رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المشهد الحزين

أنا رجل على مشارف الأربعين من العمر نشأت فى أحد مراكز محافظة الشرقية، وعشت طفولة جميلة وحيدا لأبوين وثلاث بنات أنا أصغرهم، وعاملنى والدى كأب وأخ وصديق حتى أصبح كاتم أسرارى، وعندما وصلت الى الصف الثالث الإعدادى اصطحبنى إلى عمله وعلمنى صنعته،

 فأثبت فيها مهارة وتميزا وهى «فنى مبردات وتكييف»، وذات يوم علمت بوقوع حادث على الطريق الزراعى وذهبت مع الأطفال لاستطلاع ما جرى، فإذا بى أرى أبى، وسط المصابين، فصرخت مستنجدا بمن حولى، فحملنا الجميع الى مستشفى المركز ووضعناهم فى العناية المركزة وجلست أرضا أمام باب الحجرة وبجوارى أخواتى البنات وأمى، ونحن نترقب ما سوف يبلغنا به الطبيب عن حالة أبى، وفى الساعة الثانية فجرا همس الممرض فى أذنى بأن حالته صعبة، وسمح لى بالدخول حجرة العناية، فجلست على كرسى مجاور لسريره ناظرا فى وجهه، فتحدث إلىّ بصوت خفيض والدموع تسيل من عينيه وأوصانى بأمى وأخواتى البنات ، قائلا: «دول أمانة فى رقبتك» فقبلت يديه، وغادرت الحجرة، وبعدها بحوالى ساعتين رحل عن الدنيا.

الموقف كان صعبا، والمسئولية جسيمة، ووجدت أمى بشهامة الرجال تتحمل أعباء الأسرة بعد وفاة والدى وتقف على ناصية أحد شوارع البلد تبيع الخضراوات، فتركت دراستى وخرجت للعمل مع أحد الصنايعية الذين علمهم والدى، وأثبت نجاحا وتميزا فى عملى حتى عرفنى كل من فى البلدة والبلاد المجاورة وصرت أمهر صنايعى مبردات وتكييف فى المركز، بل وتعدت شهرتى المحافظة التى نقطن فيها بأكملها، وأدارت أمى البيت وحياتنا بحكمة وحسن تدبير، وكل ما يسوقه الله من رزق إلىّ أضعه فى يدها، وذات يوم تقدم شاب لأختى الوسطى من عائلة محترمة فى بلدتنا فقمت بتجهيزها وتمت فرحتها على خير، وفى ليلة زفافها تعرفت على فتاة جميلة من عائلة طيبة وأفصحت لأمى عن رغبتى فى الارتباط بها ففرحت وتقدمنا لخطبتها واتفقنا مع أسرتها على القران والزفاف بعد زواج أختى الصغرى، وبعد عام جمعنى عش الزوجية مع فتاتى، ووجدت أهلها أجمل وأنبل مما توقعت وعشنا حياة سعيدة، لم يعكر صفوها سوى عدم الإنجاب، وزرنا الطبيب الذى أكد أنه ليس لدينا أى موانع للإنجاب، وأن الحمل مسألة وقت، ومرت ثلاث سنوات، ثم حملت زوجتى، وأنجبت طفلا جميلا ملأ حياتنا بهجة وسرورا.

وذات يوم اشار علىّ صديق بالسفر إلى دولة خليجية، وتحدثت مع أمى وزوجتى فرفضتا فى بادئ الأمر، ثم وافقتا بعد أن شرحت لهما رغبتى فى أن أوفر للأسرة معيشة أفضل، وأقبلت على عملى فى ذلك البلد بكل ارتياح، وبعد ما يقرب من عام، هاتفتنى زوجتى، وأبلغتنى بمرض والدتى وأنه تم حجزها فى المستشفى لإجراء جراحة بالقلب، وذهبت إلى الكفيل وأخبرته بضرورة عودتى لرعاية أمى فى مرضها فرفض إعطائى إجازة، ولأن جواز سفرى فى حوزته فلم أستطع التحرك إلا بموافقته فذهبت إلى السفارة المصرية وأخبرت المسئولين فيها بما حدث ، فاتصلوا مشكورين بالكفيل لإقناعه بإعطائى إجازة، لكنه تعنت متحججا بأن مدة عقدى ثلاث سنوات متصلة، وظلت هذه المفاوضات أكثر من أسبوع ولم تفلح، وماتت أمى دون أن ألقى عليها نظرة الوداع، ومرت الأيام ببطء شديد وأكملت مدة عقدى، بصعوبة بالغة، وشرعت فى تجهيز أوراق عودتى، وأقام زملائى فى العمل حفلا لى بمناسبة عودتى، وقبل ميعاد السفر بثلاث ساعات اتصل بى الكفيل وأبلغنى بأن هناك عطلا فى أحد المبردات بالشركة وأن الفنى المسئول عن الوردية مريض، وطلب منى الذهاب لإصلاح العطل، فاعتذرت لأننى أرتدى ملابس السفر، لكنه ألح علىّ، فأعدت ارتداء ملابس العمل ودخلت لإصلاح المبرد، وهو جهاز ضخم يوزع على أكثر من مكان وبجوارى عاملان فنيان، وأصلحت العطل، لكن العامل نسى فتح محبس الهواء وقام بتشغيل الجهاز فانحبس14 مترا مكعبا من الهواء فى أنبوية بحجم أنبوبة البوتاجاز فحدث إنفجار شديد، ودفعنى ضغط الانفجار إلى عشرات الأمتار فى الهواء ثم ارتطمت بحائط وفقدت الوعى.. وبعد غيبوبة استمرت يومين فتحت عينى فلم أر شيئا، فسألت من حولى: لماذا تطفئون الأنوار؟.. فلم يرد أحد.. دقائق عشتها فى رعب، لا أرى نورا، والدنيا حولى ظلام تام، وجاء طبيب ربت على كتفى، وقال بصوت متهدج «ربنا يصبرك يا ابنى.. نجوت من الحادث بأعجوبة لكنك فقدت بصرك»، لم أصدق ما قاله الطبيب وحاولت فتح عينىّ عن آخرهما وضغطت عليهما بأصابعى بقوة ولم أر نورا فصرخت بشدة صرخة مدوية غطت أرجاء المكان، ومكثت فى المستشفى خمسة أيام لعلاج جرح فى مؤخرة رأسى بطول تسعة سنتيمرات وعدة جروح بالرأس والصدر، ثم تبينت حاجتى إلى زرع «عصب بصرى»، وتحدثوا مع الكفيل لإجراء العملية، باعتباره المسئول عن علاج الإصابات الناتجة عن العمل كما ينص العقد، فرفض تحمل أى تكاليف أو حتى جزء منها، وعدت إلى مصر، واستقبلونى فى مشهد حزين دمعت له القلوب قبل العيون، وصرفت ما جمعته فى الغربة على إجراء عمليتين أملا فى عودة بصرى، ورزقنى الله بولد آخر، ثم انتهى عقد ايجار الشقة التى كنا نسكن فيها، وانتقلنا للإقامة لدى حماى، ومازال يحدونى الأمل فى استعادة بصرى، لكى أعمل من جديد وأتولى رعاية أسرتى، فهل تساعدنى؟

 ولكاتب هذه الرسالة أقول:

إذا كان علينا أن نسلم بأقدارنا, وما يحدث لنا من اختبارات الحياة, فليس معنى ذلك أن نسكت على حقوقنا, وإنما يجب أن نطرق كل الأبواب, وأن ندرك تماما أنه ما ضاع حق وراءه مطالب, فصاحب العمل فى البلد الذى كنت تعمل به ملزم بتحمل تبعات الإصابة الخطيرة التى لحقت بك فى بصرك, وتستطيع أن تتواصل مع سفارة هذا البلد فى القاهرة, للحصول على حقك العادل منه, فمن حقك التعويض عن الإصابة, فضلا عن العلاج، وفى الوقت نفسه فإننا سوف نعرض حالتك على أطباء العيون لبحثها, واتخاذ ما يلزم بشأنها، وعلى جانب آخر فإن الصبر على البلاء نعمة كبرى، وأنت أهل للصبر بقدرتك على التأقلم مع ظروفك, ومعايشتك المرض, وقدرتك الهائلة على تحمل المسئولية, واعلم أن فرج الله قريب, وسوف تتغلب على متاعبك وآلامك قريبا بإذن الله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 2
    رحمة
    2015/05/21 23:59
    0-
    3+

    لاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم
    شفاك الله وعفاك وارسل لك من يساعدك على الشفاء التام بأذن الله وان كان صاحب العمل مسئول عنك وعن علاجك انها اصابة عمل كنت على وشك السفر دون ان تتأذى ولكن القدر كان له كلام اخر ولكن صاحب العمل مسئول الا يوجد محامى دولى يجلب حق الرجل واسرته ؟؟
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ^^HR
    2015/05/21 23:57
    0-
    8+

    قلوب نسيت الرحمة ......... حسبنا الله ونعم الوكيل فى الكفيل معدوم المروءة والاحساس والضمير
    ندعو الله أن يرد عليك بصرك ويجعل لك من بعد ضيق فرجا
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق