رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الفيتوري درويش الشعراء..وداعا

اشترك فى الإعداد: رانيا رفاعي ـــ عماد عبد الراضى ـــ رحاب محسن ـــ داليا حسنى ـــ هبة بشير
حياته هو ذاك الفتى الأسمر الذي أطل والده في وجهه يوما ما وقال له : « إن نجمك سينتشر و لست ادري ما ستكون في المستقبل: أحاكماً أم رجل دين أم أي شيء آخر». وعلى كل حال فقد تحققت النبوءة بشكل أو بآخر.

فقد كان للفيتوري أفدنة من بلاد الشعر بسط سلطانه عليها مثله مثل أعظم ملوك وحكام الأرض ولم ينازعه في سيادتها أحد. كما أنه، وفي نفس الوقت، لم يُنسه االمُلك أنه ابن ابن الشيخ مفتاح رجب الفيتوري أحد أقطاب الطريقة الشاذلية العريقة.

ولد الفيتوري عام ١٩٣٦ في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور ، ومالبث أن انتقل منها إلى الاسكندرية حيث ترعرع هناك متشربا أصول و روح الثقافة المصرية بكل تنوعاتها وخلفياتها. وهناك أتم حفظ القرآن الكريم و درس بالنعهد الديني. ثم كان على موعد مع القاهرة التي حضرت له عدد من أهم المحطات في مشوار حياته.

فهناك ، التحق الفيتوري بكلية دار العلوم ، ورغم نبوغه لم يتم دراسته بها لأن أضواء العمل الصحفي وذيوع صيته كشاعر اختطفته. و لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى احتل الفيتوري مكانا بارزا في الصفوف الأولى لشعراء القومية العربية والإفريقية ، كما تبنى في أبياته القضية الفلسطينية وتحدث عنها بوجع لا يقل عن أوجاع أصحابها.

وفي عام ١٩٧٤ ، تلقى الفيتوري المدافع عن الوطن والأرض والعرض و العرق طعنة قاسية عندما قررت حكومة الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري اسقاط الجنسية عنه . ثم عاش الفيتوري في ليبيا التي فتحت لها أبوابه ومنحته جنسيتها . ومع إسقاط نظام القذفي في ليبيا ، اتجه الفيتوري إلى المغرب ليكمل الباقي من عمره هناك إلي جانب زوجته. وكان يكفيه أنه وهو على عتبات الرحيل ينظر بعين الرضا لما ترك خلفه من أثر محمود وإبداعات ستظل أجيال قادمة, ربما كان أبناؤها في علم الغيب, يتغنون بها ذاكرين اسمه كلما هبت عليهم رياح بها شيء يذكرهم بالألم و النضال الذي عاشه الفيتوري وخلده بأغانيه.

قبيل وفاة الفيتورى دشن مجموعة من الشباب والناشطين والصحفيين والمثقفين صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعى «الفيس بوك» تحت عنوان «أبداً ماهنت يافيتوري يوماً علينا».

وكانت تهدف المبادرة الى إعادة الجنسية السودانية للفيتوري والتي انتزعها منه الرئيس الراحل جعفر نميري ونفاه خارج السودان بسبب موقف سياسي يتمثل في كتابته لقصيدة يرثي فيها سكرتير الحزب الشيوعي عبدالخالق محجوب الذي أعدمه النميري, كما كانت تهدف المبادرة الى علاجه. وعبر الناشطون في الصفحة عن رغبتهم في عودته الى بلاده ,وتمنوا له الشفاء,كما تناولوا بعضا من أشعاره . وقد حصل الفيتورى فى حياته الحافلة بالتقلبات على بعض التكريم فنال وسام الفاتح من ليبيا ومن السودان تقلد الوسام الذهبى للعلوم والفنون.

قالوا عنه

قال أحمد عبد المعطي حجازي إن الفيتوري يعد واحدا من كبار الشعراء الذين أنشأوا في الشعر ديوانا خاصا لإفريقيا ، و أضاف : عندما نتحدث عنه فكأننا نتحدث عن ليبولد سنجورو ايميه سيزير و غيرهما من الشعراء الأمريكيين السود الذين شاركوا في انشاء تلك الحركة التي سميت «الزنوجة» . فالفيتوري شارك فى هذه الحركة و هو يدري أو لا يدري في أشعاره الأولى خاصة ديوانه أغاني أفريقيا. و أكدان الفيتوري قدم للشعر العربي و الانساني اضافة لا تنسى.

وأكد الشاعر محمد ابراهيم أبو سنة أن وفاة الفيتوري رحمة الله عليه هي خسارة كبيرة للشعر و الثقافة العربية ، و أنه كان مصريا بالدرجة الأولى . و أشار أيضا إلى مكانته البارزة في السبعينيات من القرن الماضي حين كان أحد رموز الشعر القومي العربي.

و عن ملامحه التي تعرف اليها عن قرب بوصفه أحد أصدقائه المقربين، يقول أبو سنة : إن الفيتوري كان بداخله شحنة من العضب لا تخطئها العين بمجرد أن تراه. وإنه كان دائما في وضع استعداد للدفاع عن أصوله الأفريقية ، و كان يواجه بشجاعة كبيرة كل شخص يتعامل معه على أساس أنه من جنس أفضل .

و يذكر أبو سنة عن الفيتوري أنه في خلال السنوات الخمس الأخيرة من عمره كان يعاني مرضا و عجزا شديدا و كانت حالته يرثى لها لولا وقوف زوجته المغربية الطيبة إلى جانبه في هذه الشدة .

وعن آخر لقاء شعري جمعهما ، يقول أبو سنة إن الفيتوري حينها بلغ من المرض ما جعله عاجزا عن إلقاء أشعاره على الحاضرين بنفسه ، فاشتركنا ، نحن أصدقاءه ، في إلقائها نيابة عنه. وكان دائما ما يردد «لا جدوى».

وأشار إلى أن الفيتوري رحل بعد أن ترك تراثا شعريا يفتخر به, كما حصل على العديد من الجوائز و الأوسمة التي لم توفه حقه.

و قال جابر عصفور وزير الثقافة السابق إن الفيتوري ظهر في مصر مع زميل له من شعراء السودان هو تاج السر حسن ، كلاهما نشأ في مصر و ظهر ابداعهما الأول فيها.

و أضاف أن الفيتوري يعد شاعرا كبيرا و هو أحد الرواد في تأسيس الشعر الحر المعاصر.

ويقول عنه الروائى السودانى حمور زيادة:

ذهب عاشق افريقيا الاول الفيتوري. شاعر افريقيا. الرجل الذي أحب الزنوجة، ومدحها وافتخر بها. مات سلطان العشاق، الذي قال عن نفسه «مملوك، لكني سلطان العشاق». وكان حقاً عاشقاً متفرداً. أحب افريقيا فأحبته. لعله الرجل الوحيد في زماننا الحديث الذي انتسب لقارة. لم تحده الحدود السياسية. فهو سوداني، لكنه عاش بمصر زمانا، وحمل الجنسية الليبية وعمل دبلوماسياً بسفاراتها، واستقر بالمغرب وتزوج بها. . صباح اليوم الذي مات فيه سأله صديق سوداني يلازمه، أين يحب أن يدفن إذا حدث أمر الله. فقال الفيتوري «أرض الله واسعة». ثم نظر الى الاطباء وقال لهم في وداعة «سامحونا» كان يعتذر أنه أتعبهم في محاولة علاجه. ثم صمت. مضى في هدوء، ذلك الذي قال: لا تحفروا لي قبرًا سأرقد في كل شبر من الأرض أرقد كالماء في جسد النيل أرقد كالشمس فوق حقول بلادي.. مثلي أنا ليس يسكن قبرا.
رحم الله الفيتوري، ولا ننعيه إلا بما قاله هو نفسه من قبل:

يا محبوبي لا تبكيني يكفيك ويكفيني فالحزن الاكبر ليس يقال

أما الروائى السودانى الكبير أمير تاج السر فيقول:

حقيقة أعتبر رحيل الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري خسارة كبيرة، فقد كان واحداً من صنّاع القصيدة العربية الحديثة الأوائل، ومن الذين أعتقوا الشعر من عبوديته القديمة وأطلقوه حراً، ليشدو كيفما يشاء، ومعروف أيضاً أنه وبرغم تقلّبه في مسألة الهويّة التي كانت سودانية في البداية، ثم ليبية، ثم سودانية في الآخر مرة أخرى، إلا أن قصيدته لم تفقد أبداً اتزانها، هي نفس القصيدة الأولى التي خرجت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأعني من ناحية الحرارة والتوهج، وهكذا يمكن قراءة الفيتوري في أي وقت، من دون إحساس بأنه تطوّر أو تأخر، حسب تلك التصنيفات المعروفة.

حقيقة تعرّفت على شعر الفيتوري باكراً، كانت دواوينه الأولى التي تتغنّي بإفريقيا ككيان حر، بلا عبودية ولا سادة يتحكمون في خيراتها، موجودة في مكتبة بيتنا التي وعيت قرائياً على الكتب التي كانت فيها، فقد كانت المكتبة المنزلية في أيام طفولتنا، أداة فاعلة من أدوات الحياة العامة، تماماً كسلة الخضار، ومطبخ البيت والسرير الذي ينام عليه الشخص. أذكر أنني قرأت كل تلك الدواوين، وكنت أحفظ قصيدته الشهيرة: معزوفة لدرويش متجول، أسوة بأبناء جيلنا جميعاً، حيث كانت تلك القصيدة، أغنية خالدة لا يملّ من ترديدها الجميع.

بعد ذلك تابعت الفيتوري في قصائده التي كتبها في منفاه، أو مغتربه بعيداً عن السودان، وكان يحمل هوية ليبيا ويعمل دبلوماسياً ليبيا، تنقّل في عدة أماكن، حاملاً سحنته التي هي سحنتنا، وقصيدته التي هي عربية، بدم إفريقي، وكان قد أصدر ديوانه: قوس الليل... قوس النهار، الذي أعتبره مواصلة لتجربته الحياتية، الشعرية الصوفية، وأيضاً الحارة بدم إفريقيا، وأظنني كثفت قراءاتي بعد ذلك في مجال السرد، فلم أطلع حتى الآن على ديوانه الأخير الذي أصدره في الألفية الجديدة.

شعر الفيتوري، إضافة إلى نكهته المسيطرة كأناشيد تحرّرية أو صرخات تنادي بالعدل والمساواة، أخذ كثيراً من التجربة الصوفية، ولا أعني هنا، نظم القصيدة المادحة بالصورة التي تعودنا عليها عند الصوفيين، ولكن نظم قصيدة تحوي كثيراً من التأملات الفلسفية والحوارات بين الذات والذات، ولعلّ قصيدته ياقوت العرش من تلك القصائد التي حملت ذلك النهج، وطافت به على الآلاف من متذوقي الشعر.. وما زلت أذكر هذه الأبيات المتأملة العظيمة، من تلك القصيدة:

دنيا لا يملكها من يملكها

أغنى أهليها سادتها الفقراء

الخاسر من لم يأخذ منها

ما تعطيه على استحياء

والغافل من ظنّ الأشياءَ

هي الأشياء!.

آعماله

{ أغانى إفريقيا (1955) { عاشق من إفريقيا (1964)

{ اذكرينى ياإفريقيا (1965) { أحزان إفريقيا (1966)

{ البطل والثورة والمشنقة (1968) { سقوط دبشليم (1969)

{ سولارا (مسرحية شعرية) (1970)

{ معزوقة درويش متجول (1971)

{ ثورة عمر المختار (1973) { ابتسمى حتى تمر الخيل (1975)

{ عصفورة الدم (1983)

{ شرق الشمس...غرب القمر (1985)

{ يأتي العاشقون إليك (1989)

{ قوس الليل.. قوس النهار (1994)

{ يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997)

{ الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)

{ عريانا يرقص في الشمس (2005)

من إبداعـه
من أغانى إفريقيا

يا أخي في الشرق ، في كل سكن

يا أخي فى الأرض ، فى كل وطن

أنا أدعوك .. فهل تعرفنى ؟

يا أخاأعرفه .. رغم المحن

إنني مزقت أكفان الدجى

إننى هدمت جدران الوهن

لم أعد مقبرة تحكى البلى

لم أعد ساقية تبكى الِدمَن

لم أعد عبد قيودى, لم أعد

عبد ماض هرِمٍ, عبد وثن

أنا حى خالد رغم الردى

أنا حر رغم قضبان الزمن

فاستمع لى .. استمع لى إنما

أذن الجيفة صماء الأذن

إن نكن سرنا على الشوك سنبنا

ولقينا من أذاه ما لقينا

إن نكن بتنا عراة جائعينا

أو نكن عشنا حفاة بائسينا

إن تكن قد أوهت الفأس قوانا

فوقفنا نتحدى الساقطينا

إن يكن سخرنا جلادنا

فبنينا لأمانينا سجونا

ورفعناه على أعناقنا

ولثمنا قدميه خاشعينا

وملأنا كأسه من دمنا

فتساقانا جراحا وأنينا

وجعلنا حجر القصر رؤوسا

ونقشناه جفونا وعيونا

فلقد ثرنا على أنفسنا

ومحونا وصمة الذلة فينا

الملايين افاقت من كراها

ما تراها ملأ الأفق صداها

خرجت تبحث عن تاريخها

بعد ان تاهت على الأرض وتاها

حملت أفؤسها وانحدرت

من روابيها وأغوار قراها..!

فانظر الإصرار فى أعينها

وصباح البعث يجتاح الجباها

يا أخى فى كل أرض عريت

من ضياها وتغطت بدماها

يا اخى فى كل ارض وجمت

شفتاها واكفهرت مقلتاها

قم تحرر من توابيت الأسى

لست اعجوبتها أو مومياها

انطلق فوق ضحاها ومساها

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق