رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اكوندروبلاجيا

د. فهمي عبد السلام
1- ذات صباح من صباحات شهر أغسطس القائظ الحرارة، كانت حجرة مكتب الاستاذ الدكتورابراهيم الخشاب تشهد اختبار الشفوي لطلاب الماجيستير ،

 كانت الأمور عادية كما يحدث كل مرة،وهاهو الدكتور العتيد يجلس علي مقعده الوثير خلف المكتب الفاخر ، وهاهو المكيف يبعث الرطوبة التي ترخي الأعصاب ، وهاههم الطلاب والطالبات يقفون خلف الباب وقد تحلقوا حول المعيدة الشابة صفاء وقد أمسكت بالكشف تنادي علي الطلاب لكي يمثلوا بين يدي الدكتور الرصين عبد الحميد الخشاب ، واذا كانت عملية الامتحان في حد ذاتها عملية مرعبة ، الحقيقة ان الامتحان الشفوي كان الهلع مجسدا، لكن هكذا كانت تسير الامور ..

جرت الأمور بشكل عادي ، لقد أدخلت صفاء مجموعتين من الطلاب ، وكما يحدث دائما ، حاول دكتور جمال أن يبدو بشوشا ملطفا هول الموقف علي أبنائه الأعزاء ، كما يحلو له ان يصفهم ويعلن لهم عن سعادته بهم , وتشجيعه لهم ان كانت اجابتهم صحيحة ،ولامانع من مساعدة المتعسر منهم ، أما البلداء والكسالي منهم الذين يفضلون احتساء البيرة واللهو في الكافيهات والمراقص مع الفتيات ، فالدكتور يتغاضي عن حركاتهم القرعة ،وعن التمثيليات الصغيرة التي يتظاهرون بها , لكي يؤكد الواحد منهم انه يعرف الإجابة عن ظهر قلب لولا النسيان قاتله الله ، او أنه مجهد من السهر ،ذلك الإجهاد ،الذي جعل كل المادة تدخل في بعضها هكذا جرت الأمورفي ذلك اليوم مع الدكتور الليبرالي العتيد, بقامته الطويلة وبغليونه الأنيق وتعاليه الذي يحب ان يصفه لنفسه ب «التعالي التاريخي» متباهيا بقراءاته التاريخية المتعمقة سارت أمور الإمتحان علي مايرام ، حتي اللحظة التي انفرج باب الحجرة عن وجه المعيدة صفاء البشوش اللطيف وهي تقول بأدب ،، أأدخل سيادتك ،، فقال مداعبا ،، هاتها .....هاهاتها،، محاكيا أغنية عبد الوهاب

ضحكت صفاء ضحكتها العذبة , وقهقه الدكتور الرائق المزاج ، وانفرج الباب عن الطالبين اللذين كان عليهما الدور. , وما ان وقعت عينا أستاذنا العتيد علي الطالبين ، حتي تجمدت الضحكة وتلاشت ، وهاهو وجه استاذنا المشرق يتحول الي وجه صارم متجهم .

كان الطالبان من الملتحين ،أولهما كانت لحيته ،، نصف دائرية ، بينما كانت لحية الطالب الثاني شعثاء في الإتجاهات كلها ، هكذا قال الدكتور لنفسه واجتاحته موجة من الغضب الناري والحنق الاسود علي الطالبين تذكر ان اشكالهم من الملتحين في مجلس الشوري ومناقشاتهم القميئة كثيرا ما تسببت له في ارتفاع ضغط الدم من الحنق والغيظ الشديد....”. لشد ما امقتكم “, هكذا غمغم الأستاذ الليبرالي لنفسه لازال يتذكر يوم جمعة قندهار يتذكر الباصات والعربات الميكروباصات التي أقلت حشود المتشددين من أرجاء المعمورة ومن كل فج عميق .

في تلك الليلة كان الجو شديد الحرارة ورقدت الجحافل الجرارة في ليلة الجمعة المشؤومة في الميدان ونصبت المنصات الفاخرة واضيئت فتحول ليل الميدان الي كرنفال سوقي صاخب والسماعات العملاقة بدأت تهدر ب ،، الله اكبر كبيرا ،، ووسط هذا الهدير الصاخب ورائحة العرق الفظيعة راحت مجموعات من اللحي المتنوعة بين القصيرة الضعيفة الي ،، المتحنية ،، بالاحمر ،ومن الزبيبة الخافتة الي الزبيبة المثلثة ، وبرغم الحرارة الفظيعة وبرغم الضوضاء الرهيبة, راح العشرات منهم يغطون في احلاها نومة

يتذكر الدكتور الليبرالي العتيد كيف شعر يومها انه لا أمل، اتسع الرتق علي الراتق، يتذكر كيف راح يتكئ علي عصاه وينظر الي اولئك المغيبين البؤساء وهم يجأرون بالهتاف ، لا زالت هتافاتهم وشعاراتهم ترن في اذنه

،،اسلامية اسلامية رغم انف العلمانية»»

كلنا اسامة ابن لادن”»

رايات القاعدة السوداء مرفوعة تعلن الحداد علي البلاد التي ولد بها واحبها وهاهي تذهب الي الهاوية ، كان يتساءل يومها في يأس هل نودع كل ما احببناه ونواريه الثري؟

امام محل سفير للسياحة المحل المفصول عن الميدان راقب الدكتور المئات من السلفيين الذين تم شحنهم من القري والنجوع هاهو التعب قد نال منهم وهاهم يرقدون تحت المنصة في صفوف متراصة وكانها علبة من السردين والحرارة خانقة والضجيج رهيب والاسفلت قاس وتأملهم وهم يغطون في سباب عميق

يتذكر الدكتور انه في تلك اليلة الليلاء شعر بالدهشة العجيبة، انه يكون في فراشه والتكييف مضبوط علي 20 درجة ويبث موجات باردة تدغدغ الاعصاب ويصاب بالارق ويستعصي عليه الرقاد ، ساعتها ادرك ان النهوض بمصر ان لم تكن مهمة صعبة الا انها بكل الحسابات مسألة مستحيلة.

2 - دخل الطالبان الي المكتب واشار الدكتور اليهما بأن يجلس كل منهما علي مقعد من المقعدين امام المكتب نظر اليهما واشعل غليونه وهو يرمقهما من خلال الدخان والنار الضعيفة المنبعثة من الغليون الفاخر وقال لنفسه ،، تعالي يا سلفي وخش علي،، وفكر انه الان يشبه القط الذي افلح في اصطياد فأرا ولكن القط لدواع نفسية غامضة لن يلتهم فريسته مباشرة لكنه سيضعها امامه في متناول مخلبه ويتركها صامتا, فيعن للفريسة أن تحاول الفرار فتفيق علي المخالب الشرسة التي تعيدها الي جادة الصواب

................

................

تلك الافكار راودت عقل استاذنا العتيد في الوقت الذي كان الطالبان يوقعان في كشف الغياب، وباغت الاستاذ اولهما الذي كان يجلس علي الناحية اليمنى فقال له

--.... انت يعقوبي ام حويني ام حسان ام عبد الله بدر؟ام من اتباع وجدي غنيم ام من اي مصيبة اتيت لنا؟!

هكذا سال الدكتور وهو يقصد رموز السلفية الذين كانوا ،،يهتكون ليبرالية الدكتور ويطعنونه في اغلي ما يملك من استنارة ,وهاهو الاستاذ يجد نفسه فريسة لموجة من موجات الغضب الناري ويكمل اسلامية اسلامية رغم انف العلمانية هه؟ ابن لادن يا ابن لادن كلنا ابن لادن هه هه - انطق حويني ام حازمون ام اي بلوة سوداء ؟

ارتعد الطالب وكاد يبكي من الحزن والهلع

.....يا افندم انني ﻻ أتبع احدا فأنا مسلم والله العظيم-

-.......لا ياشيخ ! لا تتبع أحدا؟.

انا رأيتك في جمعة قندهار أﻻ تتذكرها انتفض الطالب في يأس كامل وأقسم في حرارة وهو يكاد ينفجر بالبكاء وهتف وهو يختنق بالبكاء والله العظيم - قاطعه الأستاذ بصوت عاصف قائلا -لا تستغفلني انا رأيتك محمولا علي الأعناق وتهتف إسلامية إسلامية رغم انف العلمانية

والله- لا تقسم اقول انني رأيتك بعيني تقسم بالله- امر سيادتك- هكذا غمغم الطالب في استسلام من يقدم رقبته إلي المقصلة

........مازال الاستاذ يتذكر تفاصيل ذلك اليوم الأسود...... كانت السيارات والباصات والحافلات والميكروبصات التي اقلتهم من الكفور والنجوع تمتد من عبد المنعم رياض لتصل الي مصر القديمة وربما الي مستشفي المعادي ومن فوق كوبري 6 اكتوبر راقب الأستاذ امتداد السيارات الواقفة فقد تكدست متراصة لتصل الي ما بعد ماسبيرو وتصل الي كايرو بلازا

يتذكر ان الميدان امتلأ بجحافلهم والتي فاضت اعدادهم وامتلات بهم شوارع طلعت حرب وباب اللوق وماسبيرو ومحمد محمود وكوبري قصر النيل ومعروف وعابدين وسوق اﻷثنين....

اشكال والوان من اللحي والجلاليب القصيرة واالباكستاني والطواقي الافغاني ورايات واعلام السعودية الخضراء والسيفين المتقاطعين ولا اله الا الله تطعنه في سويداء ليبراليته وحبه الجارف للفنون وللآداب ......كابوس فظيع ، رايات القاعدة السوداء ترفرف وتجعل الميدان يتشح السواد.....

............ في ذلك اليوم الرهيب تسائل في يأس لماذا امتد به العمر لكي يري هذا اليوم اﻷسود؟

2- ران صمت ثقيل علي قاعة الإمتحان

نحن يا سعادة الباشا لا شأن لنا بأي شئ إﻻ العلم هكذا قال احدهما وهو يكاد يبكي عاودت الاستاذ ذكريات يوم الهول العظيم، غادر الميدان محطم القلب سقيم الوجدان يجرجر اقدامه المنهكة بتأثير الشيخوخة وخشونة الركبتين، ويدب فوق اﻷسفلت بعكازه الخشبي ،متجها الي مقهي البستان ، معقل الليبرالية والثورية ،يتطلع الي الرفاق واﻷصدقاء كمن اشتعلت فيه النيران وهو يتلمس ما يطفئها وباية طريقة من مقهي الي مقهي ومن مائدة الي مائدة .عله يجد تحليلا عند احدهم يطمئنه ولو بأي تحليلة أو بتنظيرة تخفف من هواجسه السوداء وحينما رأي صديقه التروتسكي السكندري الثاقب الفكر اللاذع الرؤية حسام صبري، قال الدكتور لنفسه ،، فرجت ،، ،سيجد حتما عند الرفيق” تحليلة “ من تحليلاته العميقة تخفف من شعوره بأن البلاد سوف تتحول الي معقل للقاعدة

يتذكر استاذنا الرصين انه وجد الرفيق حسام ومعنويانه في الحضبض وكأنه ،، جبتك يا عبد المعين تعيني لقيتك يا عبد المعين تعبان،

ألا اجد عندك تحليلة او تفسير يبعث اﻷمل في قلبي..؟-

- لا فائدة ضاعت مصر

يتذكر كيف تنهد في حرقة ويتذكر انه قال

-....علينا ان ندفع ثمن صمتنا وخوفنا 30 سنة .. كل واحد منا يبحث عن حله الفردي

...........

......،......

أفاق من شروده وكان الطالبان الملتحيان وقد تعلقت عيونهما بشفتيه كان من عادته ان يبدأ الأمتحان بسؤال بسيط حتي يكتسب الطالب الثقة بنفسه ثم يتدرج معه الي المتوسطة ثم الصعبة .....وهكذا لكنه وجد نفسه يبدأ بالأسئلة العويصة وبلهجة عدائية وبنظرات متأففة

- هل قلت لي ماذا تعرف عن«الأكوندروبلاجيا» بلع اﻷول ريقه بصعوبة وردد الكلمة أكوندروبلاجيا! أكوندروبلاجيا!!

قاطعه الدكتور في غضب قائلا نعم اﻷكوندروبلاجيا، نعم الاكندروبلاجيا،والنعمة الاكندروبلاجيا والمصحف الاكندروبلاجيا هكذا راح الدكتور يردد في غضب متصاعد

وحين ادرك انه يكاد بفقد سيطرته علي نفسه ، خفض من صوته وقال في حسم تعرفها تكلم لا تعرفها انتهينا-

ماهي اسباب اﻷكوندروبلاجيا؟ -

حين تاكد الدكتور انهما لم يستذكرا تلك الجزئية المنزوية من المقرر وبدلا من الإنتقال إلي سؤال آخر كما يفعل في العادة ، اذا به لا يترك تلك “الاكندروبلاجيا “ولا يسأل إﻻ عنها ، هل تشبه اشياء اخري، اعراضها ..... إلي آخره لن نستطيع ان نصف حالة الطالبين لم يكن اختبارا لكنه كان مذبحة

- يا افندم اريد ان اوضح اسيادتك انني لا شأن لم يكن الدكتور ينتظر الا هذا فإذا به يهيج مرة اخري ويقول لا تدعي البراءة انا رأيتكما في جمعة قندهار وكنتما تهتفان اسلامية رغم انف العلمانية

قام الطالب الاول وتلوي وهو يقسم انه لا شأن له بالسياسة وتذكر الاستاذ انهم كاذبون وان مسيلمة بالنسبة لهم عيل برئ فهاج وقال اسمع يا ابني انا لا شأن لي بانتمائك السياسي فهذا امر يخصك ولكنني سوف اسألك في العلم ومن المنهج وحقي وحقك، تجيب علي الأ سئلة ستنجح , وان لم تجب اجابة صحيحة سترسب كانت النبرة تنطق بالوعيد ،وترك الاستاذ الليبرالي “ الاكوندروبلاجيا”

وانهال عليهما بالأ سئلة الصعبة المتنوعة من الأركان المزوية في المنهاج وبطرق ملتوية مستخدما خبرته في الامتحانات هادفا الي ان يجعلهما لا ينطقان بكلمة واحدة،

،، لم يكن امتحانا لكنه كان مذبحة ،،

ساد الصمت الثقيل في الغرفة، وكان الإنهاك قد حل بالجميع .

كان الطالبان خلال الدقائق الأخيرة قد حل بهما يأس كامل وقد اطبق عليهما الصمت الرهيب،تعرف هذه ؟ لا دعنا من هذه ، تعرف تلك؟ لا . مارأيكما في مستواكما العلمي هل يتراءي لكما انكما تستحقان النجاح؟.

...........

............

اراكما لا تردان علي كلامي؟ هل تستحقان النجاح؟

....... وصل الدكتور الي ذروة السادية فقال وقد رسم ابتسامة التشفي علي وجهه

كي لا تتهماني بانني ظلمتكما وتقنعا نفسيكما بانكما شهداء الليبرالية الكافرة وانكما رسبتما ليس لأنكما لم تستذكرا دروسكما؟ لكن لأنكما تقولان لا اله الا الله، لهذا سأجعل كل واحد فيكما يوجه لنفسه سؤالا في المنهج ما يعن له ويجيب عليه

كان الدكتور المخضرم متأكد ان ضحيتيه قد اصبحا اشبه بجيش مهزوم يجرجر أشلاءه وانهما لن يتمكنا من الإجابة علي أي سؤال

وكما توقع ، فشل الطالبان، الواحد تلو اﻵخر، في اﻹجابة الصحيحة علي اﻷسئلة التي سأﻻها لنفسيهما

3- إنه في ورطة اخلاقية بعد انصراف الطالبين , جلس الدكتور وقد ادرك

“لم يكن امتحان ولكنها كانت مذبحة”هكذا قال لنفسه ،كان يعلم انه مارس عليهما ارهابا شديدا، وانه كان فظا غليظا ،وانه افترسهما دون رحمة

كان كشف الدرجات أمامه يطالبه بأن يضع الدرجة

وتذكر حينما كان طالبا في مثل عمريهما ، تذكر كيف تعرض لللاضطهاد بسبب يساريته من استاذه اليميني الرجعي

تنهد واشعل غليونه وقد استغرق في تفكير عميق “لن اظلمهما لن أكون سببا في رسوبهما ، لم امنحهما محاكمة عادلة ، وان تطلق سراح مشكوك في براءته افضل من حبس برىء”

حسم تردده ووضع لهما درجة النجاح بالضبط , لا أكثر ولا أقل تنهد الدكتور بعمق وقال لنفسه سينجحان وسيبرئ ذمته منهما ، وهما والتحريري والعملي ، والأرقام سرية فاذا اجتازاها سينجحان

خرج الدكتور من الغرفة وقد شفي غليله وأرضي ضميره وراح يستعيد كيف نكل بهما في سعادة ، جعلته يفرك يديه في فرحة غامرة

أحداث القصة من نسج الخيال ووقعت ايام حكم الإخوان

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق