رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مسلمو الصين .. حقائق ومبالغات وأياد خفية

بكين:هانى عسل
المسلمون فى الصين فى حاجة إلى من يعلمهم أصول دينهم واللغة العربية، لا من يصنع منهم أزمة وسببا للمشكلات والقلاقل ويضعهم فى حالة صدام مع السلطة فى مجتمع لا يقبل المساس بوحدته وتعدديته وسيادته، ولا بقوانينه، ولا تتدخل حكومته فى شئون الدول الأخري.

هذه هى النتيجة التى يمكن أن يصل إليها أى باحث محقق فى الشأن الصينى فيما يتعلق بأوضاع المسلمين هناك، وعلى الأخص فى ضوء ما يتردد من تقارير فى الإعلام الغربى تلتقطها وسائل إعلام عربية بكل سذاجة عن قضية المسلمين الأويجور فى منطقة شينجيانج.بداية، علينا أن نعرف أن الصين تلك الدولة العظمى مترامية الأطراف التى تكاد تشبه القارة من حيث حجم السكان وطبيعة التضاريس الجغرافية والتنوع العرقى واختلاف الثقافات والعادات والتقاليد، لديها الكثير من الأقليات الأخرى الأكبر أو الأصغر حجما من الأقلية المسلمة.وفعليا، توجد فى الصين 56 قومية أكبرها قومية الهان، أو “الخان” كما ينطقها الصينيون، وهى القوام الرئيسى للشعب الصينى الذى يبلغ تعداده 1.3 مليار نسمة، أما الأقليات والأعراق الأخرى فتشكل كلها مجتمعة ما نسبته 8.4% من إجمالى السكان، والأقلية الأكبر ليست الأقلية المسلمة، وإنما أقلية “جوا”، فى حين أن بعض الأقليات ضئيلة الحجم للغاية، ويصل عدد بعضها إلى أقل من عشرة آلاف شخص، أما المسلمون فى الصين فعددهم نحو 20 مليونا، وفقا للإحصائيات الرسمية، ورغم ما يقال من أعداد أكبر من ذلك بكثير فى وسائل الإعلام خارج الصين تصل إلى مائة مليون مسلم، وهو رقم مبالغ فيه كثيرا.

وهؤلاء المسلمون الصينيون يتميزون بأنهم لا ينتمون إلى قومية واحدة، وإنما موزعون على عدة قوميات فى مختلف أنحاء الصين، بنسب متفاوتة، مع الوضع فى الاعتبار أن الديانة لا تكتب فى بطاقات الهوية الصينية، وتكتب الهوية القومية فقط.


وأبرز القوميات التى ينتمى إليها المسلمون فى الصين : أقلية الهوي، أو «الخوي» كما ينطقها الصينيون، وكذلك الأويجور والأوزبك والطاجيك والتتار، وغيرهم، إضافة إلى من دخلوا الإسلام حديثا من أبناء القبائل الأخري، ويتضح من ذلك أن الأويجور مثلا ما هم إلا جزء بسيط للغاية من الأقلية المسلمة فى الصين، وهم يعيشون فى منطقة شينجيانج التى يصفها الإعلام الغربى عادة بلفظ “الإقليم المضطرب”، ويهتم بنشر أخباره كثيرا، كما يهتم بنشر أخبار الانفصاليين فى التبت.


وأهم القوميات المسلمة فى الصين وأكثرها تأثيرا هى قومية الخوي، والسبب فى ذلك أنها تعيش مع الهان وتتكلم لغتهم، ومندمجة فى الحياة السياسية بشكل جيد، ومنهم من يشغل مناصب رفيعة فى الدولة الصينية، وتعيش هذه الأقلية فى مناطق مثل مقاطعة “نينشيا” شمال الصين، وهى مقاطعة تتمتع بالحكم الذاتي، وعاصمتها مدينة ينتشوان، التى تعدها الحكومة الصينية لتكون قلعة صناعية عملاقة وبوابة للتجارة الصينية - العربية المشتركة خلال السنوات المقبلة، خاصة لتشابه خصائص هذه المقاطعة مع دول العالم العربى والإسلامي، من ناحية الدين والعادات والتقاليد والثقافة، وعدد مسلمى هذه المقاطعة يقدر بنحو مليونى مسلم، وبها أكثر من 4500 مسجد.


وفى مسجد ناجا خوي، التقى «الأهرام» بعدد من المصلين عقب صلاة الجمعة، وهم من أبناء أقلية الخوي، وقد اتفقوا جميعا على احتياجهم إلى زيارات متكررة من علماء الدين الإسلامى والوفود والمسئولين من الدول العربية لمتابعة أحوالهم وتلبية احتياجاتهم التى أهمها حاجتهم إلى من يعلمهم شئون دينهم بشكل متعمق، إضافة إلى اللغة العربية، لأن القليل منهم هم الذين يسعدهم الحظ بالسفر إلى مصر مثلا للدراسة فى الأزهر، علما بأن الصينيين العائدين من الأزهر تحديدا لهم مكانة رفيعة بين مسلمى ينتشوان لما اكتسبوه من علم.


ولا يعانى مسلمو ينتشوان من أى اضطهاد أو تمييز، فهم يمارسون عبادتهم بكل حرية، والمساجد مفتوحة فى كل وقت، وعدد المصلين الذين حضروا صلاة الجمعة يقدر بالآلاف، بينما يقدر عدد المصلين فى الصلوات العادية على مدى الأسبوع بالمئات، وبالمدينة مساجد عملاقة تتسع لعشرات الآلاف من المصلين، ومبنية على أحدث الطرازات المعمارية، والشوارع بها لافتات إرشادية باللغة العربية، ومطاعم المسلمين التى تقدم المأكولات “الحلال” منتشرة فى شتى أنحاء المدينة، وباختصار، تشعر فى تلك المدينة، بل والمقاطعة كلها، بأنك فى بلد عربي.


وغالبية الصينيين المسلمين الذين التقينا بهم فى ينتشوان وحتى فى بكين يسخرون كثيرا من تركيز الإعلام الغربى على مزاعم اضطهاد المسلمين فى شينجيانج، وأحدهم أكد أن مشكلة شينجيانج سببها أساسا وجود أياد خارجية تعبث بالمنطقة، وتحرض بعض الفئات هناك على الدخول فى أزمة مع السلطات.


وهذا الكلام يؤكده أيضا تشانج مو نائب مدير مكتب دراسة السياسات والنظريات القومية التابع للجنة الشئون القومية الصينية، والذى يقول إن الدستور الصينى يحترم حرية العقيدة والعبادة، ويساوى بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، ويمنح صلاحيات الحكم الذاتى وتطبيق القوانين الخاصة بالأقليات فى بعض المناطق، وتحظى بعض الأقليات بتمييز إيجابى واستثناءات، مثل المسلمين الذين لا تطبق عليهم سياسة إنجاب الطفل الواحد، لمخالفة ذلك للشريعة الإسلامية، ويحظى المسلمون أيضا بمعاملة خاصة فيما يتعلق بمراسم الدفن ورحلات الحج والعمرة، ويحق لهم الحصول على إجازات فى أعيادهم مدفوعة الأجر.


وهذا الكلام يؤكده ما شاهدناه على أرض الواقع فى الصين.


فالمطاعم الـ «حلال» تنتشر فى كل مكان، بما فى ذلك بكين، أكثر مناطق الصين تنوعا من حيث الثقافة والأديان والتقاليد، وباتت شهادة “حلال” من وتوجد فى بعض الفنادق قاعات طعام مخصصة للمسلمين فقط.


ويوجد فى بكين نفسها شارع مهم اسمه شارع “البقرة” يقطنه مسلمون، وقد استمد اسمه من اسم سورة البقرة أطول سور القرآن الكريم.


أما سبب أحداث التبت وشينجيانج كما يقول تشانج مو فهو كثرة التناقضات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية السريعة التى حدثت فى وقت سريع، وكثرة الهجرة من مكان لآخر، وهو ما أحدث فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وبين المدن العصرية الحديثة والمناطق الصحراوية والريفية النائية التى تواجه الفقر، وهو ما يوضح أن المشكلات فى هذين الإقليمين أساسا تنموية واقتصادية، ومن يشعل نيران الانفصال فى شينجيانج يضر بقضية المسلمين فى الصين بصفة عامة.


ومن لا يقبل تدخل الدول الأخرى فى شئونه، لا يجب أن يتدخل فى شئون الدول الأخرى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق