رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عـرض الميـدان الأحـمر .. دلالات وأرقام

موسكو ـ د. سامى عمارة
بوتين وقادة العالم خلال متابعه للعرض العسكري
لاول مرة فى التاريخ" .. كثيرا ما ترددت هذه الكلمات القصيرة، عميقة المضمون خلال الايام القليلة الماضية لتكشف عن فرادة احتفالات روسيا بذكرى الانتصار على المانيا الفاشية.

واعتزازها بتاريخها وقدراتها البشرية والعسكرية، فضلا عما تحمله من مضامين ودلالات تقول بان احدا لن يستطيع عزل روسيا عن العالم، مهما تباينت المبررات وتكررت المحاولات.

 وقد كشف العرض العسكرى الذى أقامته موسكو بهذه المناسبة هذا العام عن الكثير من الجديد الذى يحدث "لأول مرة"، ولم يقتصر فقط على ما قدمته من نماذج للاسلحة العصرية التى قالت إنه لا مثيل لها فى العالم، بل وتعدتها الى تأكيد ان روسيا تظل عصية على محاولات الآخرين الرامية الى إحكام طوق العزلة الدولية حولها، وإعادتها الى ما وراء الستار الحديدى الذى كانت فرضته حول نفسها عن طيب خاطر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية فى 1939.

ولم تكن مصر بعيدة عن هذا الحدث الدولى المشهود. فقد وصل الى موسكو الرئيس عبد الفتاح السيسى تلبية لدعوة من نظيره الروسى فلاديمير بوتين لحضور احتفالاتها بمناسبة الذكرى السبعين للنصر على المانيا الهتلرية، ومتابعة العرض العسكرى فى الميدان الاحمر، وهو ما يحدث لاول مرة فى تاريخ العلاقات المصرية السوفيتية - الروسية.  واذا كان هناك من يقول إن الرئيس جمال عبد الناصر سبق وحضر مثل هذا العرض العسكرى فى الميدان الاحمر فى عام 1959  مع الزعيم السوفيتى الاسبق نيكيتا خروشوف، فاننا نشير الى أن ذلك كان بمناسبة اعياد اول مايو، وكان موجودا فى العاصمة السوفيتية فى اول زيارة رسمية يقوم بها الى الاتحاد السوفيتي، فى اطار تأكيد الرغبة المتبادلة لتطوير وتعميق علاقات البلدين بعد توقيع صفقات التسليح، وتمويل بناء السد العالي. ولم يسجل التاريخ بعد ذلك على مدى ما يزيد على نصف قرن مثل هذه المشاركة ، فى مناسبة تظل موسكو تعيرها اهمية خاصة، وهى الاكثر قدسية فى تاريخها المعاصر. نشير ايضا الى ان موسكو كانت قد قررت قصر العروض العسكرية على ذكرى اعياد النصر بعد ان كانت تقيمها فى اكثر من مناسبة، ومنها اعياد اول مايو، وذكرى ثورة اكتوبر التى كانت تقام فى السابع من نوفمبر كل عام حتى تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي.

واستكمالا لاستعراض ما تكنه روسيا لمصر من مشاعر كشفت عن بعضها فى هذه المناسبة لدى استقبالها الرئيس المصري، نشير ايضا الى ما قاله ميخائيل بوجدانوف المبعوث الشخصى للرئيس بوتين الى الشرق الاوسط فى تصريحاته لـ"الاهرام" حول "ان البلدين مصر وروسيا يرتبطان بعلاقة ثقة متميزة تدعمها شراكة استراتيجية، وحوارات سياسية عميقة". واضاف قوله:" إن موسكو تقدر عاليا دور مصر فى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وجهودها المثمرة فى طرح الحلول السياسية للنزاعات القائمة فى المنطقة، الى جانب التنسيق المتبادل بين موسكو والقاهرة فى المنظمات الدولية والامم المتحدة". واكد المسئول الروسى الكبير "ان آفاقا واعدة تنتظر علاقات البلدين فى مختلف المجالات استنادا الى تقاليد الصداقة القديمة بين الشعبين والبلدين". وكان الرئيسان قد اكدا ذلك فى لقائهما الذى جرى فى الكرملين لاول مرة، بعد اول لقاء جرى بينهما فى فبراير 2014 فى موسكو. وكان الرئيس السيسى التقى بوتين من منصبه كوزير للدفاع فى مقر اقامته خارج العاصمة فى اطار آلية "2+2". اما اللقاء الثانى فكان فى سوتشى على ضفاف البحر الاسود فى أغسطس من العام الماضي.

ومن الجديد الذى تسجله موسكو "لاول مرة" ايضا كانت مشاركة أربعة بلدان من خارج المنظومة السوفيتية السابقة بوحدات رمزية من جنودها فى العرض العسكرى وهى الصين والهند ومنغوليا وصربيا، وهو ما يؤكد ان مصر كان يمكن ان تكون الخامسة فى هذا الشأن وهى التى عانت ولا تزال تعانى ويلات الحرب العالمية الثانية بما تختزنه اراضيها فى العلمين حتى اليوم من الغام ومفرقعات يبدو العالم ملزما بالمساهمة فى ازالتها وتعويضها عما اصابها من اضرار.

وقبل ان نترك "الميدان الاحمر" لتناول الجديد الذى جرى "لاول مرة" فى تاريخه المعاصر، نشير الى ما شهده هذا الميدان من تكنولوجيا ومعدات عسكرية لا مثيل لها فى العالم، حسب تأكيدات موسكو، ومنها الدبابة "تي-14 أرماتا" التى اشارت وكالة "سبوتنيك" الى انها "تتميز بوجود طاقمها المؤلف من 3 أفراد فى قمرة مدرعة منعزلة خارج برج الدبابة، وهو ما يزيد فرصهم لتجنب الموت فى حالة انفجار ذخيرة الدبابة، فضلا عن تسليحها المكون من مدفع عيار 125 ملم، ومدفع رشاش عيار 7.62 ملم، ومدفع رشاش مضاد للطائرات عيار  12.7 ملم. ويتم التحكم فيها عن بعد أو بشكل شبه أوتوماتيكي". وتقول المصادر العسكرية إن هذه الدبابة سوف تكون عماد القوات الروسية البرية فى الفترة القريبة المقبلة. اما منظومات صواريخ "يارس" الاستراتيجية النووية العابرة للقارات التى ظهرت ايضا "لاول مرة"، فسوف تكون اضافة بالغة الاهمية والخطورة لصواريخ "اسكندر"، و"توبول" العابرة للقارات وغيرها من "درر" المؤسسة الروسية الصناعية العسكرية.

ونأتى الى "الفوج الخالد" والكتل البشرية المتراصة التى اثارت دهشة وفزع الامين العام للامم المتحدة بان كى مون حيث تصورها "مظاهرات جماهيرية" خرجت الى قلب العاصمة للاحتجاج، حسبما قال خلال لقائه مع الرئيس بوتين. وكان ما يزيد على ثلاثمائة الف من الابناء والاحفاد خرجوا الى شوارع العاصمة قاصدين الميدان الاحمر رافعين صور الاجداد من ابطال الحرب العالمية الثانية ممن لم يسعفهم العمر للمشاركة فى استعراض النصر هذا العام. ولكم كان غريبا ان يفاجئ بوتين مواطنيه بالخروج اليهم رافعا صورة ابيه الذى كان أحد جنود تلك الحرب، ليشاركهم مبادرتهم بالسير معهم لمسافات طويلة، تأكيداً من جانبه لقدسية هذه المبادرة التى تعنى ان احدا لن ينسى مآثر الاجداد الابطال الذين تدين لهم البشرية بنجاتها من براثن الفاشية والنازية.

وفى سابقة تعد "الاولى من نوعها" أيضا، حرصت موسكو بالاتفاق مع بكين على استباق الاحتفالات بالذكرى السبعين للنصر على الفاشية فى موسكو مباحثات موسعة فى الكرملين بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والصينى سى تسزيان اسفرت عن توقيع اربعين اتفاقا حول تعميق الشراكة الاستراتيجية، ومختلف مجالات التعاون بين البلدين. وقال دميترى بيسكوف الناطق الرسمى باسم الكرملين إن قائمة الوثائق الموقعة تشمل اعلانا مشتركا حول تعميق الشراكة الاستراتيجية، والتنسيق المتبادل فى مختلف المجالات، الى جانب تمويل الخط السريع بين موسكو وقازان بما يقدر بثلاثمائة مليار روبل اى ما يقرب من 600 مليون دولار، والتعاون فى مشروع بناء مائة طائرة من طراز "سوخوى سوبر جيت" واستخدامها فى بلدان جنوب شرق آسيا، فى اطار مشروع تقدر قيمته بثلاثة مليارات دولار، فضلا عن تأكيد الرغبة المتبادلة فى شراكة الصين مع الاتحاد الاورواسيوى من خلال التعاون فى بناء طريق "الحرير العظيم".

وفيما كانت المصادر الرسمية الروسية أعلنت عن وصول المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل الى موسكو فى العاشر من مايو فى زيارة تلتقى خلالها مع الرئيس بوتين، وتضع اكليلا من الزهور على قبر الجندى المجهول، أشارت مصادر الخارجية الروسية  الى أن فرانك شتاينماير وزير الخارجية الالمانية استبقها فى زيارة قام بها الى فولجاجراد (ستالينجراد) التقى خلالها مع نظيره الروسى سيرجى لافروف، حيث بحثا عددا من القضايا الثنائية والدولية، ووضعا اكاليل الزهور على قبر الجندى المجهول هناك. الجديد قد يتمثل فى ان زيارة شتاينماير لستالينجراد التى شهدت بداية نهاية الفاشية الهتلرية بهزيمة القوات الالمانية واسر قائدها الفيلد مارشال باولوس، شهدت اعتذاره نيابة عن المانيا، كما قال عن كل ما سببته هذه القوات من دمار وخراب وضحايا بلغ عددها ما يقرب من المليونى جندى لقوا حتفهم فى المعارك التى دامت لمائتى يوم. وبهذه المناسبة نشير ايضا الى أن ابناء ستالينجراد التى جرى تغييير اسمها الى "فولجاجراد" بعد ادانة الحزب الشيوعى السوفيتى لما وصفه بجرائم ستالين بمبادرة من الزعيم السوفيتى الاسبق نيكيتا خروشوف، اجمعوا على احقيتهم فى اعادة اسم المدينة الى ما كان عليه فى السابق اى "ستالينجراد" لسبعة ايام فى العام، احتفاء بامجادها العسكرية وصمودها الاسطورى الذى يعترف الجميع بانه كان "نقطة فارقة" فى مسيرة الحرب العالمية الثانية. ولعلنا لا ننسى ان هذه المدينة البطلة ترتبط باتفاقية تآخٍ مع مدينة بورسعيد، وان كلا من المدينتين تبادلتا تسمية احد ميادينهما باسمى "بور سعيد" فى ستالينجراد، و"ستالينجراد" فى بورسعيد، وهناك من يطالب فى المدينتين القيادة السياسية فى كل من البلدين بتفعيل هذه الاتفاقية واستعادة التعاون فيما بينهما.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق