رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

"الأهرام" على خط الهدنة بين الكوريتين

محمد إبراهيم الدسوقى
ممنوع تجاوز هذا الخط. ممنوع القيام بحركات استفزازية. ممنوع النظر مباشرة فى عين الجندى الواقف على الجانب الأخر. ممنوع ابراز ما من شأنه الكشف عن هويتك وجنسيتك وعملك. ممنوع التصوير فى غير الأماكن المحددة.

تلك كانت بعض المحاذير والتنبيهات التى طلب منا اتباعها وعدم الاخلال بها، لدى زيارتنا منطقة خط الهدنة الفاصل بين شطرى شبه الجزيرة الكورية الأسبوع الماضى، التى تعد الشاهد الحى المتبقى من عصر الحرب الباردة، وصراعات القوى الكبار، وبؤرة توتر والتهاب دائم بين الكوريتين اللتين لا تزالان فى حالة حرب حتى اليوم. فمنذ التوقيع على اتفاقية الهدنة بين الشطرين فى السابع والعشرين من يوليو 1953 ، عقب ثلاث سنوات من حرب طاحنة بين الأشقاء الكوريين راح ضحيتها آلاف القتلى والمصابين، وتشريد آلاف الاسر، شكلت تلك المنطقة البالغ طولها 250 كيلو مترا وعرضها 3.4 كيلو متر الحد الفاصل بين الجانبين، وتنتشر على الجانب الكورى الجنوبى قوات دولية غالبيتها أمريكية، بغية الحيلولة دون اندلاع حرب جديدة بين البلدين.


رحلتنا بدأت من وسط العاصمة سول، وقطعنا مسافة لا تتعدى 44 كيلو مترا للوصول للمنطقة منزوعة السلاح الواقعة عند خط عرض 38، مما يوضح مدى قرب سول من مرمى نيران المدفعية الكورية الشمالية المنصوبة على قمم الجبال. وما أن اقتربنا من ضواحى العاصمة حتى شاهدنا التحصينات والاجراءات الأمنية المشددة، حيث بنى حائط من الاسلاك الشائكة على طول نهر الهان وكل بضعة أمتار شيد برج للمراقبة، لمنع عمليات التسلل لداخل كوريا الجنوبية، خصوصا وأن كوريا الشمالية أرسلت أواخر الستينيات مجموعة من عناصر القوات الخاصة تسللوا عبر النهر إلى أن وصلوا إلى البيت الأزرق حيث يمارس الرئيس مهام عمله ووقعت اشتباكات أسفرت عن تصفية الجنود الكوريين الشماليين الذين حاولوا اغتياله، ونجح واحد منهم فقط فى الفرار والعودة للشطر الشمالى.

من يومها قررت السلطات الكورية الجنوبية تشديد اجراءات التأمين، وفى الوقت نفسه توفير الأمن والحماية للمدنيين المقيمين الذين يعمل معظمهم فى الزراعة، واخبرتنا المرافقة الكورية أنه بالامكان التمييز بين جبال الجنوب والشمال بسهولة شديدة، فجبال الجنوب تكسوها الأشجار والخضرة الكثيفة، فى حين أن جبال الشمال جرداء لا زرع فيها ولا ماء، لأن أهل الشمال يقطعون الأشجار لاستخدامها للتدفئة شتاء ولطهى الطعام، نظرا لعدم توافر الوقود.

وما أن بلغنا أولى نقاط التفتيش حتى صعد للاتوبيس جندى كورى جنوبى فحص بدقة متناهية جوازات سفر كل الموجودين فيه، وكذلك بطاقات هوية المرافقين الكوريين، بعدها سمح لنا بالمرور، وتوجهنا إلى ما يسمى «بالمعسكر المتقدم»، حيث يوجد مقر قيادة قوات الأمم المتحدة، وكلما اقتربنا منه زادت الاحتياطات الأمنية، وتوقفنا عند البوابة الخارجية للمعسكر فى انتظار السماح لنا بالعبور وهو ما تم بعد أن جرى التدقيق فى جوازات سفرنا مرة أخرى، ثم ترجلنا من الاتوبيس إلى مبنى يضم فى الدور الأول منه ما يشبه المتحف عرض من خلاله عدة صور أبيض وأسود عن فترة الحرب الكورية وتدخل القوات الأمريكية، وخوذات وملابس جنود قتلوا فى المعارك، وشكل المنطقة العازلة قبل اقامة المبانى الحالية فيها، وصعدنا إلى الدور الثانى الكائن به غرفة عرض لمشاهدة فيلم وثائقى عن تاريخ الصراع فى شبه الجزيرة الكورية قبل أن تبدأ جولتنا المثيرة. وامسك جندى أمريكى الميكروفون لابلاغنا بضورة التوقيع على الاقرار الذى سيوزع علينا ويتضمن أننا ندرك خطورة المكان الذى نزوره، وأن الجانب الأمريكى غير مسئول عن حدوث وفيات أو اصابات للمشاركين فى الرحلة، وأن نلتزم بما يقوله الجندى المرافق لنا.

غادرنا المبنى واستقللنا اتوبيسا عسكريا تابعا للقوات الأمريكية، وما أن تحركنا من نطاق مقر القيادة حتى رأينا حقولا على يمين وشمال الطريق ويحرثها سكان قرية صغيرة اسمها «قرية الحرية» التى يقطنها 280 شخصا فقط يتمتعون بمزايا، منها الاعفاء من دفع الضرائب، والخدمة العسكرية مع العلم أن الخدمة العسكرية فى كوريا الجنوبية اجبارية، وحينما يعملون فى الحقول توفر لهم حراسة، وعليهم أن يكونوا بمنازلهم قبل منتصف الليل، وأن يغلقوا النوافذ والأبواب جيدا فى المساء، وبها مدرسة ابتدائية واحدة وحضانة، وعلى طلاب المرحلتين الاعدادية والثانوية الالتحاق بمدارس خارج المنطقة الحدودية. فى المقابل تقع قرية كورية شمالية معروفه باسم «القرية الدعائية» إذ لايوجد بها سوى كنيسة وعلم يرتفع على سار طوله 160 مترا ويستحيل أن ترى فيها شخصا واحدا يتحرك، فالكوريون الشماليون يخشون من عمليات الهروب باتجاه الشطر الجنوبى، ويفصل بين القريتين خط ابيض وبمقدورك رؤية برج المراقبة الشمالى.

انتهى بنا المطاف عند أخطر جزء عندما وقفنا أمام منزل الحرية وهو مبنى اقيم عام 1965، ومقابله نصب تذكارى يخلد محاولة صحفى سوفيتى الانشقاق والفرار للجنوب ومطاردة جنود كوريا الشمالية وقتلهم اياه، صعدنا سلما وشدد علينا الجندى الالتزام الحرفى بما يقوله، ثم فتح الباب لنصبح وجها لوجه مع المنطقة الأمنية المشتركة الواقع فى وسطها ثلاثة مبان، ووقف جنديان فى حالة تحفز يراقبان الطرف الشمالى الواقف فيه جندى يقوم بذات المهمة. دخلنا مبنى له بابان، وبه «ترابيزة» اجتماعات وتليفونات، وفى وسطه خط واضح، فالنصف الأول يقع فى الجنوب والأخر بالشمال، وعلى الباب الثانى وقف جندى فى وضع انتباه وقيل لنا لا تقتربوا منه ولا تحاولوا فتح الباب، فهنا تعقد اجتماعات العسكريين الكوريين الجنوبيين والشماليين تحت مظلة الأمم المتحدة، ولا تبعد آبراج المراقبة الكورية الشمالية سوى 2٫5 متر عن نظيراتها الكورية الجنوبية. واخبرونا بأن الكوريين الشماليين يسمحون بزيارات من جانبهم، لكن ليس فى نفس مواعيد الجنوب ولعدد محدود من مواطنيهم وزوار البلاد، الطريف أن البيانات الرسمية توضح أن المنطقة الحدودية الملتهبة يزورها من الشطر الجنوبى 600 شخص يوميا و150 ألفا سنويا، فهى مزار سياحى وتلك مفارقة غريبة لكن هكذا الحال.

فجأة تقدم الجندى الأمريكى من احد أعضاء الوفد طالبا منه الكاميرا التى صور بها المبانى المجاورة للمبنى الذى كنا فيه قائلا بحدة: غير مسموح التقاط صور لهذا الجزء، وحذف ما صوره، واتجهنا لنقطة المراقبة رقم 3 ومن بين الأشجار الكثيفة ابصرنا نقاط المراقبة على الطرف الشمالى، وسرنا بضع خطوات حتى وصلنا إلى كوبرى اللاعودة الذى تبادل عبره الطرفان اسرى الحرب فى الخمسينيات، حيث عبر للجنوب 82 ألف شخص، وللشمال 35 ألفا، وحذرونا من وجود الغام منذ الحرب الكورية مزورعة على جانبى الطريق. عدنا مجددا إلى مبنى القيادة إيذانا باختتام رحلتنا، وذهب الكثيرون لمحل الهدايا لشراء منتجات عبارة عن أزياء عسكرية وغيرها من السلع. وما ان استقررنا فى اتوبيسنا حتى صعد جندى لاخبارنا باننا محتجزون للتحقيق معنا بعدما صور صحفى افريقى معنا داخل مبنى القيادة وأنه على مرتكب المخالفة التقدم للتحقيق معه، وبالفعل تقدم الصحفى الافريقى الذى أجبر على حذف ما صوره وتم تقريعه على فعلته ومخالفته التعليمات.

انتهت رحلتنا إلى خط الهدنة بين الكوريتين .. ويبقى السؤال المحورى: هل يمكن أن يتوحد شطرا شبه الجزيرة الكورية ثانية فى المستقبل القريب؟!


[email protected]

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق