رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عزاء الوجوه

أسامة ريان
يتسلل ضوء خافت من باب غرفته الموارب ، أشعة باهتة حيرى تسعى إلى الظلمة الباردة التى تغمر الردهة .. خطوتُ أدفع الباب قليلاً وعينيّ على أريكته المنخفضة، الغرفة أكثر برودة ، لن أجده مسترخيا كعادته، يتأملهم على الجدار المقابل .. يعرف عنهم الكثير ، قصّ عليّ الكثير من هذا الكثير، وكيف تمكن من رسمهم بتلك البراعة فى هذه البورتريهات (الوجوه) بسرعة أثناء الراحة بين فترتى العمل . تتجلى حميمية علاقته بهم عندما يخفض صوته هامساً بأسرار واراها الزمن معهم ، تبدو نظراتهم مستنكرة خجلى من ذيوع السر .

جلستُ إلى حافة الأريكة ، فراشُهُ مازال مطبوعاً برسمِه .. يحمل رائحته .. سأنام مكانه هنا بينهم الليلة ، سيضطرب الفراش ومطبوعُهُ ليسَعْنى .. أطل قلق غريب من أعينهم عندما تمددتُ على الفراش أسفل البورتريه (الوجه) الذى رسمه لنفسه شاباً بينهم بأعيُن متوثبة بالحماسة وشعر طويل مهوش، أنهى مدرسة الفنون ليلتحق بالعمل بينهم فى مهمة ترميم القصور الملكية.

يُحكِم عم عباس عُقدة صغيرة تضم رُكنيّ منديله الأصفر فى منتصف جبهته السمراء، تتوسط العقدة أخاديد أكثر سمرة تفنن فى شقها الزمن بمعونة أشعة شمس عفية . بدا وجهه لامعاً بحبيبات العرق ، امتص المنديل الأصفر منها، وسرحت بقيتها إلى رقبته المجعدة حيث يخفى باقى المنديل أذنه وتنمو أسفله شعيرات لحيته بيضاء وجانب من شاربه الكث ينسدل كثير من شعره مخفياً فماً فقد معظم أسنانه . تبرق عيناه بلون أزرق باهت .. فى لمعانها حنكة المذهباتى الخبير (الأسطى) الذى أوكلت إليه مهمة إعادة الرونق والبهاء إلى جدران وأبهاء القصور الملكية ضمن فريق ترميم قصور أسرة محمد على باشا. تمتلئ نظراته دهشة من هذا الشاب الصغير الذى ألحقوه بهم فى آخر الزمان ، يحمل أفكاراً جاء بها من مدرسة الفنون، لايترك هذا الأسمرمنكوش الشعر مناسبة إلا ويغافلهم برسم وجوههم بدقة تذهلهم ..لايعرف عم عباس ما سر انقياده لهذا الشاب (أسماه فرقع لوز) فى إضراب عمال اليومية ، فتعطلت أعمال ترميم قصر الجوهرة .

بدا وجه الباشمهندس عبده غاضباً، شررٌ يطق من عينيه الضيقتين .. فالإضراب سيؤثر على الاحتفال الملكى بيوم الجلوس بعد عدة أشهر .. وسينسب هذا التقصير والتأخير إلى الباشمهندس. ويبدو أنه كان مرتكناً برأسه الضخم على مرفقيه إلى مكتبه فى الموقع ، تضغط قبضتيه المتكورتين على خديه الحمراوين غضباً من تقاعس العمال ، وهذا الشاب الجديد ضئيل الحجم منكوش الشعر، التحق بهم من مدرسة الفنون، جذب العمال بأفكار جديدة غريبة تحولت إلى إضراب. يبدو العرق مبللِاً ياقة القميص البنى المفتوح للباشمهندس بلون طمى النيل، بينما يحملق زاجراً بعينيه العسليتين. ميّزت الريشة الحاذقة بين نعومة ملمس القميص البنى وتهشير خشونة الطوب الأحمر القديم المتراص خلفه ، فكلاهما بنى اللون. وبمهارة يبدو على جبهته خط من أثر قبعة يحمى بها رأسه ذا الشعر الأشهب الخفيف ، ميزت الريشة الرهيفة نصف جبهة لا يتعرض للشمس الحارقة .

فى الليالى الباردة ، مع المشروبات الساخنة نجتمع حوله علىَ تلك الأريكة بعد انتهائنا من المذاكرة ، نضج معه بالضحك عندما نصل إلى بورتريه «الشيخ أنيس»، يخبرنا بنشاط وحيَل أنيس الماكرة فى تجييش جماهير لتأييد حزب الوفد فى انتخابات برلمان ما بعد الحرب . وبانتهاء الانتخابات ارتدى عياله الكثيرون ملابس داخلية وجلابيب من أثواب تيل اللافتات ، وعليها حروف ضخمة من أسماء ورموز ملونة للمرشحين ، يصف لنا مقلداً كيف تبدو الحروف على مؤخرات العيال عند الانحناء أو الجرى ، فتبدو مؤخرة برسم الفانوس وأخرى بجزء من رسم مدفع. الحَوَل الواضح فى العين اليسرى لأنيس يزيد عينيه مكراً ودهاءً، تعلو حاجبيه عمامة إصفرّ شالها المحيط بطربوش قصير أحمر مكرمش، يتسلل شعره أسفلها مهوشاً أشهب يمتد ملتفاً حتى أذنه الكبيرة . ثقوب دقيقة تبدو فى كتف الجبة كالحة الإحمرار، وأزرار كثيرة متزاحمة فى طرف الصديرى الأبيض الظاهر من فتحة صدر الجبة . يعمل أنيس معهم باليومية ، يزيل طبقة الجدران القديمة ويغنى بصوت أجش لتسلية العمال على السقالات .. ينسل خلسة خارجاً إلى المقابر فى سفح الهضبة خلف القصر عند ظهور عيل من عياله ، هى إخبارية بوصول جنازة أحد الأثرياء ، يهرول بجبته المعفرة بين أهل المتوفى وعمال المقبرة، يقرأ ربعاً او أكثر مما يحفظ . يعود فرحاً بالأعطية فيوزع أكواب العرقسوس على المحيطين بينما يلهج لسانه بالدعاء للمتوفى إذا كان العطاء سخياً. ويا ويل المتوفى إذا كانت الأعطية قليلة حيث ينقلب أنيس إلى شيطان لعّان سليط اللسان يَدعى على المتوفى وأهله بالجحيم المقيم . يتسلل عائداً ليبدل جبته بسرعة ، يرفسها برجله إلى الركن ليلحق بالباشمهندس يستحلفه بالله ليسامحه عن الغياب المفاجئ ، فالعيال مصاريفهم تقصم الظهر .

لسنوات يسكن وجهى آخر صف الوجوه فى الغرفة إلى جوار باب الشرفة المغلقة، رسمه بقلم الفحم لندرة الألوان أيامها، يبدو طرف دفاتر مذاكرتى فى الثانوى داخل الإطار .. كان ظُهر يوم حار من أيام الامتحانات، شعرى الكثيف وانحناءات عضلاتى بارزة ، تبدو ضاغطة على القميص بأزراره مفتوحة الصدر من أثر التدريبات الرياضية العنيفة، عاد يومها من العمل محبطاً وقد نالت النكسة من نفوس ومشاعر الناس، يجد فى الرسم ملاذاً، ربتَ على كتفى يشجعنى ثم جلس على حافة سريرى بركن الحجرة يعبث بالكتب . لم أنتبه لدفتر أوراقه الكبير (إسكتش) معه ، إلا حين التفتُ إليه فجأة .. كان قد هجره منذ زمن .. التقطَ فى البورتريه هذه اللفتة ذات الابتسامة الخفيفة والشعر المنكوش ..

بعد إرهاق طقوس الوداع اليوم ، والطريق المزدحم باحتياطات الأمن فى زمن القنابل .. تمددتُ أتأمل وجهَه فى الإطار أعلى الأريكة .. هكذا رآه بدون مرآة أيام كان بينهم فى القصور الملكية .. نظراته مصوبة للأمام ، تبدو فيها الدهشة من هؤلاء الفنانين البسطاء الأصلاء .. جال خاطر اللقاء فى رأسى، هو فى طريقه للقاء الرفقة القديمة بعد هذه السنوات.. يتخاطرون بالأعين، أحسها تجول فى المكان ترقبها عينيّ فى الإطار ويصحبها صوت مألوف .. انقطع الصوت فانتبهتُ ، فتحتُ عينيّ ، لم أكن على يقين من يقظتى، لكنه صوت قدميه.. يزحّفهما على الأرض بدون دقات عصاه عندما يحاول التسلل إلى الثلاجة فى المطبخ ، كالعادة يبحث عن قطعة حلوى خبأتها أمى عنه حسب تعليمات الطبيب.. انتفضتُ جالساً أتلفت حولى، امتصت نظراتهم الحانية فزعى .. تريثت أقاوم الاندفاع للقاء الصوت فى الردهة..

واريناه التراب وسويناه، راح الرجل جالس القرفصاء يرتل بصوت غريب.. عمامته مهوشة وخطوط ملح عرق جاف تنتشر على قبة جِبته كالِحة الإحمرار، يميل رأسه ليتأملنا من حين لآخر.. عينُه حولاء.. هى عين أنيس.. رُحت أبحث عن باقى الوجوه فى زحام الحضور فى فناء المقبرة ..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق