رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فاصل.. ونواصل؟!

عن لحظات الفاصل في حياتنا يبحث: توماس جورجيسيان
«لأنني كنت دائما مقتنعاً أن الأرزاق يقسمها الله مع بدايات النهار، كنت أستيقظ مبكرا»يقولها الفنان آدم حنين ويبرر ما قاله ذاكرا «لأحاول أن أسابق الشمس قبل أن تشرق وتملأ الدنيا بنورها الساطع فأكون قد أنجزت عملي لتشرق عليه»

.وما أعظمه النحات الكبير حين يقول في حديثه أيضا «الفنان يجب أن ينحت نفسه قبل أن ينحت الحجر،يعلم نفسه الصبر والجلد والتضحية». وأنت من جهتك لا تتردد أبدا ولو للحظة..»ارفع ازميلك وانحت حياتك».تحتفل الولايات المتحدة هذه الأيام بمئوية المخرج السينمائي الكبير أورسون ويلز. وقد ولد «ويلز» يوم ٦ مايو ١٩١٥ في مدينة «كينوشا» بولاية ويسكونسن. وهو الذي قام في ١٩٤١ وهو في الـ ٢٦ من عمره بإنتاج وإخراج وبطولة «المواطن كين» الفيلم الأعظم في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية. وهذا الفيلم تصدر قائمة معهد الفيلم الأمريكي عام ٢٠٠٧ لأحسن مائة فيلم على امتداد مائة عام. و«ويلز» الذي مات عام ١٩٨٥ في الـ٧٠ من عمره أخرج فقط ١٣ فيلما الا أنه ترك بصماته المميزة في ذاكرة عشاق السينما والأفلام. وهو القائل: «أنا دائما مهتم أكثر بأن أخوض التجارب من أن أحقق الإنجازات». وأيضا:» الفيلم ليس جيدا بالفعل الا اذا كانت الكاميرا هي عين في رأس شاعر». و»ويلز» قال: «نحن نولد لوحدنا ونعيش لوحدنا ونموت لوحدنا. وفقط من خلال حبنا وصداقتنا نستطيع أن نخلق وهم اللحظة التي تشعرنا بأننا لسنا وحدنا». هكذا نقاوم الوحدة.

 

أما الكاتبة الأمريكية «توني موريسون» الحاصلة على جائزة «نوبل» للآداب عام ١٩٩٣ فإنها أجرت مؤخرا عدة أحاديث اذاعية وصحفية بمناسبة صدور رواية جديدة لها باسم «يارب ساعد الطفلة» وهى الرواية رقم ١١ في مجموعة كتاباتها الابداعية التي جسدت (كما توصف) المرأة السوداء وتجربتها المتميزة والمؤلمة والحزينة والغاضبة مع الرجل والأسرة والمجتمع والتحرر والإعتزار بالنفس واثبات الوجود. وبداية الطريق لـ«موريسون» كانت مع «العيون الأكثر زرقة» (١٩٧٠). موريسون( وهي الآن في الـ٨٤ من عمرها) تتذكر كيف أن الأغنيات التي كانت والدتها تغنيها لها وهى طفلة أضفت الموسيقى على كتابتها وفي اختيار كلماتها. و»موريسون» تحرص بوجه عام على قراءة نصوصها.. وعلى أن تكون كتبها المسموعة بصوتها هي. وبما أنها عاشت ولازالت تعيش عشق الكتابة فانها ذكرت في حديث اذاعي أجري معها مؤخرا: «في الكتابة أنا أتحرر من الألم. وهي المكان الذي فيه أملك التحكم. وهي المكان الذي لا أحد يستطيع فيه أن يقول لي ماذا أفعل. وهي حديث خيالي خصب ومثمر وأنا في أحسن حالاتي. ولا شئ يهم في العالم أو في جسدي أو في أى مكان آخر عندما أكتب».

 

ومع ما نعيشه وما نعايشه هذه الأيام وأيضا مع ما نشاهده وما نقرأه «فقد تعبنا وأتعبنا أنفسنا وفي حاجة الى من ينقذنا من الشوشرة الحياتية». وهذا التوصيف المعبر عن حالنا أستعيره من الكاتب أنيس منصور وقد كتبه منذ عدة سنوات. ونحن كما كنا بالأمس هكذا اليوم في حاجة ماسة الى نقاء الصوت والصورة ونقاء الأجواء. وعندما يقال لك «الحق نفسك» أو «ما تنساش نفسك» وأنت «الغطسان والغرقان» في حياتك اليومية. أو عندما يتم تنبيهك «فووق .. كفاية بقه». فالغرض من هذه الصيحة في وجهك أحيانا هو ألا تبقى «معصوب العينين» وأن تفك قيودك وارتباطك من الساقية «اللي بتدور بيك». وكم من السواقي وجدنا أنفسنا أسرى وعبيدا لها. ونحن ندور بها ومعها .. ولها.

 

وأنت «تلتقط أنفاسك» عليك أن تبدي شغفك بالحواديت واستعدادك لطرح أسئلة جديدة والالتقاء ببشر جدد. وهذا نراه دربا يسير فيه «ابراهيم أصلان»ـ وهو يقرأ وهو يكتب:» أحمد الله أننى لست بناقد، لأنهم قيل فيهم قديمًا إنهم يرسمون خرائط للجبال التى يتعرفون معالمها من دون أن يتسلقوها قط، بل أنا مجرد واحد شغوف بالحكايات، فإذا جاء وقت الوفاء بالتزام الكتابة لجريدة أو مجلة ولم يجد ما يحكيه التفت يسجل انطباعاته عن بعض الكتب التى أحبها أو التى استطاع، بالأحرى، مواصلة قراءتها، لا شىء أكثر من ذلك، غالبًا، ولا أقل. وهى وسيلة لا بأس بها وتغنينا عن معاودة تكرار طرح الأسئلة التى لا أجوبة لها فى هذا الواقع المدلهم الذى نعيشه».

 

وبما أن تحديات الحياة والموت نراها دائما في الأفق نجد الكاتبة الأمريكية آناييس نين تكتب «إنني أؤجل الموت بالعيش والمعاناة وارتكاب الأخطاء والمخاطرة والعطاء والهزيمة»، خطوات أو اختيارات تتطلب منها ومنا الجرأة والايمان ومعرفة الذات وروح المغامرة. وتواصل نين طريقها قائلة: «لا تبحث عن لماذا في الحب.. لأنه ليس هناك لماذا ولا منطق ولا تفسير ولا حل» وتذكرنا أيضا «نحن لا نري الأشياء كما هي بل نحن نراها كما نحن». وبالطبع كم من كتاب وفنانين وفلاسفة تحدثوا معنا وحاولوا «اختصار طريقنا والحد من تخبطنا» ومع هذا نحن نجازف ونغامر و»نريد أن ندفع الثمن». ولهذا تتجدد حياتنا! وربما لهذا فقط تتجدد حياتنا!.

 

و»ياريتك كنت معايا» تتكرر هذه الأمنية كثيرا مع تذكر «زمن جميل مضى» ومعه بالطبع ألعاب الطفولة والحنين لها.ويكتب الكاتب ميلان كونديرا في «كتاب الضحك والنسيان»:»ضحك، متعة عارمة ولذيذة،بل كل المتعة.. فيما مضى كنت أقول لأختي، أو تدعوني هي،أنلعب معا حتى الضحك؟ نتمدد جنبا الى جنب على السرير،ونبدأ، ونروح نتظاهر بالضحك طبعا،ضحكات متصنعة،ضحكات مضحكة،ثم ضحكات مضحكة الى حد كبير حتى تضحكنا.عندئذ يأتي الضحك الحقيقي،الضحك الكامل، فيحملنا في تدفقه الهائل.ضحكات متفجرة،ومستعارة، ومتدافعة وعاتية.ضحكات رائعة ومجنونة.. وكنا نضحك حتي لا نهاية لضحكاتنا..أوه الضحك!! ضحك المتعة،ومتعة الضحك،فالضحك هو العيش بعمق لا نظير له» انتهى كلام كونديرا (المولود في تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٢٩ والمقيم في فرنسا منذ عام ١٩٧٥) وأكيد الكثير منا لعب لعبة الضحك – خاصة أنها لا تكلفنا شيئا وتمتعنا بالفعل. ولكن كم من ألعاب لعبناها ونحن صغار مع الأسف تناسيناها فيما بعد على اعتبار أننا كبرنا وبالتالي يجب ألا نلعب وإن لعبنا لا يجب أن نلعب ألعاب الصغار بل يجب أن نلعب ألعاب الكبار.»كونديرا» (٨٦ سنة) أصدر آخر أعماله «حفلة التفاهة» في نهاية العام الماضي. 

 

ومهما اشتد الانجذاب نحو منابع البهجة في دنيانا ـ ومهما قل الارتواء بسبب تكاثر أمنياتنا المستحيلة فإن حياتنا في حاجة ماسة إلى صحبة وونس وإحساس بأنك «لست وحدك» (سواء كنت في البهجة أو كنت في الألم).وأنت بالتأكيد عشت كثيرا وعايشت كثيرا تلك اللحظة المتألقة والجذابة «اللي بتقف قدامها وتقول فينك يا .. علشان تعيش وتستمتع معايا – أو فينك يا .. علشان تشيلي شوية من همومي وأفضفض معاكى».

 

ونعم «فاصل .. ونواصل». وقد اعتادت القنوات التليفزيونية والفضائيات أن تكرر على لسان مذيعاتها ومذيعيها هذه الجملة. وطبعا معها قد نشاهد ابتسامة عريضة وأحيانا.. غمزة عين. وبعد هذه الجملة «فاصل ونواصل» يبدأ القصف الاعلاني الاستهلاكي وأيضا عملية ضخ أموال الدعاية والترويج في اقتصاديات القنوات. إلا أن فعل «نواصل» (على فكرة) هو ملكك أنت وأنت صاحب القرار و»تقرير المصير». وفي امكانك بالطبع أن تفعل ما أفعله أنا أحيانا.اذ عندما أسمع «فاصل ونواصل» أقول بملء فمي وكامل ارادتي «خير وألف خير. وأنا بالمناسبة لن أواصل» وبلمسة على الريموت كونترول «أخرج من اللعبة» أو «أفك قيودي وأحرر نفسي». وربما أواصل الفرجة بالبحث عن محطة أخرى والابتعاد عن الغم والشوشرة  و»الخنقة اياها» .. أو قد أضغط على زر وقف تشغيل الجهاز نفسه فتنطفئ الشاشة. 

 

ما يسمى «فاصل» أو «استراحة» أو «واحة» أو «لحظة تأمل» أو «تايم أوت» نحن في أمس الحاجة إليه في حياتنا اليومية. ولهذا يجب أن نبحث عنه ويجب أن نجده ويجب في نهاية المطاف أن نتمسك به. إنه فرصتنا للخروج من هذا الروتين المعتاد والممل والقاتل في حياتنا. إنه اختيارنا.. واختبارنا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق