رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«النخبة السياسية».. من المرض إلى العجز

سمير السيد
لماذا بات تعبير "النخبة السياسية"، سيئ السمعة؟.. ولماذا أهدرت هذه النخبة على اختلاف أطيافها وانتماءاتها، الفرصة التاريخية التى منحها لها المجتمع على مدى نحو 29 شهرا، هى المدى الزمنى الفاصل بين تنحى الرئيس الأسبق حسنى مبارك عن السلطة فى 11 فبراير 2011، وبين عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى 3 يوليو 2013؟

ولماذا عجزت هذه النخبة عن إدارة طاقة التغيير التى تفجرت فى 25 يناير 2011، نحو بناء أرضية من التوافق الوطنى حول القيم الأساسية للجمهورية الجديدة والنظام السياسى الديموقراطى المأمول للبلاد؟.. وكيف تحولت البلاد – خلال الفترة من 12 فبراير إلى 3 يوليو 2013 – إلى ساحة كبيرة للحرب والتدريب السياسى، مارست عليها، مجموعات من الهواة وعواجيز الفرح والقادمون الجدد من معتقلات "الروح والعقل"، كل ألوان الأحلام والشبق والنزوات العقائدية والإيديولوجية والطبقية والنفسية، بلا أية قواعد ولا أسس ولا رؤية،.. ولماذا انتهى المآل بالعملية الثورية فى 25 يناير، إلى حد، قيام القطاع الأوسع من المجتمع ومعه أغلبية النخبة شبه الليبرالية واليسارية والناصرية والثورية الشابة وحزب النور السلفى، باستدعاء المؤسسة العسكرية فى 30 يونيو 2013، لوضع نهاية لحكم الإخوان، فى اعتراف نهائى بفشل النخبة كل النخبة؟.. وأخيرا: هل نحن نملك "نخبة سياسية" حقا، وفق ما تعرفه تقاليد الأمم والنظم الديموقراطية ونظريات العلوم السياسية، أم أن ما لدينا لا يعدو أن يكون أشباه "نخبة سياسية"، باستثناءات قليلة؟.

 

كشف أداء السنوات التى أعقبت تخلى الرئيس الأسبق حسنى مبارك عن الحكم، عن وجود أزمة تاريخية مركبة ومعقدة فى بنية وتكوين "النخبة السياسية"، على اختلاف أطيافها وانتماءاتها.. أزمة حملت معها تشوهات وأمراض واختلالات مراحل من "التخلف التاريخى"، و"تفجر الأزمة الراهنة للدولة الوطنية"، وعقود من "قتل السياسة" وحصار المجال السياسى، وعمليات تجريف الكفاءات والخبرات وتدهور أنظمة التعليم، وسيطرة أجهزة الإدارة والرؤى البيروقراطية على الحكم، مما أنتج وضعا مأزوما و"كيانات شبه سياسية" تعانى من أعطاب وإعاقات فى تكوينها العقلى والمعرفى والثقافى.

لقد أسهم تفاعل ثلاث عوامل رئيسية فى صناعة حالة الفوضى والصراع والإضطراب والغموض وعدم اليقين التى سيطرت على البلاد خلال الفترة من 12 فبراير 2011 إلى 3 يوليو 2013، والتى خلقت معادلة صفرية، دفعت المجتمع فى نهاية المطاف، إلى الكفر بنخبته السياسية والعودة إلى حضن الدولة الدافئ بعد نحو 30 شهرا من الاستباحة الثورية والفوضى المدمرة، وتتمثل هذه العوامل الثلاث فى: "تفجر الأزمة الراهنة للدولة الوطنية الحديثة"، و"تفجر أزمة الفقه الإسلامى"، و"موت السياسية" و"تفجر أزمة السلطة السياسية بمعناها الشامل".

فعلى مدى 200 عاما، لم ينجح مشروع الدولة الوطنية، سواء فى طبعته العلوية (نسبة إلى محمد على)، أو الناصرية (نسبة إلى جمال عبد الناصر)، فى الإجابة لا عن سؤال الحرية ولا عن سؤال الاستقلال ولا عن سؤال بناء الذات القومية القادرة على الفعل أو التجديد الحضارى.

ومن داخل هذه الأزمة المركبة: أزمة الاستبداد، وأزمة الجمود العقلى والتخلف، وأزمة التبعية للغرب، تجددت فى القرن الماضى، ظاهرة المقاومة العنيفة للدولة على أرضية دينية ولكن فى نسخة متخلفة، لم تقدم أى رؤية أو نظرية سياسية حول بناء دولتها الدينية المزعومة، ولم تر فى الإسلام إلى جانب تطبيق الشريعة، غير إصطلاح "الدولة الإسلامية" الفارغ من أى مضمون، فى محاولة لتعويض اهتراء الذات القومية، عبر استدعاء حقبة الخلافة الإسلامية كرمز لسيادة المسلمين على العالم.

وإذا كان تأخر الإصلاح السياسى وسيطرة الأجهزة الإدارية للدولة ورؤاها البيروقراطية على الحكم وسيطرة الفساد والخلل الهيكلى فى توزيع الثروة والسلطة وتحول الدولة إلى أداة لتنظيم العنف والحكم التعسفى وتراجعها إلى كهوف التمييز بين مكونات المجتمع وتآكل الوظائف الأساسية لها وحصار المجال السياسى، أدى على مدى 60 عاما، إلى "تفجر أزمة الدولة الوطنية الحديثة"، فإن تراجع الإصلاح الدينى لـ 100 عاما على الأقل، أدى إلى "تفجر الفقه الإسلامى"، بتأويلات وضعية متشددة للنصوص الدينية، أقامت "سدودا وحواجزا بين الروح الحقيقة للإسلام ونموذجه القيمى المثالى، وثقافة العصر وقيمه وتقاليده"، مما أعاد التنازع والانشقاق داخل الوعى بين الدين والدولة، والماضى والحاضر، وخلق أزمة هوية ألقت بتقيحاتها التاريخية على السطح عقب سقوط مبارك وعند الدعوة لإجراء استفتاء على التعديلات الدستورية فى 19 مارس 2011، والذى أطلق عليه أحد رموز الإسلاميين المتشددين "غزوة الصناديق"، رغم أن هذه التعديلات لم يكن لها أية علاقة بالشريعة.

كما إن فشل سلطة مبارك بفعل الفساد والقهر والاستبداد الأعمى، فى القيام بدورها كآلية لتحقيق المساواة القانونية وتنظيم الدولة والمجتمع على أساس توازن السلطات والمصالح والتوزيع العقلانى للمسئوليات والأدوار، أدى إلى انسداد المسارات السياسية والقانونية أمام الفئات والأفراد والجماعات الساعية لتأمين حقوقها والدفاع عن مصالحها ومواقعها، فانفلتت عناصر النظام، وأخذ الجميع (أفرادا وجماعات) تبحث عن الخلاص بعيدا عن أى مفهوم للحق أو المصلحة العامة أو المسئولية الجماعية، ففسدت المؤسسات وعمت الفوضى وانحطت الأخلاق، وهو ما يفسر لماذا عملت بعض "أطراف اللعبة السياسية" فى الداخل لحساب أطراف خارجية حتى قبل رحيل مبارك بسنوات بعيدة؟، ولماذا راجت بعد تنحيه، سوق العمالة على هذا النحو الفاضح والمؤلم.

لذلك، كان من الصعوبة أن تتحول لحظة تنحى مبارك، إلى فرصة تاريخية، لبناء أرضية من التوافق الوطنى حول القيم الأساسية للجمهورية الجديدة والنظام السياسى الديموقراطى المأمول للبلاد، بالنظر إلى كل الأعطاب التاريخية التى أصابت التكوين القيمى والثقافى والمعرفى لأغلبية النخبة السياسية، المتصارعة ومحدودة الكفاءة وضعيفة القدرة على التفكير والفعل السياسى الخلاق.

وإذا استثنينا الشرائح الجيلية الشابة ذات التعليم الجيد نسبيا والتى شقت طريقها من قلب ثورة الاتصالات والمعلومات وامتلكت رؤى وحس إنسانى عالمى ووعى كونى بقيم الديموقراطية، نجد أن أغلبية "النخبة السياسية" على اختلاف أطيافها وانتماءاتها، خرجت من رحم "التسلطية السياسية والدينية والإيديولوجية.. وثقافة الاستبداد الأبوية.. والهزائم القومية"، لذلك كان طبيعيا أن تهيمن على المشهد السياسى طوال السنوات السابقة، ثقافة الاستبعاد والضغائن والمكائد والدسائس وعقلية المساومات والصفقات المشبوهة وعدم الوفاء بالعهود والاتفاقات وإطلاق الإشاعات والرشاوى السياسية وإشاعة الخوف والفوضى، فى إطار الصراع الكبير على الدولة ومحاولة وأد العملية الثورية وإزاحة الكتلة الشابة من المشهد السياسى، من خلال هندسة مرحلة انتقالية، تسمح للإسلامين عبر التفاهم مع السلطة الفعلية، بالسيطرة على كتابة عملية الدستور والهيمنة على روح الأمة وضمائر المجتمع وإخضاعه لكتالوج السلوك الرشيد، وهو ما أدخل البلاد فى دوامات من العنف بدءا من اعتصام يوليو مرورا بأحداث مجلس الوزراء ومحمد محمود ووصولا إلى أحداث الاتحادية والمقطم.

‎لقد أدت عقود من حصار المجال السياسى، وتجريف الكفاءات وتدهور أنظمة التعليم، إلى ضعف التكوين المعرفى لأغلبية "النخبة السياسية"، التى غادرت "زمن العالم الهادر بالمعرفة والانتاج والفعل السياسى الخلاق"، وهو ما تبدى فى تردى مستويات تفكيرها ومحدودية كفاءتها وضعف قدرتها فى التعامل مع قضايا المرحلة الانتقالية وهندسة خريطة طريق تسمح بتحول سياسى آمن، وفشلها فى استلهام نماذج الثورات وتجارب التغيير الناجحة فى العالم، أو تقديم أى رؤية لتجديد الدولة ومؤسساتها ودورها، لتسقط البلاد فى حالة من العنف اللفظى والفوضى الفكرية وتشويه الإصطلاحات والسجالات السطحية والعقيمة، مثل، "الدستور أولا أم الانتخابات أولا"، و"من يكتب الدستور؟"، و"هوية الدولة وهل هى مدنية أم دينية أم مدنية ذات مرجعية إسلامية"، و"شرعية الميدان أم شرعية البرلمان".

يقول الدكتور نبيل عبد الفتاح فى كتابه "النخبة والثورة": إنها نخب الغيبوبة التاريخية والتيه الفكرى الماضوى، حيث يتشرنق أغلبهم حول أرحام الأفكار الأولية الليبرالية واليسارية والقومية والإيديولوجيات التقليدية واللاتاريخية.. وحول بعض وابتسارات الفكر الإسلامى الوضعى فى الفقه والتأويلات البشرية وبعض الفتاوى القديمة التى فارقت عصورها وزمانها وسياقاتها والأخطر أسئلة عصرها".

وفى هذا السياق، أفضت "غلبة الثقافة الشمولية التى تساند الحكم المطلق وتعتمد على تأويلات فقهية وضعية تكرس للولاء والطاعة والاتباع"، فضلا عن غياب الرؤية السياسية والقانونية فى تفكير وسلوك النخبة السياسية الإسلامية خصوصا، وانتصار الفكر الآنى واليومى على التفكير الاستراتيجى بعيد المدى وضعف خبرات قياداتها، وسيطرة نشوة الانتصار وغطرسة القوة، إلى تصور "نرجسى" مريض جعل الأغلبية الإسلامية داخل مجلسى الشعب والشورى تتصرف أثناء المرحلة الانتقالية، وكأنها "الدولة والشرعية الوحيدة"، وهو ما أجج "ظاهرة صراع السطات"، وحول البرلمان إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية وردع الخصوم وحصارهم ومهاجمة القضاء وقادة الشرطة والنائب العام والصحافة ووسائل الإعلام.

لقد كشف الأداء الردئ للنخبة الإسلامية داخل البرلمان بغرفتيه، عن ضعف الخبرات السياسية والقطيعة التاريخية مع منجزات الدولة الحديثة ومؤسساتها، وهو ما تجلى – بحسب عبد الفتاح - فى غرابة وصدمة بعض الأراء والمقترحات والقوانين للوجدان والإدراك السياسى شبه الجمعى للجمهور، وغلبة الطابع الاستعراضى واللفظى للممارسة البرلمانية وغياب الرؤية والدراسة العلمية للتكاليف السياسية والإجتماعية للتشريعات، ليتحول البرلمان إلى مسرح للاستعراض السياسى والخطابة فى ظل غياب رؤية لفلسفة وسياسة وأجندة تشريعية لتطوير النظام القانونى والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.. ومن ثم ذهبت (النخبة الإسلامية) إلى استخدام البرلمان فى مسار لعبة التوازن والصراع السياسى مع السلطة الانتقالية وكسر التفاهمات التى تمت بين الطرفين على احتواء العملية الثورية من خلال بعض التعديلات الجزئية على دستور 71، فى مقابل معادلة سياسية هى البرلمان فى مقابل الرئاسة".

اتسمت تصرفات التيار الإسلامى بقيادة جماعة الإخوان سواء فى البرلمان أو الرئاسة، بالبراجماتية والانتهازية السياسية، التى قضت على أى فرصة لبناء أرضية مشتركة من التوافقات والتفاهمات حول مسار العملية السياسية وبناء النظام السياسى الجديد، وهو ما ظهر فى عدد من الممارسات، أهمها: التنصل من التعهدات التى قطعتها الجماعة، على نفسها تحت مبدأ "مشاركة لا مغالبة"، سواء فى الهيمنة على اللجنة التأسيسية للدستور، واستخدام البرلمان للتدخل فى وظائف السلطتين القضائية والتنفيذية، وطرح مرشح للانتخابات الرئاسية، والتهرب من التزامات مؤتمر "فيرمونت" الشهير، واستبعاد القوى السياسية الأخرى بمن فيهم حليفها "حزب النور" من المشاركة السياسية بعد وصول مرشحهم للرئاسة لسدة الحكم، وإصدار إعلان 21 نوفمبر الدستورى الذى حصن فيه الرئيس الأسبق محمد مرسى قراراته من الطعن أمام القضاء، فيما وصف بأنه أكبر إنقلاب دستورى فى تاريخ البلاد، وأخيرا محاولة أخونة الدولة والهيمنة على مفاصلها.

فضلا عن ذلك، فقد أظهرت ممارسات "النخبة الإسلامية" بقيادة جماعة الإخوان على الصعيد الخارجى، عن جهل فاضح بأبعاد الأمن القومى المصرى، وهو ما تجلى فى محاولتها جر مصر إلى حرب إقليمية "شيعية – سنية" وإقحام الجيش المصرى فى الصراع الدائر بسوريا وقطع العلاقات مع دمشق، بما كشف عن مدى تشابك وتعقد مصالح الجماعة مع قوى دولية وإقليمية وتجاوزها للمصلحة القومية العليا.

إلى جانب ذلك، أسهمت ممارسات بعض "السلفيين"، فى تكريس مخاوف الإنقسام الطائفى وإشاعة أجواء من الخوف وخاصة فى أوساط المرأة والأقباط، من خلال محاولاتهم تديين المجال العام، وظهور بعض جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقيام هؤلاء بممارسة العنف وتطبيق بعض العقوبات خارج القانون، وإصدار الفتاوى الشاذة، ومحاولة الانقضاض على حقوق المرأة والطفل بما يتنافى مع الاتفاقات الدولية التى صادقت عليها مصر.

على الجانب الآخر، بدت "النخبة السياسية شبه الليبرالية واليسارية والناصرية" وأحزابها التى انطوت فى "جبهة الإنقاذ"، عاجزة عن مواجهة "الطغيان الدينى"، أو التدخل على الأرض لتغيير المعادلة السياسية، وذلك بحكم الهشاشة البنيوية والتنظيمية لأحزابها وعجزها عن الحشد والتعبئة وضعف تأثيرها، إما لأن بعضها سواء القديمة أو الجديدة، ولد ضامرا ومعاقا، أو لغياب القديم منها، عن الفعل والانتاج السياسى، فى ظل تاريخ من الحصار السياسى وتدخلات أجهزة الدولة وتجريف الكفاءات وتدنى مستويات ومنظمة التعليم والثقافة، وهو ما ألقى بظلاله على هذه الأحزاب التى عانت – بحسب عبد الفتاح – من "الصراعات الشخصية وانفصال برامجها وشعاراتها عن الواقع الموضوعى، وتراجع البرامج السياسية الجادة والعميقة، القائمة على دراسات علمية لصالح الشعارات السياسية العامة، والشيخوخة التى ضربت بعض أحزابها القديمة وقادتها، وجمود مستوياتها القيادية، والضمور فى تركيبة العضوية بها، وتبنى خطاب سياسى ولغة سياسية تنطوى على إعاقة اتصالية مع القطاعات الجماهيرية الواسعة، لغموض مصطلحاتها ومفرداتها".

ولم يكن حال "النخبة الثورية الشابة"، أفضل كثيرا، فقد سقطت هى الأخرى فى دوائر الإنقسام، وفخاخ "رد الفعل" التى نصبتها لها القوى المحافظة، إذ وقعت أسيرة لحالة "يسقط.. يسقط" و"الثورة مستمرة" فى تحدى لمزاج الرأى العام، منشغلة بمصارعة القوى التى سعت إلى إخراجها من المعادلة، دون أن تنتبه لأهمية ولوج طريق البناء والسعى لتجذير العملية الثورية فى الواقع الاجتماعى، والانتقال من مرحلة الاحتجاج كنمط وحيد للتغيير، إلى الفعل السياسى الخلاق. 

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق