رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

دفتر الدفاتر2
فى وداع الاماكن

جمال الغيطاني
باب النصر
لجميع الطرق والسكك عندي مسارات شتي. مرة من الشمال إلي الجنوب، ومرة من الجنوب إلي الشمال. أما الثالثة فتمتد في روحي، وفي كل مرة أري شيئا مغايرا، متبدلا، بمحاذاة مدخل حارة الروم الجوانية والعطوف يمتد شارع الجمالية الموازي للمعز وسوق الليمون والزيتون،

 كل جزء من الطريق كيفما جئته يهبني أمرا جميلا، لكن عند اقترابي من باب النصر تبطيء خطواتي. وتتمهل أنفاسي، اخشي باب النصر، أخاف باب النصر. لا.. بالدقة أهابه. جزء ليس بالهين تبقي من سور القاهرة الثاني الذي أشرف علي بنائه بدر الدين الجمالي أربعة أبواب كبري من ثمانية. ثمانية، يحمل عرش ربك يومئذ ثمانية. مبدأ حاكم وقاعدة مهيمنة. للجنة في التصور الإسلامي ثمانية أبواب، غير أن للثمانية قدسية قديمة في مصر العتيقة، في عين شمس ـ اون ـ استقر مجمع الثامون والمكون من ثمانية تجليات للإله، في منف التاسوع، في الزخرفة عرفت النجمة المثمنة. مربعان متداخلان، السداسية هرمان متعانقان، هنا بتجسد التصور المصري القديم، هرم في هرم، هرم يعبر الآخر. انتقل الرمز إلي بني إسرائيل، صار نجمة داود، أبواب القاهرة كانت ثمانية، بقي منها النصر والفتوح وزويلة وجزء من باب البرقية تحت تلال الدراسة، أحبهم إلي باب الفتوح، بقدر ما أخشي النصر أهوي مقاربة باب الفتوح، رغم وقوف الاثنين علي خط واحد، غير أن لكل منهما حضورا مغاير اوهيئة مختلفة، في طفولتي النائية صحبني الوالد إلي خارج باب الفتوح، نقعد علي السور المحاذي لخندق الماء العميق والذي كان يحول بين المهاجمين من الخارج والوصول إلي الحائط المتين المبني من حجارة عليها نقوش فرعونية، لماذا صحبني إلي هذا المكان، كان يجلس صامتا لا يلتقي أحدا. لا يتحدث إلي شخص ما مع أنه كان الأقدر علي نسج الحوار مع من لا يعرفهم. يكون مدخله عادة، انت من أي بلد؟ فإذا ذكر الغريب اسم مدينة أو قرية أو كفر أو نجع لابد أن يسأل عن شخص ما.. ويكون ذلك بداية لكن في باب النصر يلزم السكون، ومع ذلك لم أكن اخشي المكان، لا يبدأ الذهاب إلا إذا وقف وبدأ يمشي تجاه باب النصر، لماذا. لا تفسير عندي، لا ايضاح، هكذا أنا موضع يريحني وآخر يشقيني، واحد يقربني وآخر ينفيني، الناظر إلي السور ومئذنتي الحاكم بأمر الله لا يلمح فرقا، ولكن عندما يبدو الحال شاسعا، هاتان البوابتان تشغلاني حتي الآن، ليس من الضروري أن اقترب لأبدأ طوافي بهما وتخللي لهما، لباب الفتوح منزلة، إذ تلوح لي عند قدومي من شارع المعز أتوقف. ها هي المئذنة البحرية، تواجهها القبلية، قرب المنتصف آيات محفورة بالخط الكوفي وهذا نموذج مفرد لا مثيل له، المئذنة من جزءين، اتحدث عن كل منهما، الأسفل صاعد بميل ويقال انه تأثير منارة الإسكندرية، بعد حوالي ثلاثمائة سنة جري زلزال شديد أسقط الجزءين العلويين، غير أن هذا لم يرض الأمير بيبرس الجاشنكير ـ أي المسئول عن تذوق الطعام قبل السلطان للتأكد من خلوه ونقائه. لا أعرف من الذي توصل إلي هذا الطراز المعروف بالمبخرة، يبدو أنه أعجب به فأضافه إلي مئذنة ابن طولون، وإلي مئذنتي الحاكم، وبالطبع إلي مئذنة الخانقاه الكبري التي شيدها في شارع الجمالية. اقمنا في البيت المواجه عامين، جئنا إليه عام خمسة وخمسين وعدنا منه إلي درب الطبلاوي بداية السابع والخمسين. من هنا يبدأ طريقي إلي باب النصر، يقوي الحضور. كمن يشارف صحراء، ما يحيط بالموضع خلاء. خلاء حقيقي وآخر رمزي لعل السر يكمن فيه، خارج باب النصر تمتد المقابر، متجاورة، متلاصقة. منها خشية ومهابة، يوجد بها من لا نجده في أي مقابر أخري، تلك الأشكال الخشبية، جدران من خشب، أبراج من خشب، كرانيش وحدود من خشب، خشب مطل وآخر ملم، يبدأ ظهوره بعد تجاوز حارة الروم الجوانية أو الجوانية كما يعرفها وينطقها أهل الحي، دخلت وتجولت فيها مع صاحب وزميل لي غاب عني اسمه الآن. يسكن درب الرشيدي، حارة نافذة ما بين شارع الجمالية والمعز يجريان بالتوازي، هذه المسافة الشاسعة كانت بناءين اثنين لا غير، القصر الشرقي الكبير والغربي الصغير الذي خصص لنساء الخليفة الفاطمي، وفيه عاشت وقتلت ست الملك، شقيقة الحاكم بأمر الله، شغلت به ومازلت، اراه بشكل ما. مما قرأته عنه صغت هيئة تطالعني عند جلوسي بمفردي، يمر أمامي غير ناظر إلي أو يقف عند حدود المقطم متطلعا إلي النجوم بنفس وضعي عند خطوي بجوار البحر الأحمر. أو عند وصولي جبل الجلالة والجرف الكبير، آخر حد مصر من الغرب، لن أتحدث عنهما الآن، وبما ابتعثهما وأخبر عنهما أو أصمت فلهما رهبة تماما مثل باب النصر، باب النصر، حتي لو كان النهار ساطعا، مظهرا وظاهرا، فانني أمد الخطي، ظل هذا حتي وقت قريب قبل تلك الخشية من المواضع المرتبطة بالابدية، بل انني بدأت التردد علي بعضها. مثل مقابر الوزير حيث الزاوية السودانية، عوالم في عالم. بل أنني أمضي بمفردي إلي سيدي ذي النون الراقد بقرافة سيدي عقبة وفي أحد اجزائها أبي وأمي. مع الإمعان في العمر بتلاشي الخوف. أصبحت دائم الترد علي قرافة سيدي عبدالله. ما بين خلوة السيدة العالمة نفيسة وضريح ابن دقيق العبد وغيرهم من الصالحين، حملة العلم اللدني أسعي إليهم بمفردي امكث عند اعتابهم. مبتهج، متمايل داخلي، متقلب بين الأحوال، علي مقربة شيدت المكان الذي سيكون مرقدي، أول الداخلين إليه أخي الأصغر علي وقد عاني طويلا وصمت وتعبد متفرغا في مراحله الأخيرة، أقضي في زيارته داخلا اكثر مما كنت أمكثه اثناء سعيه، هكذا طوافي. غير أن حذري الخفي بقي، لا أقرب باب النصر إلا وأتوجس خيفة، ربما بتأثير ما تبقي من صباي، عندما وصلت إلي حد سمحت فيه الظروف بدخول الحصن، الجدار المحيط بالقاهرة فوجئت. كنت أظنه جدارا مصممتا، الحق أنني ولجت مدينة. سلالم صغيرة، أخري عريضة مؤدية، ثالثة حلزونية تفضي إلي غرف القيادة المشرفة علي الخلاء، طبقا لما عرفته من الأوصاف التي استقيتها من هنا أو هناك كان ما يقع خارج الميدانية خلاء. خلاء وليس صحراء، ثمة خرق، لا أخشي الايغال في الصحراء، كل ما فيها متنوع، ملموس، صخر كان أو رمل، أما الخلاء فيمكن ان يأخذني إلي حيث لا أعرف. إلي حيث أجهل، رغم تمدد العمران حتي الديوانية ـ العباسية ـ إلا أني مازلت أتمثل ذلك الخلاء، يتداخل خلاء المكان بخلائي لا أدري من يدعم من؟ ايهما يلتقي بالآخر أو ينأي عنه، الخلاء يمكن أن يستمر إلي الأبد، استعيد الممرات الشبيهة بمعبد دندرة. النوافذ التي تنفرج إلي الداخل وتضيق حتي تصبح شقا نحيلا لا يسمح لسهم بالنفاذ. يشغلني الخلاء، الخلاء فيما يلي باب النصر يقلقلني ويلزمني الصمت والتأمل، أما فيما يلي باب الفتوح فيكفي أمواج الحياة المتلاطمة بالحسينية وما ذكره المقريزي عن جمال نسائها كنت اعانيه في صباي وصدارة فتوتي، ألهذا السبب أفضل باب الفتوح مدخل السفراء، قبل وطئهم أرض القاهرة لابد ان يقبلوا الأرض ثلاث مرات، لابد من المشي حتي القلعة. مرة افترضت نفسي سفيرا لملك الروم، جئت علي مهل من ناحية الحسينية وليس من ناحية باب النصر، أخشاه رغم زعمي عكس ذلك، عندما أتكلم أقول ما أقول. ولكن عندما أكتب فانني الزم الصواب قدر الإمكان، قبلت الأرض مرات ثلاث، تطلع القوم متعجبين. ومضي معظمهم بدون أن ينظر أو يلتفت، اعتادوا مثل ذلك من مجاذيب الحسين وسيدي مرزوق وسيدي بيومي وسيدي الحنفي وأم هاشم ونفيسة العلم، اتوقف قبل الباب، يخبر الجندي بقدوم الزوار عبر فتحة أعلي الباب، يجري التدقيق بالنظر، مع الوثوق والاطمئنان يصدر الأمر باجتياز البوابة، بوابة الفتوح، بوابة البهجة، المرح الدائم المستمد أو المتجه إلي الحسينية، حيث نشوة الحياة ومباهج الوجود وكل ما لا تعرفه المدينة سواء كانت القاهرة أو الفسطاط، لاشيء من تلك التفاصيل، رغم وجود مدخل الحصن كله، السلالم المؤدية إلي كل ركن حتي المئذنة البحرية، أول مرة ارتقي درجها اصغيت إلي اصوات نحيلة، حادة لكنني لم أر شيئا، أخبرني محمد مجاهد حافظ بيت السحيمي إلي حين معلوم، أرغموه علي مغادرته لم يدم أمره أكثر من شهر للأمر تفاصيل. قال لي انها الوطاويط تنتقل ليلا إلي أشجار النبق في حديقة بيت السحيمي. لحسن الحظ أنها من نوع لا يمتص الدماء. رغم ديمومة الفناء في باب النصر.

 

عطفة الحمام

لبوابة المتولي، أو زويلة حضور مهول حتي الآن، غير أن المكان الذي أجج فضولي تلك العطفة الممتدة، علي ناصيتها سبيل رممه الأمريكان، ورغم أنه الجزء الأول منها فإنه يبدو قائما بذاته طوال سعيي في الطريق لم أدخل، لم يثر فضولي أي شيء يجعلني أقدم ، فقط أتوقف أحيانا واقول لنفسي ياسلام، كأن روح الحواري القاهربة كافة تكثفت هنا، إذا افقني صاحب يهمني أمره أقول له عبارة لا تتحير: انت تري نموذجا رائعا للحارة المصرية الصميمة. اؤكد الكلمة الأخيرة. أعبر البوابة الحجرية بالبصر، أرحل قليلا في ثباتي.

لكنني لا ابادر قط إلي العبور، إلي اجتياز العتبة غير المرئبة للبوابة التي ماتزال تحتفظ بملامحها اعلاها مقوس، عمودان غير ملحوظين واحد إلي اليمين، آخر إلي اليسار، ثم ينطلق المسار المثالي ، الأرضية ماتزال مبلطة بالحجر، تماما كما كانت شوارع ودروب وحارات القاهرة القديمة كافة، عرفت ذلك في درب الطبلاوي كانت المسالك كافة تكنس وترش مرتين في اليوم، مرة منها بالماء والصابون، والله بالماء والصابون، استمر ذلك حتي حرب يونيو، بعدها بدأ كل شيء في الانكسار، عندما احتفلوا بألفية القاهرة أزيلت الحجارة ورصفت الأرض بالأسفلت وتحته الزفت الأسود. سرعان ما ظهرت الحفر وفقدان الأرض معناها لكن عطفة الحمام احتفظت برصفها الفديم كيف جري ذلك رحت أقلب في سائر المراجع المعروفة فلم أجد ذكرا للعطفة نفسها غير معترف بها لكني لم يجذبني موضع مثلها خاصة ان البوابة ذات القوس اضفت علي المدخل حالة. أكثر من نصف قرن أروح وأجئ وأتأمل وأفكر في احتمالات الولوج ولا أقدر وأتساءل عما يوجد في الداخل ولا أشرع رغم انها خطوات معدودات بائع الفول بجوار باب زويلة (بوابة المتولي) أكد وجود خرابة متخلفة عن قصر قديم فيه كنز لكن من لا يعرف سر فضه يدخل ولا يظهر له أثر مثل هذه العجائب لا تثير فضول ولا تدفعني إلي الإقدام اعتذت ذلك وكثيرا ما حلمت بعبور البوابة الخالية من مصاريعها تماما مثل حارة الميضأة والحواتية ودرب العطوف كان بكل بوابة من القاهرة وسائر المدن مصراعان من الخشب ماتزال حارة الكبابجي (بيت القاضي الآن ) تحتفظ بهما من جهة ا لمعز كان شيخ الحارة يتولي اغلاقهما ويحتفظ بالمفتاح معه. بعد ثورة القاهرة الأولي والثانية أمر نابليون صاري عسكر الفرنسيين بخلع الأبواب كلها حتي لا يتحصن الثوار بالدروب والأزقة تعقبت ما تبقي فوجدت أنه لا يتجاوز السبعة لكن في بعض الأحيان أجد الإطار الحجري مثل حارة المضيأة والدرب الأصفر وحارة ا لكبابجي بعد تقاعدي وتمهل خطوي، فوجئت بدافع قوي من عندي الي اجتياز بوابة النصر ليلا الي الخلاء ودخول عطفة الحمام جري ذلك بعد الغروب علي امتداد البصر لم أر شيئا غير انني عند المنحني بدأت اسمع اصواتا في البداية لم اقدر علي تحديد مصادرها هل أتت من وراء تلك الجدران أو من خلف أبواب المبني المحيط بالساحة التي فوجئت بمساحتها، ضيق مدخل العطفة لا يوحي بوجودها لم يدركني خوف ولا وهن، عطفة الحمام هي بداية النصر والأخري جزء من العطفة لماذا كن تأهابهما إذن، تعجبت لحالي، ولمدركاتي، أوغلت كما ارتفعت الاصوات ورغم تدقيقي وطول اصغائي فإنني لم اتوقف ولم أميز لكنني واصلت، مرددا: ياه.. أي عطفة هذه اي خلاء هذا؟

 

ترعة البير

رغم أنني نزلت عندها كثيرا ومازلت. رغم أن الوصول إليها منفرج وتحقق وقربي. رغم انني لم أعرفها إلا صباحية أو غسقية. إلا أنني عند استعادتها أو النطق بحروف أسمها لا أراها إلا معلقة. غير متصلة بما يليها من أرض أو ما يسبقها. أجدها منخفضة، واطئة رغم أنها مشرفة، متطلعة إلي الدرب الذي مهدته الأقدام عبر مئات السنين. يميل إلي أسفل. يعبر الهدب الذي يمتليء بمياه الفيضان. الدميرة، لا يمكن الوصول إلي بيوت الربع التي تلي ماكينة طحين الحاج محمود أحمد ذات الّبكات الشهية في أمثالها والتي استمرت تتردد عندي حتي بعد اختفاء النوع كله. غير أنها لاتزال محومة، سارية، ليس في الفراغ المؤدي إنما في الأفئدة العالقة أو المتفرقة في حنايا اللاوجود العصي علي الجمع، علي الادراك، أولئك الذين مازالوا يسعون مثلي أو أتموا الدائرة وصاروا إلي ما لا يمكن بلوغه، هنا ترعة البير مجرد ذكري. مجرد نتفة، فقط جزء من كل. مجرد علامة علي الطريق الترابي الواصل بين طهطا وسوهاج مقربا بين قري الغرب المشرفة علي الصحراء المؤدية إلي الجبل حيث مغارات المساخيط والكهوف ذات الألوان والحروف الغامضة التي ينقل منها الشيوخ ومحترفو السحر والتعاويذ. ليعمروا الأحجبة والأعمال المستعصية علي الادراك لمن لا يعرف أسرارها وما جري عندها. غير أن المعمرين يبتسمون وأطياف من السخرية تدرك ملامحهم، ترعة البير ليست نقطة مجهولة إلا عند النقطة والمركز ومن ثم المديرية، اسألوا أهل الذكر. هكذا يقول الحاج محمد أحمد الذي يلفظ الكلام مرتبا ومنطقيا فيشير إلي من وُلد ورحل وإلي من توقف وآثر البقاء في جهينة رغم صعوبة ذلك وإلي من جاء ليعلم ويشرح الدروس في الجامع، في اليوم الأول لوصوله ذرف الدمع، ونظر الأهل كثيرا وسأل عن مكان ارسال البريد وتشييع التلغراف. غير أنه عند نقله. خروجه إلي ترعة البير وحوله عدد من وجهاء الرُبع ينهنه علي الأيام التي قضاها، علي الوقت الجميل الذي أئتنس فيه بالخلق الطيبين. لذلك يقول أهل جهينة علي الأرباع كلها: من خدم عندنا يجيء باكيا لغربته ويفارق باكيا لإنتهاء الفته، لا تبقي منه إلا السيرة والآثار الطيبة. الإنسان سيرة كما أكد مرارا الشيخ الملواني الذي جاء من أقصي الشرق يسعي وعندما بلغ ترعة البير زعق: هنا، وأرسي سعيه، جاء إليه الكثيرون، حتي الشيخ عبد اللطيف محمد علي ناظر المدرسة تلو الأخري، بعد عودته إلي المسجد الملاصق لدار العمدة الشيخ صالح قال فيما يشبه الحكم: هذا الدجل سيخرج ملاقيا ربه من هنا، واعتبر ذلك ميثاق أمن وآمان، هكذا نصب عشته من البوص تحت الطريق المرتفع والذي يسميه الخلق هنا بالجسر أحيانا لكنهم سرعان ما يرتدون إلي الأصل، ترعة البير. لم يدخل العشة أحد، ولم يصدر عنها صوت غير زعقان صاحبها الذي لم يعرف أحد مصدره، خاصة أنه لم يأت من الغرب عبر الصحراء. إنما جاء من بحري، من الشمال. اعتاد القوم مجيء الدجال وأحيانا النساء من جهة الغرب، يخرجون من قراهم في جبال الأطلس أو الوديان العميقة التي تتخلل جبال الريف قاصدين الأراضي المقدسة للحج، ستة شهور للذهاب وستة للعودة، خلال الطريق الطويل يتخلف البعض. إما لعدم القدرة، أو لنشوء صلات لم تكن في الحسبان منها الزواج، يكثر ذلك أثناء عبور مصر، ترعة البير من النقاط المهمة في طريق البير. كانت القوافل أو الحالات الفردية تقصدها وعندها تتجه جنوبا إلي قفط وقوص، هناك يتم عبور الصحراء إلي البحر الأحمر، ومن ثم إلي مكة المكرمة، حال الناس في الإياب غيرهم في الذهاب، لا يتحدثون كثيرا. لا يتطلعون، ما يسيطر عليهم الرغبة في العودة إلي ديارهم بأقصي سرعة. الصحراء تبدو شاقة أكثر، أصعب، لذلك تقصر الاقامة عند ترعة البير وكذلك اللقاءات والارتباطات. ما يثير جهينة والأرباع الأربعة وصول القرادي. يصحو القوم علي صلاة الفجر، يتأهبون للذهاب إلي الأسواق القريبة والبعيدة. يحملون الحبوب والأوعية الحاوية للزيت والسمن والمحاليل المداوية. قبل شروق الشمس يتجمعون عند ترعة البير ومنها ينطلقون إلي الجهات الأربع، يحدث أحيانا أن يستيقظ الناس علي مغربي. إما راقد عند حدود الربع من الجنوب. ما إن أدرك العمار حتي سقط فاقدا الوعي. أو يقف خائفا يترقب فللقوم تقاليد يجب احترامها والدخول فجأة علي الناس أمر غير مستحب، له عواقب ومحاذير. أما إذا كان بعضهم لديه علامات السكة وبلغ ترعة البير وقعد علي الطريق فإنه في الأغلب الأعم يكون آمنا، سالما حتي يتولي مسئولية واحد من القوم. للغريب حق، ثلاثة أيام من الضيافة الكاملة، صباح الثالث يُسأل عن اسمه، ومصدره، ومقصده، وعندئذ يبدأ الحساب أو اتخاذ أسباب الحيطة، لأهل الغرب أجمعين مهابة ومعزة خاصة، للذي أكثر من الاحترام، يمكن القول انها المهابة. خاصة السلهاب وغطاء الرأس والوعاء المعدني الذي توضع فيه نسخة من دلائل الخيرات والتي تعد النص الثاني بعد القرآن الكريم، ترعة البير تجمع الثاردين منهم. تؤمنهم من مطاريد الجبل. وجامعي الديات، مجرد بلوغها يصير كل منهم إلي حاله، إلي نصيبه، صحيح أن النقطة غير المرئية بالحواس مخفية، لكن كل قاصد يعرفها، وهناك من يؤدي ركعتين شكرا للخالق الكريم، علي بلوغها وعبورها. فهي من العلامات الكبري علي الطريق من الغرب الأقصي إلي مكة المكرمة والمدينة المنورة.

لم يعبرها رجل أو أنثان مثل هذا الرجل وترك حيرة عند الأهل. الكل يجيء من الغرب. لماذا جاء هذا من الشرق؟، ولماذا سمح له أن يلزم ترعة البير، صحيح أن أي بالغ لها، عابر عندها. لا يمكنه أن يراه. أنه مخفي تماما. حتي لو مر أحدهم إلي جواره أو خطي فوقه فلن يدركه ولن يعطله. مخفي هو، لم يعرف أحد كيف يبدل ثيابه، أو كيف يدبر قوته، قيل أن الشيخ عبد اللطيف رتب له مجهولا، وأن بيت أولاد إسماعيل كفلوا إدامه، وأن بيت أولاد سلامة يراعونه، لكن لم يره أحد يجلس إلي مائدة، كاملة أو منقوصة. أي شيء لم يُعرف عنه. بعض الصبية من لا يخافون الكحلة أو العفاريت التي تسكن قرب المكان والسواقي القديمة لبدوا مرارا ليروا الرجل في تقلبه عند نومه أو بدء قيامه إلي سعيه، لكنهم لم يرصدوا شيئا حتي أنهم أيقنوا بخلو الموقع منه غير أن الكبار بمجرد سماعهم لذلك زغروا إليهم بالبصات فلزم الصغار السكينة، القول بعدم وجوده فيه انتقاص للبركة فالرجل عنده شروح للغوامض وللحروف في بدايات السور، وعلاج للرزايا، وتسكين للبلايا، هذا رشدي، فجر ذلك اليوم جري ما جري، صحت جهينة كلها بالأربعة أربع. بكل نواحيها علي صوت لم تعرفه من قبل، لكنه صوت غضب جسيم، يواجهه صوت استغاثة ورجاء بلغة غير معروفة، غير أن ذلك الغضب الزمهرير غطي علي كل شيء حتي قيل أن ترعة البير تلاشت واختفت ذلك الصباح، الحكاية أن جملا هائجا لم يعرف مثله، بسنامين، راح يدهس الأرض، يدوس ما لا يُري، العارفون بالجمال طلبوا من الخلق أن يتركوه حتي ينتهي انتقامه، معروف أن الجمل يضمر الغضب والأسية. لكنه لا ينسي قط ولو مرّ الوقت تلو الوقت. ينتظر اللحظة المواتية، والظرف المناسب، حتي قيل إن زنقته لمن الحق به الإّهانة، مجرد الاهانة وليس الأذي البدني لا يماثلها شيء، رأي أحدهم جملا يفعص رجلا واقفا، الإثنان يستطيلان، يتضامان، والجمل الذي لا يأكل اللجم يقضم عنق من أهانه أمام أنثاه يلوكه نيا. لا حنق يماثل تحرر الجمل مما يضمره. أما هذا الجمل ذو السنامين القادم من أقصي الشرق فلا أحد يعرف شيئا عن الطريق الذي قطعه والزمن الذي استغرقه، أنه نوع خاص جدا، لا يمكنه نسيان الأسية. يتعقب من اعتدي عليه ولو باللفظ إلي آخر المعمورة ويحشره أينما كان حتي لو اختبأ في شق جرذ أو ثعبان، مادام عثر عليه وطاله لا يتركه أبدا إلا بعد هرسه وتحويله شيئا مزقا، يبدو أن الشيخ الملواني أمضي السنوات الماضية هربا منه. عندما توقف عن التقاط الحشائش، تطلع صوب جهة معينة، رفع قاتمتيه الأماميتين. أطلق ذلك الصوت غير المألوف، نادر التردد، ألزم جميع أفراد القطيع الصمت. بعده بدل الخطو متهاديا، الكل أفسح له الطريق حتي الحشائش في مرابضها. منذ ذلك الحين هو الموجه لنفسه بتأثير الأثر الذي تركه مصدر الاساءة ومرتكبها، متي تجري المواجهة؟، هذا ما لا يعرفه إلا المدبر سبحانه، كم قطع المسافة من السهوب الأسيوية إلي ترعة البير. لا أحد يقدر علي الإجابة، يقول البعض أن اللقاني خاطب الجمل وأن الجمل جاوبه بشكل ما قبل أن يسويه بالأرض، ورغم غرس حربة قديمة شهدت حروبا شتي ولاتزال عند بيت محمود أحمد صاحب ماكينة الطحين الوحيدة في الناحية إلا أن الجمل ذا السنامين ظل باركا علي الشيخ حتي أصبح تمييزه من الأرض صعبا، نفس اللون الرمادي الغامق، نفس المستوي. لا يعرف أحد كيف جري ذلك قبل أن يرفع الجمل مطلقا ذلك الصوت الذي فزعت كل جمال الناحية منه وتفرقت مما أرهق أصحابها انفقوا أياما حتي عثر كل منهم علي راحلته. عندما بدأ وعيي يحرف ترعة البير، ارتبطت عندي بأمرين لا ثالث لهما. أولها العفريت شكيتح ومكانه الأصلي الساقية القديمة بين النخل الشرقي في المنخفض المؤدي، ومعروف عنه قدرته علي التنطيط بين شواشي الأشجار وجريد النخل العالي والارتفاع إلي أعلي ثم العودة إلي حيث لا يري، لكن أفترابه من ترعة البير يعني الظهور، ليس بالضرورة، في هيئة عفريت، إنما يمشي متمهلا، مرتديا جلبابا وإذا صادفه إنس أو حيوان أو جن يتطلع إليه، لا يعرف أحد ماذا نطق؟ ماذا قال؟ لكن المعروف أنه يستفسر عن كل شيء. أو عن حاجة معينة، مثلا: متي تصل الحلزونة غدا؟ من يجيب أو يجتهد في الاجابة يجري له ما جري للسابقين وهذا مما يطول شرحه.

الحلزونة عندي، تطلع من الحنايا فجأة، في وضع لا يتبدل. دائما أراها من الأمام. السائق غاطس بين الركاب الذين أحاطوا به، العجلات مضغوطة بالثقل. الرجال، النساء، الأطفال، أحيانا حيوان متوسط الحجم يندس بين الخلق، خروف أو ماعز. رغم الزحام تتقدم أمي بهدوء، يحيطها فراغ ما. نقتفي أثرها أما الوالد فيتقدمها محاطا بأولاد العمومة من بيت سلامة وخالي وعدد من المعارف، السائق ينتظر، بين الحين والحين ينظر إلي المرآة الجانبية. لكنه لا يتحرك إلا عندما يسمع الصيحات «اطلع يا اسطي..»

كيف يشق لنا طريق وسط الزحام، سؤال حيرني، غير أنني لم أنطقه والآن أشك فيما عندي، هل أحاطنا الفراغ فعلا أم أنها الأوهام التي تدرك الكثيرين عند ترعة البير القصية والتي لو وقفت عندها الآن واستفسرت من العابرين لها عن موضعها الحقيقي أو المتخيل والذين جاءوا إليها من الأقاصي ولزموا، لم يفارقوا. أو تبددوا مع الحكايا والأمثال...

انتهى الجزء الأول من الدفتر الذى أهداه المؤلف إلى ملحق الجمعة بمناسبة عيد ميلاده

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق