاعها وراء الكرة وقفزها بقدمين متباعدين ومتنافرين فأرادت أن تستفسر!

اعتبرت ما قالته أمي بمثابة تفريغ آخر ما لديها من سهام موجهة إلى «جليلة» قبل زواجنا، ويناءً على نصيحة أبي عجلت بطلب الزواج من جليلة، وكما توقعت نلت موافقة أهلها بسرعة بينما طلبت «جليلة» أن أمهلها بعض الوقت حتى تعرف الظروف المناسبة لزواجنا من مالك الشركة، وقد استأت كثيرًا لذلك رغم أنها همست لي بأنها مجرد أيام قلائل، وعند انفرادي بنفسي احترت جدًّا خاصة وقد سألتني قبيل خطوبتنا هل أريد منها أن تتفرغ للبيت بعد الزواج وتترك العمل، فأكدت لها رغبتي في أن تعمل إلى أن يرزقنا الله بأطفال يحتاجون منها التفرغ، ورأيت ابتسامتها تنزل من وجهها لتطبع قبلة على ظهر يدي، وسمعت قسمها الهامس بأني لو شئت تفرغها لي لن تترد لحظة واحدة في الاستقالة، كيف تجعل تمام فرحتنا مربوطًا برغبة شخص آخر حتى لو كان مالك الشركة؟

ومرت الأيام القلائل أطول من المعتاد، وظننت أن صاحب العمل هو السبب وأنه يخبئ مشروعًا جديدًا عن العاملين في خزانة «جليلة»، وأن قلقها وحرجها البالغ لكونها متأرجحة بين واجبها وحبها، ثم جلست «جليلة» معي في إحدى الكافتيريات النيلية تسمعني بعينين ثابتتين وأنا أتكلم بذهنٍ مرتبٍ، وبالٍ صافٍ، رائقٍ، وأضع خططًا ترفيهية واقتراحات لرحلة شهر العسل، ثم كأنها تخلع جوربها الأسود الدانتيلا وتلقي به في آلة الغسيل، أخبرتني بأنها ليست عذراء، وقد حدث لها هذا في أوائل المراهقة، ثم أردفت بصوتٍ معدني أنها لمست أني رجل متفتح الذهن لذا أجَّلت إخباري بهذا الموضوع مفترضة أنه لن يؤثر على علاقتنا، وعندما وجدتني صامتًا تمامًا، عقَّبت بأنها تخيرني بين أن أتوقف أو أستكمل إجراءات الزواج وأنها تتقبل قراري برحابة صدر، وتعدني بأننا سنظل أصدقاءً مهما كان موقفي، سألتها عن ماهية الذي جاس حدائقها قبلي، فقاطعتني بإشارة يدٍ حاسمة وقالت إنها لن تنطق باسمه لأي كائن، وليس ذلك محبة لذلك الغادر بقدر الحفاظ على مشاعري، فلو أخبرتني أنه أحد أقاربها وتقابلنا في مناسبة ما سيكدرني ذلك وقد أتفوه بحماقة ما، ولو قالت إنه أحد زملاء الجامعة أو الأصدقاء والتقينا مصادفة سيبين على وجهي الضيق والتذمر، لذا ستظل محتفظة بالاسم داخلها بكل مراراته وآلامه ولن تطلع عليه مخلوقًا، الغريب أني كنت مستلب العقل تمامًا لحظتها ولم أُلح عليها كي تذكر الاسم واستكملت الزواج كأنها لم تقل شيئًا ذا بال، والذي أدهشني فيما بعد ثقتها الشديدة بأني لن أتراجع، وارتعبت يومها من دقة ملاحظة أمي وقررت أن نقضي الليلة الأولى في شرم الشيخ حتى لا تتمكن من فحص الملاءات والفوط بحثًا عن بقعة الشرف التي جفَّت عند «جليلة» منذ زمن.

دام زواجي بـ «جليلة» عامًا ونصف العام دونما إنجاب، ليس لعيبٍ عضوي في أحدنا أو كلينا بناءً على جميع الفحوصات وكشوف التحاليل، ورجَّح بعض الأطباء التأخير إلى علة نفسية، وأنا ظننت أن الذي سلبها شرفها وأخذ من مفاتنها ما أخذ.. اجتثَّ من حشاها عنقود إنجابها، وكان الإنجاب مشكلة بسيطة من وجهة نظري، فقد كنت غير مهتم به في حداثة سني، لكن هذا الأمر كان يشغل بال «جليلة» جدًّا، واستهلكت طاقتها في السعي وراء إنجاحه.

ولم يصادفني مع «جليلة» ما يمكن أن يُقال عنه مشاكل الزوجية، ما عدا بعض الخلافات الصغيرة التي كنت في الغالب أتسبب فيها بتربصي لها وعدم رضائي عن تفانيها في العمل، وقد فعلت «جليلة» ما في وسعها لكي أصبح مؤهلًا لامتلاك شركة مقاولات صغيرة، وسعت لأن يتحقق ذلك بسرعة، وعندما استشعرت في بعض الأوقات تقاعصي أو فتور اهتمامي بينما هي تضع خططها للمشاركة؛ أبدت استعدادها للاستقالة وملازمة البيت لكني فضلت أن تستمر في عملها بحجة تقليل المخاطر ووعدتها بالانضمام لي في حال استقرار عملي الخاص الجديد، ولزمت «جليلة» الصمت وكابدت وجومها وقلقها وإحساسها بأن هناك قرارًا سيئًا أخبئه، وكان هذا صحيحًا، وما كنت قد ألقيته خلف ظهري عندما صارحتني بعارها عاد شبحًا يقاسمني الفراش ولا أدري هل هذا بسبب جيناتي الجنوبية أم لرغبتي في تحمل مسئولية العمل الخاص بمفردي، وظلت «جليلة» تلح في معرفة سبب تغيري الذي لم أفلح في تخبئته فأخبرتها كذبًا بأن أمي تلاحقني برغبتها في رؤية طفل لنا قبل رحيلها، وأنها لم تعد تصبر عليَّ ونجحت في ضم أبي لجبهتها؛ لم تصدقني عينا «جليلة» ولكنها منحتني ابتسامة شاحبة ورجتني أن أنهي كل شيء بيننا، وقد حدث ذلك بسرعة شديدة وسهولة غريبة، وحتى الآن يظل سبب انفصالي عن «جليلة» مشوشًا في ذهني، فلا المسائل العميقة مثل الحفاظ على الجنس البشري بأن أترك خلفي مخلوقًا تعسًا آخر كانت تشغلني، ولا تأثيرات أمي وغمزها ولمزها، ولا رغبتي في العمل بمفردي،

ولا حتى وجود مَن سبقني إلى «جليلة» كان سببًا كافيًا وإن كان محتملًا، إنه شيء آخر غير ملموس ولا مرئي يقبع في داخلي وأجهله!

غير أن السلاسة والنعومة التي مرَّ بها الانفصال، جعلت الجرح أشد غورًا وغير قابل للاندمال وقد اكتشفت ذلك مؤخرًا، فرغم أنها برأتني أمام عائلتها من تهمة الغدر والنذالة، ودعمت قولي بأن الطلاق كان سعيًا وراء الإنجاب، وأننا اتفقنا على ذلك لرفضها أن تشاركها امرأة أخرى فيَّ، كذلك لم تجادلني في حقوق واستحقاقات وتقبلت ما سبق أن ساهمت به في عش الزوجية ورفضت أية إضافات، وتعاملت معي بغلظة عندما عرضت عليها أموالًا نظير خدماتها في تأسيس الشركة، ورفضت أيضًا أن أجعلها مساهمة معي بنسبة مئوية، وهذا ما أدهشني قليلًا لأني تصورت أنها تخلي حياتها مني بسهولة شديدة وضايقني ذلك، لكنها ظلت تتابعني بعد الانفصال والاستقالة وتطمئن على بدايتي وتسهم فيها بعملاء ترشحهم لشركتي أو يأتوني بتوصية منها، وفي أعماقي كنت أعتقد أني بزواجي منها قد منحتها أكثر مما منحتني، منحتها جسرًا آمنًا تستطيع به الزواج من جديد وتقول بفخر: «كنت متزوجة»، بلا خوف من عرض بوابة مفتوحة لا يعلم أحد مَن دخلها واستظل بحماها! وظننت أنها ستظل لمدة ليست قليلة رهينة حبي وفضيلتي وأنني من الممكن لاحقًا أن أراجع موقفي حين تقف شركتي على قدميها، غير أنها لاحقتني بزواج سريع من مهندس زميل في عملي السابق، ولم أجرؤ على تهنئتهما بالعرس، وعندما جاءني عميل آخر من طرفها تحينت الفرصة واتصلت أشكرها وحينها أخبرتني بحملها، وفي حدود معلوماتي الحالية لديها طفلتان على وشك الدخول إلى المدرسة، وكلما غاب عن سمعي اسمها وتبددت صورتها في صراع الحياة يفاجئني هاتف من شركتي بأن هناك عميلًا ما بتوصية من «جليلة»، أو أرى بين سطور حسابات الشركة ما يشير إلى ذلك، وهذا ما تبقى من «جليلة» بالإضافة إلى أني صرت

لا أحب الارتباط بالآنسات واللواتي لم يسبق لهن الزواج، وأحوم دائمًا حول الأرامل والمطلقات، كأنها زرعت بي رغبة خفية في منافسة شخص ما على جسد تشاركنا فيه وأن أجتهد كثيرًا كي أصبح الأفضل!

 

.......................

انتهى اللَّحاد من دفن أبي وسط عويل نائحات لم أعرفهن مطلقًا، غالبيتهن من عائلة أمي التي اندسَّ أبي بين تراب بلدتهم «سلوة» التابعة لمركز «كوم أمبو» الذي كان أبي قديمًا يتابع عمال وموظفي شركة السكر مع متابعته لعمال مصنع السكر ببلدنا «أدفو».. هنا أبي رأى أمي وتقدَّم لها في التوقيت الأمثل، بعد عام من وفاة أمها وعقب انقطاع حبل صبر أبيها على العزوبية وتوهج رغبته في الزواج مرة ثانية، وكانت أمي حينها بنت السابعة عشر وتقدم لها بعض أقاربها ورفضتهم بغلظة إما بدعوى الحداد أو لأنها وهبت نفسها لرعاية أخيها «حسام» ابن الثانية عشر في ذلك الوقت، وكانت تظن أنها بذلك تؤخر زواج الأب لكن عندما أدركت رغبته الجدية وافقت على من انصاع لشروطها، وكان أبي هو المنصاع الأوحد الذي رضي بأن يضع أخاها في معيته، وإذا وافقت إدارة الشركة على نقله إلى القاهرة كما أخبرها، يدبر لأخيها مدرسة بالقرب من السكن، ولاقت هذه الشروط ترحيبًا من أبيها تخلُّصًا من وجع الدماغ المحتمل حدوثه بين طفلته والزوجة الجديدة، ولم تكن أمي ذات بنية قوية أو طويلة، بل كانت فوق القزمية بقليل، لكنها كانت بيضاء من عائلة كلها كذلك ونسائهن كن دائمًا الاختيار الأول لأي راغب في الزواج من بلدتهم أو البلاد المجاورة، ونجح أبي في الزواج من أمي وفي مسعاه في الانتقال إلى مقر شركة السكر الرئيسي بالقاهرة.

أقف الآن بداخل مبنى مقبرة عائلة أمي، على يميني مقبرة الذكور ذات الشاهد الواحد الملطع عليه بعض قطع الرخام المسطور عليه اسم المتوفى والآية القرآنية، رنوت قليلًا إلى اسم خالي المدون: «حسام محمد التركي»، واسترجعت حياتنا المشتركة بداية من كونه أخي الأكبر وصولًا إلى لقب الخال، وتطلعت إلى المساحات الخالية في الحجر التي ستستضيف لوحة أبي بعد انتهائها، ثم تحركت قليلًا إلى اليسار ولبدت أمام الرخامة المدون عليها اسم أمي: «حسنة محمد خليل» في مقبرة الإناث، ويبدو أن تداعي أفكاري طال زمنه لأني أفقت على لكزة من ابن عمي جعلتني أجول بعيني في الواقفين فاكتشفت أني وسط بيئة عدائية بالكامل من كلا الطرفين؛ أهل أبي وأهل أمي، يتصدرهم ابن العم الكاظم غيظه بالكاد، الذي انتحى بي وطالبني بعدم الاستجابة لأهل أمي بالبقاء لاستقبال باقي المعزيين والغداء، لأن الواجب يحتم علينا العودة إلى أدفو لتقبل هذا العزاء العجيب حتى نحافظ قليلًا على ماء وجوهنا، ابتلعت لمزه وأطعته واعتذرت بصعوبة لأهل أمي وركبنا الباصات المنتظرة ومعنا بعضهم، ورفضت محاولة ابن عمي أن يصطحبني بسيارته بحجة مرافقة الذين تجشموا عناء الطريق لتعزيتنا، رغبة في تحاشي لومه وتقريعه لوصية أبي بدفنه بجوار أمي، رغم أني بوغت تمامًا وأنا بداخل القطار وابن عمي يبلغني بوفاة أبي ويطلب حضوري، وعندما أخبرته أنه لا يفصلني عن البلدة أكثر من ساعة قال إنه سيتابع خلالها تحضيرات الدفن، ووجدته ينتظرني بالمحطة ويمنحني حضنه بأريحية، ثم انتحى بي وأخبرني بعد تردد بأنه كان يلازم أبي عندما تعب تعبًا شديدًا بالأمس، وأن أبي في نوبة إفاقة طلب ورقة وقلمًا ليترك وصية لي، ولم يكتب في الورقة غير طلبه بالدفن بجوار أمي بعد استئذان عائلتها، ورفض أن يناقشه ابن عمي في طلبه ثم غفا ومات، وأضاف ابن عمي بسلاسة مَن يقتل ابنته المتورطة في علاقة بأنه رأى أن ما طلبه أبي صورة من هذيان الموت، وقرر أن يحجب عني الرسالة، لكنه بعد تجهيز مدفنَّا بأدفو خشي أن ألومه فيما بعد فحضر خصيصًا لإبلاغي، ثرت عليه وعلى مَن جاء معه وقررت تنفيذ وصية أبي، وتركوني أتصل بعائلة أمي وأستئذنهم وحدي وقد ظننت أنهم لن يتبعوني إلى هناك وسيتركوني أشيعه بدونهم، لكنهم حضروا يسبقهم غضبهم وغيظهم، وأظن أنهم لن يتركوني بخير طيلة فترة بقائي هنا.

طوال مسافة العودة البالغة 30 كيلو مترًا والتي قطعناها في حدود الساعة لتدهور الطريق، كنت أعد نفسي لمواجهتهم بشدة إذا ما تطرقوا ثانية لهذا الموضوع، ثم لنت قليلًا وأنا أتذكر كيف كان يهادنهم أبي وهم يلومونه على البقاء في مصر دون زوجته بعد إحالته إلى المعاش، وقررت أن أهبهم ممتلكاتنا الصغيرة المكونة من بضعة أفدنة وعدد قليل من المواشي التي اشترتها أمي بعد استقرارها في أدفو، وأحسست بأن ذلك سيجعلهم يبلعون ما اعتقدوا أنه فضيحة لتسرب جسد منهم إلى بلد غريب، وعزمت على البقاء لبضعة أيام حتى انتهاء العزاء ثم الفرار من بلدة لم أولد فيها ولم يدفن بترابها أحبائي المقربون، وكنت بمجرد تبليغي بوفاة أبي في القطار قد هاتفت «ريم» وأبلغتها بالخبر ورجوتها عدم الحضور حتى لا تزيد الأمر تعقيدًا، ثم أخبرت «عماد» وقمعت نخوته التي كانت تدفعه إلى الحضور لمؤازرتي، ورجوته عدم إذاعة الخبر ولا الذهاب إلى الشركة كي يتابع أمورها في غيابي كما تطوع بذلك.

تصدرت خيمة عزاء العائلة بمجرد عودتنا وكان يجاورني ابن عمي وأولاده وأخوالي غير الأشقاء، وبعد الغداء استفردت بابن عمي وأخبرته بتنازلي عن الأرض، وعندما لمحت ظل سعادته المختفية غيرت بعض مخططي وطلبت منه بيع الماشية ومنح ثمنها لأخوة أمي، وقد أصر ابن عمي على بقائي في البلد لمدة خمسة عشر يومًا.. ثلاثة أيام للعزاء الرسمي واثني عشر يومًا للعزاء المفتوح المعد لاستقبال المعزيين من بلاد بعيدة أو من خارج مصر، وكان ينظر تجاهي بتعجب وأنا أساومه في عدد الأيام التي سأبقى فيها متعللًا بالعمل، لكني رضخت في النهاية حتى لا تصبح سيرتنا على كل لسان بعد مغادرتي، وكنت قد أغلقت محمولي عند الوصول حتى لا أردَّ على أحد يهمني وأضطر لإخباره بما حدث فيتكبد مشقة الحضور، ولم أنوِ فتحه حتى بعد قرار البقاء الطويل.

بتُّ في غرفة أمي هربًا من روائح غُسل أبي التي لا تزال قابعة في غرفته، ورغم ذلك بعض مشاهدنا معًا توالت على ذهني، والغريب أن معظمها كان في بارات صحبني إليها وهو يسـتأذنني أولًا ثم يدفعني نحو الباب قبيل سماع موافقتي، وكان فيها يبدو ساخرًا بحكمة وتظل أمي هدف سخريته، وكان ذلك يشعرني بفرط حبه لها، سخر منها بشدة عقب قرارها مغادرة القاهرة بعد وفاة خالي بنصف عام للإقامة بأدفو، وكان تقاعد أبي بعد عامين، ورجاها أن تنتظر لكنها أصرت فهددها بأنه سيظل في القاهرة بعد تقاعده إن لم تُطعه، لكنها لم تأبه لتهديده وأخبرته ببساطة أنها ستطلب من أهلها الدفن بجوار أخيها في مقبرتهم حين يحين الأجل، وعندما سألها للمرة الثانية عن مصير المقبرة التي اشتراها في القاهرة، أخبرته ببساطة ألا يقلق فالمقابر تنادي ساكينها!

في يومها الأخير بالقاهرة كانت جالسة بعد أن حزمت حقائبها في انتظار عودته بتذكرة قطار وحيدة بعد ليلة مضنية من العراك معه بسبب قرارها، وعاد بتذاكر ثلاث لنا وعندما صحبناها إلى هناك لم تمنحه حتى ابتسامة مجاملة، وعندما اختلت بي أوصتني عليه وطلبت مني أن أعيده إليها لو هرم أو مرض، وبعد رجوعنا ادَّعى التماسك لفترة وكان يمارس طقوسه كما هي.. مواعيد عمله مقدسة، ومواعيد شربه كما هي، وكان يتزيد أحيانًا ويطهو أطعمة أجدها تنتظرني عند عودتي ويسألني في الليلة التالية هل راقني مذاقها، وكفَّ عن ذلك عندما صارحته بطهوه السيئ وبعدم حاجتي للأكل البيتي.

وكان أبي لا يشرب الخمر مطلقًا في يوم الجمعة، وهو اليوم الذي يتخلَّص فيه من الزي الإفرنجي ويرتدي الجلباب ويضع أحيانًا العمامة لو كان بصدد لقاء بعض أصدقاء الجنوب، وبدأ تغيره طفيفًا بعد استقرار أمي في الصعيد، وربما لم ألحظه لانشغالي في العمل أو سهراتي مع الزملاء، لم يعد يرجع إلى البيت بعد صلاة الجمعة يشاورني فيما سنأكله، ولم يعد ينام القيلولة ثم ينزل للسهر على المقهى، ولم أعد أراه أو أسمع صوت خطواته الزاحفة المتخبطة وأنا بين اليقظة والنوم، وقد عف الشرب فعلًا، ولما حان تقاعده حاول لفترة وجيزة البقاء بالقاهرة ليفي بتهديده لأمي، وتصنَّع البحث عن أمكنة لمزاولة نشاط تجاري وكان يوحي لي بإبلاغ أمي بذلك، وكانت لا تأبه وكان ذلك يضايقه جدًّا، ثم انهزم أبي سريعًا ولحق بها إلى هناك لكنها هربت منه بالموت مرة أخرى ودفنها كيفما أحبَّت، وظل يسخر من هذا الأمر كلما صحبني لزيارة مدفنها، وها هو في لحظته الأخيرة تقوده روحه للبقاء إلى جوارها.

أطالع الآن للمرة الثالثة الورقة التي تركها لي، تتصدرها تحية وسلام كالأكليشيه الذي كنا نرصعه على الخطابات زمان، ثم طلبه بمجاورة أمي في مدفنها بلا إلحاح ولا رجاء، وختام عجيب دفعني للابتسام لكني لم أتوقف عنده لحظتها، وظل يوجعني جدًّا فيما بعد عندما يخطر ببالي: «أحمد يا بني.. ماتفصلنيش عن أمك.. ماتكونش سبب في خراب البيت».

 

فصل من رواية تحمل الإسم نفسه تصدر بعد أيام

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق