رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مدخل كمى للجمال

د. سيد البحراوى
نشعر- نحن البشر- بالجمال فى المحسوسات (الذوق والشم والبصر والسمع واللمس) ونسعى إلى الاستمتاع بامتلاكه،

 غير أننا لا نسعى إلى الإمساك به وقياسه بالأرقام، بل ر بما لم يرد ذلك على خاطرنا أبدا. هنا محاولة لتحقيق ذلك: هل يمكن أن نعرف مقدار الجميل والأجمل وكذلك القبيح والأقبح؟أظن أننا لو عرفنا مقدار الجمال فى الأشياء بدقة، ستكون سعادتنا به أكبر، وسنكون قادرين على زيادة هذا المقدار وتقليل مقدار القبح الذى يعم حياتنا ويحيط بنا من كل جانب..

 

تسعى هذه الدراسة للانضمام وربما الإضافة إلى مجال بحثي جديد هو quantitrtative aesthetics الجماليات الكمية، وهو يسعى إلى (تكميم) الجمال الذي استقر الفكر الإنساني منذ بدايته المنظمة (أرسطو) باعتباره قيمة كيفية. وتنطلق دراسات هذا المجال من مقولة أن الكم يحدد الكيف، وأن كل ما حولنا: الزمان والمكان والمواد الخام والطاقات الكامنة والفكر الهاجع، هو كم، وأن جهد الإنسان هو تحويل هذا الكم إلى كيف بفكره وإضافاته هى في حالتنا الجمال، الذي لا يقتصر على الفن بتجلياته المختلفة، وإنما يمتد إلى مجمل عناصر الكون.

من هنا فإن دراسات هذا المجال الجديد تمتد من أبسط الظواهر (مثلاً حركة اليد أو إشارة المرور) إلى اللغة في مختلف الأنظمة الإشارية المركبة بيولوجياً وسيكولوجياً وكيميائياً وفيزيائياً وهندسياً.

وإذا كانت هذه الدراسات تستند – في المقام الأول على نظرية المعلومات، فإن لكل منها، بل لكل باحث فيها، منهجاً وأدوات وأصول نظرية مختلفة، مما قد يؤدي إلى صيغ مختلفة لنتائج البحث، فإنها جميعاً تصل أو تسعى – على الأقل إلى نفس الهدف. إدراك الكم الذي تحول إلى كيف، أي عدد كميات هذا الكيف (الذي هو في حالتنا الجمال) والطريقة التي حقق بها هذا التحول، التي هى أيضاً جزء من الكم، وإن كنا لا نمسك بهذا في إدراكنا المعتاد المعاش في كل لحظة().

رغم كل محاولات طمس المعنى، يظل سعي البشر حثيثاً عنه وإليه. وحتى الذين يريدون طمسه يظلون باحثين عنه حتى يعرفوا كيف يطمسوه.

يقول تزيفتان تودورف في كتابه «اكتشاف أمريكا» أن الهنود الحمر قد أبيدو حينما فقدوا المعنى، حين نجح الغزاة في قطع التواصل اللغوي بين القادة والناس فكف هؤلاء عن المقاومة، واستسلموا للهزيمة. وهذا يفسر لنا لماذا يحرص المتحاربون علي القضاء علي القادة والزعماء في الطرف الآخر.

فقدان المعنى هنا ليس قاصراً على قطع التواصل اللغوي، وإنما قطع كل وسائل الاتصال (النظم الإشارية) التي يمتلكها الإنسان. حين يحدث ذلك تفقد الحياة المعنى، معناها، فيكون الموت، سواء كان هذا الموت حقيقياً أو مجازياً.

وهذا – فيما أعتقد – هو الهدف الأسمى لدعاة العولمة، الذين يريدون أن يفرضوا أنظمة تواصلهم الخاصة على بقية البشر، فيفقد هؤلاء معناهم الخاص ويموتوا إذ يتحولون إلى مسوخ، وإذا رفضوا.. يُقتلون.

يحمل مصطلح «المعنى» دلالة أكثر اتساعاً من مصطلح «الدلالة» أو مصطلح المضمون أو مصطلح المحتوى. وهذا الاتساع، رغم إيجابيته يضع المصطلح في خانة الإبهام والغموض، حيث يكاد من المستحيل الإمساك به لا بالحس ولا بالعقل، هو يكاد لا نهائي أما المصطلحات الأخرى، فإن التقدم العلمي نجح في العقود الأخيرة في الاقتراب من الإمساك بها حساً وعقلاً. وظنى أن هذا النجاح لا يتعارض مطلقاً مع السعي للإمساك بالمعنى.. فكلما ازدادت هذه المحاولات، كلما اقتربنا من هذا الهدف. وتقديري أيضاً أن هؤلاء العلماء يدركون هذا الهدف، حتى وإن لم يكونوا واعين به.

لقد ضلَّ الباحثون عن المعنى من علماء اللغة ونقاد الأدب الطريق طويلاً، حينما لجأوا إلى البحث عن المعنى مباشرة، وظل فريق آخر منهم حينما تجاهلوا المعنى واهتموا فقط بأشكال التواصل ذاتها. يندرج في الاتجاه الأول مختلف الوضعيين سواء بحثوا في المضمون النفسي أو الاجتماعي أو التاريخي أو السياسي أو الثقافي. ويندرج في الاتجاه الثاني الشكليون سواء كانوا من الشكليين الروس أو الأسلوبيين أو البنيويين.

غير أن هناك فريقاً ثالثاً ألقي بذوراً مهمة لرأب الصدع ونبهوا إلى أن المضمون كامن في الشكل، لأن الشكل دال وإيديولوجي، وبدونه لا يمكن الوصول إلى المضمون.

ضمن هذا الفريق كان سعينا منذ أربعين عاماً للبحث عن «محتوى الشكل» الذي يعرف بأنه مجمل الدلالات السيكولوجية والاجتماعية الكامنة في الشكل الجميل، وأن تحليل هذا الشكل الجميل هو الذي يحمل إلينا هذه الدلالات التي تكون – في النهاية معنى النص(1) أو بعض معانيه، وأن التقدم العلمي يسمح لنا – كلما كان دقيقاً وموضوعياً – أن نقترب من المعنى أو كل المعاني، وهذا أمر مرهون بالحاضر والمستقبل أيضاً.

في هذا الإطار تأتي هذه الدراسة، في محاولة للاستفادة من التقدم العلمي في مجال السيميوطيقا ونظرية المعلومات حيث نقترب معهما من دقة العلوم الرياضية البحتة وموضوعيتها، وهما الخاصيتان المشكوك في قدرة نظريات النقد الأدبي على الوصول إليهما، نظراً لانتماء هذا الأخير – حتى الآن – إلى مجال الدراسات الإنسانية. بسبب كون الباحث، في هذه الدراسات هو المبحوث، بما يسمح بقدر من الانحياز أو الهوى الذاتي.

رغم أن النص الأدبي يمتلك خاصية تميزه عن غيره من النصوص، تتمثل في كونه نصاً جميلاً، وأن الجمال ذاته هو أحد أهدافه (أو هدفه الوحيد كما ترى بعض المدارس)، فإنه – في النهاية – نظام إشاري مثله مثل كل النظم الإشارية الأخرى في الحياة، وهى أنه يتكون من مجموعة من الإشارات تتواصل مع بعضها البعض عبر نمط ما من العلاقات، وأن كل إشارة من هذه الإشارات دال ومدلول، وتتداخل أو تتصارع أو تتجاور مع بعضها البعض لتكون في النهاية الدلالة الكلية للنظام.

الدال أصوات أو حروف ملموسة بالأذن أو العين، أما المدلول فهو ذهني مجرد.

استطاعت الدراسات الصوتية منذ القدم أن تمسك بالدال لأنه ملموس محسوس، تستطيع أن تحدد خصائصه إما بالحاسة مباشرة، كما حدث من قبل اللغويين العرب القدماء، أو بالآلات الحديثة، التي تغطي نتائج أكثر دقة. أما المدلول فقد ظل ظنياً، غامضاً قابلاً لتعدد التفسير والتأويل أو حتى الفهم المباشر، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار السياق أو الموقف الذي يقع فيه الحدث الصوتي، واختلاف المرسل والمرسل إليه، حيث يتداخل – هنا – المدلول signifie والمرجع reference الذي يمكن أن يتعدد بتعدد المرسل إليه.

أنجزت دراسات الدال signifiaut تقدماً ملحوظاً، بينما ظل المدلول دون تقدم كبير في الدراسات اللغوية. ومن هنا يصبح دخول علمي السيميوطيقا والمعلومات إضافة مفيدة مهمة في هذا المجال. لأنهما يسمحان لنا بالاقتراب من مفاهيم محددة موضوعياً لا دخل لها بالذات الدراسة، أي بالتحديد كيفية ومعيار قياس المدلول وخصائصه.

طبقاً للسيميوطيقا، فإن اللغة نظام إشاري، مكون من عدد من الإشارات تحكمها علاقات (تختلف مفاهيمها وأنماطها تبعاً للمدارس السميويطيقية المختلفة). وبالطبع فإن النظام الإشارى الأعلى في اللغة والذي يمثل النص، يتكون بدوره من أنظمة إشارية أصغر طبقاً لمستويات اللغة المختلفة، الصوتي والصرفي والنحوي، ومن ثم الدلالي.

وطبقاً لنظرية المعلومات information theory فإن كل إشارة. وكل نظام إشاري يحمل كماً quantity من المعلومات، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة. والكم هنا هو «أصغر مقدار معين من الطاقة يمكن تبادله بين الأجسام وفق تردد معين».

الكم طاقة إذن، أياً كان نوعها ومصدرها، في اللغة فإن هذه الطاقة، تشمل كل ما يصل المتلقي عند تلقي الإشارة حسياً وذهنياً وعاطفياً وخيالياً وشعورياً.. إلخ.

نجح العلماء من مجالات مختلفة في قياس هذا الكم، والوصول إلى صورة رقمية، ففيما يعرف بالقياسات الحيوية أو تعريف البيانات الحيوية، يتم هذا الكم المعلوماتي يحكمه قانون أو معادلة، هى: f(p)= 1-p.

ومعناها أن «كلما كان احتمال وقوع الحدث صغيراً، كلما زادت كمية المعلومات التي نحصل عليها عندما نعلم بحدوثه». وهنا تأتي أهمية مصطلح الـ entropy أو الـ uncertainty اللايقين أو التشتت أو الفوضى أو أياً ما كانت ترجمته. ولعل أوضح مثال يُفهم هذا المصطلح هو الفارق بين الثلج والماء والبخار هنا الأنتروبيا أو درجة التشتت بين ذرات الأوكسجين والنتروجين تزداد من الثلج إلى الماء إلى البخار، طبقاً لدرجة الحرارة المحيطة بهذه الذرات.

كلما زات الأنتروبيا إذن، كان الكم أكبر(3).

المقياس الكمي للخصائص الفيزيائية

يقصد بالقياسات الحيوية أو تعريف البيانات الحيوية (استخدام خصائص الإنسان الفيزيائية للتعرف والتحقق من هويته، ومن هذه الخصائص بصمة الأصبع قزحية العين وملامح الوجه وبصمة اليد والبصمة الوراثية (DNA) وبصمة الصوت وأنماط الحركة أثناء المشي وبصمة الكتابة وجميعها خصائص مميزة لا تتكرر لدى شخص آخر. ويتم تحويل هذه الخصائص الحيوية إلى صورة رقمية (4).

ويرى البعض «كرة القدم مجموعة من العلامات. وبالتالي هى لغة، ثمة لحظات شعرية بشكل صافٍ. إنها لحظات إحراز هدف. كل هدف دائماً يمثل اختراعاً، دائماً تمرد على الكود والهدف إبهار، لهب، لمعان. مثل الكلمة الشعرية (5).

وفي الفن والأدب يرى يوري لوتمان أنه كلما زادت درجة الأنتروبيا (اللامتوقع) كلما زاد الجمال. وهذا أول ربط حديث واضح بين الكم والجمال. وهذا أمر يحتاج إلى بعض التوضيحات.

ينبغي أن ننتبه للمرادفة بين الكم والطاقة بتنوعاتها، وأن هذه الطاقة هى نتاج العلاقة بين مكونات النظام الإشاري والعلاقات بينها، وإذا كان الجمال، تقليدياً يمكن في المفردات (الصوت الواحد أو الكلمة الواحدة) فإن مكمن الجمال يبدو إذن في العلاقات، أي ما أشار إليه عبد القاهر حين قال في أسرار البلاغة «إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشتيتين كلما كان أشد, كانت إلي النفوس أعجب وكانت النفوس أطرب (...) وذلك أن موضع الاستحسان (...) أنك تري بها الشيئين متباينين ومؤتلفين مختلفين.»

غير أننا ينبغي أن ننتبه أيضاً إلى أن العلاقات بين المفردات تنعكس على المفردات ذاتها، أي أنها تعطيها خصائص (موضوعية) مغايرة لما هى عليه خارج هذه العلاقات.

والمثال الواضح هو اللون الأحمر في إشارات المرور، حيث يأخذ مدلولات مختلفة في أنظمة أشارات المرور المختلفة. مثلاً يدل على المنع في معظم دول العالم بينما كان في الاتحاد السوفيتي السابق، يدل على السماح بالمرور. كذلك يأخذ هذا اللون، خارج نظام إشارات المرور، في الملبس والمأكل والطبيعة والمباني... إلخ. دلالات مختلفة. بل أنه يأخذ دلالات مختلفة في الحضارات المختلفة وأحياناً في الدول أو المقاطعات أو حتى القرى والأحياء المختلفة. كل هذا طبعاً دون أن يفقد كونه الأساسي كلون أحمر.

الأمر الآخر الذي لابد من توضيحه، هو أن ارتباط الجمال بالأنتروبي لا يعني الوصول إلى أن تغلب الفوضى على النظام. فمهما كان حجم الأنتروبيا (المعنى اللامتوقع) فهو يظل خاصية من خواص النظام لا يقضى عليه. هذا النظام الإشاري لابد أن يقوم بوظيفته التوصيلية، أي أنه لابد أن يظل ممكن والفهم والتفسير والتأويل من قبل المتلقي. وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة اعتماد النظام الإشاري على حد أدنى من المشترك الدلالي بين المرسل والمرسل إليه. وفي حالة الفن والأدب يتمثل هذا المشترك، لا في الدلالات اليومية للدوال، بل في الدلالات التي تنتمي إلى اللاوعي الجمعي، حسب كارل يونج.

هنا يمكن القول أن المبدع يبني على المشترك (المتوقع) ليقدم اللا متوقع. وهذا هو المعنى الدقيق للصيغة التقليدية التي تقول أن الأديب يرى غير العادي فيما نراه عنه عادياً. وأن الخيال ليس اختراعاً، بل هو اكتشاف لما هو كامن ومختف في الواقع.

هل عدنا إلى المفاهيم الغامضة؛ الكامن والمختفي ؟

لا. نظرية الدلالة، استناداً إلي نظرية المعلومات، تقودنا الآن إلى حساب دقيق أو ينبغي أن يكون أو يسعى لأن يكون دقيقاً، وذلك عبر مصطلح محدد هو مصطلح السيميم Semime أي الوحدة الدلالية الصغرى. والوصول إلى هذه الوحدات الدلالية الصغرى*، يعني رصد الخصائص الموضوعية في الوحدة المحجمية، والتي يشكل مجموعها مجمل دلالتها مثلاً.

رجل = اسم + محسوس + حي + بشري + معدود + ذكر + بالغ.

وهذه هى الخصائص المباشرة، ويمكننا أن نضيف إليه، خصائص الصورة الصوتية، أي الخصائص الغالبة على الأصوات (ر ج ل) (فرغم أن السيميم هو دلالة المورفيم، يجب – من وجهة نظري – رصد الخصائص الصوتية لأن المورفيم يتكون من أصوات أو فورنيمات). فنقول أنه يغلب عليها الجهر وأنها مكونة من ثلاثة مقاطع، قصيران وطويل.

كذلك يمكننا أن نضيف إليها الدلالات المجازية المحتملة والتي لا تتأكد إلا مع علاقات الوحدة بما قبلها أو بما بعدها، باعتبار أن المورفيمات تجتمع معاً في جملة نحوية وبالضرورة دلالية كنتاج للدلالات الجزئية للفونيمات، ومن ثم يمكن أن نضيف من سمات الرجولة، قوي، شهم، كريم، مسئول، مهيمن.. إلخ.

وهذا – كما هو واضح – يمتح من مخزون الاستخدام البشري للغة، سواء في اللحظة الراهنة أو عبر الأزمان الماضية. وسواء كان في الاستخدام التداولي اليومي أو في الأحلام والأساطير والرموز (اللاوعي الجمعي).

ولننتقل الآن إلى نموذج أكبر، تدخل فيه الوحدات المعجمية في علاقات عبر جملة نحوية، حيث – تتم الدلالة الكلية.

تقول نظرية المعلومات أن جملة:

غداً تشرق الشمس من الشرق.

جملة خالية من الدلالة، لأنها خالية من اللامتوقع أو من الأنتروبي، حيث يعرف الجميع، تلك الحقيقة المتعلقة بموقع الأرض من الشمس، في صباح كل موقع جغرافي. وفي مقابل هذه الجملة تأتي الجملة المفاجئة (غير المتوقعة):

غدا تشرق الشمس من الغرب.

تلقائياً تبدو لنا كمية المعلومات (اللامتوقعة) من استقبال كلمة الغرب بالشرق أكبر كثيراً. وهذا صحيح. غير أن الكلمة وحدها ليست هى المسئولة عن هذا، بل ما فرضته على مجمل الجملة من علاقات جديدة (غير مألوفة)، تحتاج إلى توضيح، أي رصد الخصائص الموضوعية لهذه المفردة، تلك التي سمحت لها أن تمارس كل هذا النفوذ على بقية مفردات الجملة، ومن ثم على دلالتها.

وهذا ما يمكن متابعته عبر الجدول المرفق.

في هذا الجدول، نحن إزاء اختبار عميق لنظرية المعلومات وامتداداتها في علم اللغة. فطبقاً لهذه النظرية تخلو الجملة الأولى من المعلومات في حين تكتنز الثانية بهذا. وهذا يبدو صحيحاً لو تعاملنا مع الجملتين بمنطق الاستخدام العادي للغة أي الدلالة العجمية لكل منهما. لكن التعمق في إمكانيات التحويل النحوي والدلالي، يكشف عدم دقة هذا الحكم، بل وحتى على مستوى الاستخدام العادي، يكشف الجدول أن الحكم الأدق يقول بأن الجملة الأولى تحمل معلومات (30 سيميم) ولكنها أقل بكثير من الجملة الثانية (41 سيميم) ومن ثم فإن الجملة الثانية بسبب كثرة معلوماتها وضرورة التعامل معها كجملة مجازية (أي أدبية أو فنية)، هى أجمل من الأولى.

هنا لابد من التأكيد على أن التحليل السيميمي لا ينبغي أن يقتصر على تركيب الجملة كنص مغلق وإنما كخطاب ممارس في موقف حياتي أو سياق أو مقام. (لوتمان وجريماس).

إن متلقي الجملة الأولى في سياق الحوار العادي، لن يعيرها التفاتاً، فهى لم تضف إليه شيئاً، ولكن في سياق حوار أو صراع الحضارات. فإن المرسل يؤكد أن تدهور الشرق الحالي ليس أمراً محتوماً وأنه سوف ينهض في المستقبل القريب أو البعيد (غداً ؟) أي أن الأمور ستعود إلى نصابها، سيعود الشرق إلى سابق مجده. وقائل هذا الرأي هو حامل بالضرورة لا لإيدلوجية رجعية، ترى أن حل مشكلة الشرق لن تحل إلا بالعودة إلى الماضي. وهذا هو (المعنى) الذي تحمله الجملة باعتباره مجمل كم سيميمات الجملة في سياقاتها المحتملة.

في المقابل تفهم الجملة الثانية في السياق العادي على أحد الاحتمالات التالية أن القيامة ستقوم في المستقبل، وفي هذه الحالة ستكون الجملة فاقدة المعلومات بالنسبة للمتدين، وبها بعض المعلومات بالنسبة للمادي الذي لا يؤمن بيوم القيامة. الاحتمال الآخر هو أن القيامة ستقوم غداً أي باكر. وهنا يزدادكم المعلومات بالنسبة للمتلقين. الاحتمال الثالث أن يقول المتلقي أن المرسل هو شخص مجنون، وهذا – بالطبع – حكم ناتج عن كمٍ أعلى من المعلومات في الجملة. والاحتمال الرابع هو أن يعتبر المتلقي جملة مجازية أي أدبية وهنا يأخذ في البحث عن جمالها وسيجد أنه كامن من العدد الأكبر من السيميمات الكامنة في تركيب الجملة المعتادة (خصائص الأصوات) والمجازي (المقابلة واحتمال المفارقة والاستعارة والمجاز المرسل) المكتنز بالدلالة. فالجمال في المفارقة هو أكثر منه في الجناس لأنه يثير التوتر. كذلك الأمر في المفارقة التي يستدعي فيها طرف نقيضه مثيراً التهكم والشعور بالأسى، كما يستدعي فلسفة المفارقة التي تكمن في العدمية واللاجدوى.

والمجاز المرسل يستدعي سيميمات باريس بالإضافة إلى سيميات الحرب، واستعارة الشمس لحبيبتي يجمع أيضاً سيميمات كليهما شعورياً وخيالياً وحسيا(6).

وإذا كان ممكناً حساب سيميمات الحب وباريس الكامنة في الدوال والمدلولات المعاصرة، فإن حسابها لدى كل متلقٍ على حدة الآن، وفي المستقبل، بالطبع مستحيل، فإن كان يمكن توقع أعداداً لا متناهية.

هذا الكم من السيميمات يعطينا المعنى الكلي، الذي يكشف في الجملة عن غرام واضح من شرقي بالنموذج الغربي، طالما أنه أحب باريسية حملها السيميمات الإيجابية، ولابد أنه تجاهل – أو على الأقل قلل - من السيميمات السلبية المحتملة في الجملة. وهذا الموقف هو كما سبق أن درسنا – ما نسميه بالتبعية الذهنية كنموذج الغربي، في مقابل التبعية الذهنية للنموذج الماضوي في الجملة الأولى.

وعلى هذا الأساس العلمي الدقيق، يمكن لباحث تقدمي يحمل رؤية مغايرة للعالم، ترى أن الحاضر (وليس الماضي أو المستقبل المتوهم) هو الأساس الذي ينبغي أن ننطلق منه فهماً ودراسة واكتشافاً للمشكلات وحلولها من خلال تنمية إمكانيات هذا الحاضر، تنمية تورية، يمكنه أن يرفض معنى الجملتين، وإن كان سيستمتع أكثر بالكم الجميل في الجملة الثانية الآن ذهنه سوف يكون مع خياله قد استثير وتوتر فاجتهد ليصل إليه.

ليس سهلاً على المتلقي عامة أن يتقبل هذا الحساب الكمي لمعلومات تصل إليه عبر الشعور والحس والخيال، وليس فقط الذهن أو العقل. ولكن الحقيقة أنه في تلك المجالات المختلفة تستطيع كما قال سانت أوغسطين «قل لي ماذا يمتلك في الرقص، أذكر لك رقماً».

إن مثل هذا التحليل السيميولغوي، يمكن أن يتم على المجالات المتعددة الأخرى التي سبق الإشارة إليها في التصوير والعمارة والرياضية البدنية والأحياء والكيمياء، والطبيعة والهندسة، وفي المجمل الكون، طبقاً لدعوات يوري لوتمان ومدرسة تارتو فيما يسمى semiophere، حيث أن القوانين السيميوطيقية الحاكمة للغة هى ذات القوانين في كل هذه المجالات وغيرها، والتي ينجز كل منها حبكته أو معناه، الذي هو الحياة.

 

 

 

مقارنة سيميمية

 

 

تشرق الشمس من الشرق غدا

1 2 1 3 4

المستوى الصوتي: - ب - - ب ب - - ب ب –

غلبة الأصوات المهموسة في كلمة الشرق في الإدغام المنطق الوزن شطرون وزن الرمل كما ينبغي عروضياً مع تنغيم هابط يمكن أن يقترب من الصعود إلى كانت الجملة استفهامية. ويختلف الوزن إذا اختلف ترتيب الجملة.

معجمياً: فعل + فاعل + جار ومجرور + ظرف

المركز الدلالي: الشرق

نحو جملة فعلية نمطية

إمكانيات التحويل 4: غدا تشرق الشمس من الشرق

4 1 2 3

2 1 3 4

3 1 2 4

3 2 1 4

3 2 4 1

السيميمز اسم + مفرد + معرف

(الشرق والغرب) موقع جغرافي + منظور ســـياسي + الروحانيـــــــــــــة + السحر +

التخلف + الجمال + الفساد + الحكمة + الأخلاق + الماضى +

الديكتاتورية + القبح + العتاقة + الجمال، العصبية + الحضارة.

الدلالة الكلية: جملة فاقدة المعلومات

المجاز: جناس

إمكانيات التحويل: في المستقبل تعود الأمور إلى نصابها.

الموقف من العالم أو المعني: تنطلق الحضارة إلى الشرق / الانغلاق، وهم الماضوية.

تشرق الشمس من الغرب غداً.

 

غلبة الأصوات المجهورة في كلمة الغرب.

 

 

 

الغرب

 

 

 

 

 

 

 

 

الجمال + العلم + النور + التقدم + الكفر + التنظيم + المعلوماتية + الانحلال + الديقراطية العقلانية + الحرية الجنسية + الظلام الإرادة الفردانية - البرود + التعصب + البحث + الغروب + الحضارة + المستقبل

جملة مكتنزة بالمعلومات:

الاستفهام + المقابلة + إمكانية المفارقة في حالة التعجب أو استعارة ومجاز مرسل في حالة: تأتي حبيبتي من باريس غدا.

هنا تدخل الذات إلى الجملة وتضاف سيميمات باريس والحب خصائص الذات التبعية الذهنية.

إشارة جمال الجمل إلى تقرير ناسا حول احتمال شروق الشمس من الغرب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق