رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ابن رشد.. القاضى المقاتل

عبدالرشيد محمودى
يروى فى كتب التاريخ أن الفيلسوف الأندلسى أبو بكر بن طفيل مؤلف قصة حي بن يقظان هو الذى قدم ابن رشد إلى الخليفة الموحدى أبى يعقوب يوسف،

 وأشار عليه بأن يكلف الفيلسوف الشاب بشرح أعمال أرسطو. وهذا ما فعله ابن رشد على نطاق ضخم، وأصبح بذلك «الشارح الأكبر» للمعلم الأول. ولكن ما هى العلاقة الفكرية بين ابن طفيل وابن رشد؟ أم ليس هناك علاقة من هذا القبيل بين الفيلسوفين، وأنهما ينبغى أن يدرسا منفصلين كما جرت العادة؟ أولهما صاغ فلسفته فى صورة قصة خرافية – هى حي بن يقظان – والآخر فيلسوف عقلانى. فما علاقة هذا بذاك؟ الواقع أن ثمة علاقة عميقة بينهما، ولكنها لا تلتمس فى الروايات التاريخية، بل فى مؤلفات الرجلين، ولا تستبان إذا قرئا منفصلين. فمن المؤكد أن ابن رشد كان يضع خرافة حى بن يقظان نصب عينيه وهو يؤلف كتبه، واسترشد بها سواء اتفق مع مؤلفها أو اختلف معه. ويصدق هذا بصفة خاصة فى كتاب ابن رشد الشهير «فصل المقال فى تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». ففى هذا الكتاب وضع ابن رشد نواة لبرنامج فلسفى كبير كرس حياته بأكملها لتنفيذه، وكانت الخرافة هى نقطة انطلاقه. ولو أننا قرأنا العملين معا، لرأينا كيف خرجت فلسفة ابن رشد العقلانية من رحم الخرافة لكى تطرحها جانبا، وكيف تعلم ابن رشد من الشيخ الذى رعاه وزكاه لكى يفترق عنه - دون أن ينقده صراحة. وتذكرنا قصة العلاقة بين هذين الفيلسوفين بعلاقة أرسطو بأستاذه أفلاطون. يروى عن الأستاذ أنه كان يصف تلميذه بأنه «العقل»، ويروى عن التلميذ أنه قال: «أنا أحب أفلاطون، ولكن الحقيقة أحب إلى منه». وهذا إذن هو العقوق الخلاق.


 


رجل الحصافة والكياسة


يروى ابن طفيل فى قصة حي بن يقظان كيف استطاع طفل رضيع تربى بين الحيوانات فى جزيرة غير مأهولة أن يرتقى بفضل فطرته الفائقة من مرتبة الحيوان ويتوصل خطوة فخطوة إلى تصور كامل للكون على مختلف مراتبه من الكمال إلى أن يقترب من أكمل الكائنات (الله)، ويبلغ أعلى درجات الحياة الأخلاقية والروحية؛ وكيف أن هذا الإنسان أتيح له بعد سنوات العزلة أن يلتقى بمن يطلعه على ما جاء فى الرسالات النبوية من أركان الإيمان، فصدق وآمن وأدرك أن ما توصل إليه بعقله (الحكمة أو الفلسفة) مطابق لما نقل إليه (الشريعة).


ومن الواضح أن القصة مروية على هذا النحو تتضمن ردا على الغزالى الذى اتهم الفلاسفة بالكفر. وابن رشد يوافق تماما على تلك النتيجة النهائية التى توصل إليها حي بن يقظان نيابة عن ابن طفيل. فهو – أى ابن رشد – ينص على أن «الحكمة هى صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة»؛ وهو يريد بدوره أن يرد على الغزالى دفاعا عن الفلسفة. إلا أنه يشرح فى كتاب «فصل المقال» منهجا جديدا لرد حاسم ينهى الجدل حول هذه القضية.


والأمر يقتضى اتباع نهج جديد لأن طريقة ابن طفيل فى الدفاع عن تطابق العقل والنقل قاصرة من وجهة النظر العقلية. فهو دفاع يتخذ صورة قصة تروى مسيرة بطل خرافي نحو الإيمان بذلك التطابق، وتعبر فى الواقع عن تجربة ابن طفيل نفسه فى صورة خرافية. وابن طفيل كما سنرى بعد قليل لا يخفى ذلك. إلا أن الدفاع عن تطابق العقل والنقل بناء على تجربة فردية لإنسان خرافى أو حقيقى لا تثبت صدق النتيجة المنشودة، أى أنها لا تثبت تطابق الفلسفة والشريعة بالضرورة وعلى وجه اليقين. فقد يصلح أسلوب السرد لتجارب الأفراد وسيلة لضرب الأمثال وبث العظات؛ ولكنه لا يغنى عن التدليل بالبرهان.


وابن طفيل لا يخفى أنه يروى قصته لكى تكون مثلا يهتدى به. فهو يصدر كتابه بمقدمة يروى فيها أن الغرض من رواية القصة هو الرد على رسالة جاءته من صديق طلب إليه شرحا للفلسفة المشرقية كما عبر عنها ابن سينا. وهو يستجيب لهذا الطلب، ولكنه يتماهى – هو الراوى – مع حى بن يقظان، كما يتماهى – هو الشارح - مع الفلسفة التى يشرحها، وينتهى إلى موقف الشيخ الصوفى الذى ينصح مريده بالاقتداء به. يقول لصديقه: «... وإنما نريد أن نحملك على المسالك التى قد تقدم عليها سلوكنا، ونسبح بك فى البحر الذى قد عبرناه... فتشاهد ما شاهدناه...»


وابن طفيل يتبع طريقة ملتوية فى الرد على الغزالى. فبالإضافة إلى أن رده لا يستشف بسهولة من تفاصيل القصة الخرافية، نراه يورد فى تصديره لكتابه أقوالا ملتبسة عمن اتهم الفلاسفة بالكفر. فهو يذكر الغزالى بين عدد آخر من الفلاسفة دون أن يبرز دوره وأهميته الخاصة، ولا ينقده صراحة بل يكتفى فى الحديث عنه بعبارات مخففة. يقول مثلا إن كتب الغزالى «هى بحسب مخاطبته للجمهور تربط فى موضع وتحل فى موضع آخر وتكفر بأشياء ثم تتحللها». وهذه طريقة مخففة فى التعبير عن النقد الحقيقى، وهو أن الغزالى متقلب الرأى أو أنه يناقض نفسه. بل ان القول بأن الغزالى لا يستقر على رأى هو فى حد ذاته تقليل من شأن اتهام الفلاسفة بالكفر، وهى تهمة خطيرة، وينبغى التوقف عندها. ولكن ابن طفيل يمر بها مرورا عابرا. ويبدو إذن أنه يتهيب التصدى صراحة «لحجة الإسلام»، ويتهرب من تضييق الخناق عليه، ولا يكاد يقترب من هدفه حتى ينحرف عنه. وابن طفيل يعرف هدفه تماما لأنه يحدد المسائل الثلاث التى كفر الغزالى الفلاسفة فيها؛ ويدرك أن الأمر يقتضى معالجتها لأنه يتناول بعضها على نحو ما فى ثنايا قصته، ولكنه يبذل قصاراه لكى يتجنب المواجهة.


وقد يقال فى تفسير هذا الالتباس ان ابن طفيل، وإن اختلف مع الغزالى فى تكفير الفلاسفة، يتفق مع صاحب «المنقذ من الضلال» فى تصوفه. وقصة حى بن يقظان تنتهى ببطلها ومؤلفها إلى أحوال ومشاهدات ومواقف تعجز اللغة عن وصفها، كما يقول ابن طفيل وكما يقول المتصوفة وكما يقول الغزالى فى بيته الشهير: «فكان ما كان مما لست أذكره/فظن خيرا ولا تسأل عن السبب». وقد يكون الاتفاق مع الغزالى فى جانب من تفكيره سببا لتخفيف الاختلاف معه فى جانب آخر.


ولكن هذا السبب لا يكفى لتفسير تهاون ابن طفيل فى التصدى لتهمة التكفير. بل ينبغى أن يقال إنه كان يؤثر الحيطة والحذر فى التعامل مع حجة الإسلام. كان يدرك بطبيعة الحال أن عداء الغزالى للفلسفة ساد وانتشر على مر العصور بين الخاصة والعامة فى المشرق والمغرب على حد سواء. ويبدو أنه أراد أن يوحى لقرائه أنه وهو الفيلسوف متصوف أيضا على غرار الغزالى، وأن يوهمهم بأن الاختلاف بينهما هين فى نهاية المطاف. وكان إذن يخشى على نفسه من أن يناله سوء إذا اشتد فى معارضة «الإمام». وصحيح أن ابن طفيل – طبيب الخليفة ومستشاره – كان مقربا من صاحب السلطان وينعم بثقته وحظوته. ولكن هذه المكانة فى حد ذاتها تستدعى التصرف بحصافة وكياسة. فأنت لا تأمن شر الحاكم المطلق، ولا تأمن شر من يخلفه.


وهناك علامات تدل على أن ابن طفيل كان يسيء الظن بأصحاب السلطة القائمين منهم والقادمين وبقدرتهم على تأليب العامة على المفكرين والعلماء. يظهر ذلك بقدر من الوضوح فى الجزء الذى يخصصه لخروج حى بن يقظان من عزلته وانتقاله مع صديقه ومرشده أبسال إلى جزيرة أخرى. يقول ابن طفيل دون تحديد إن أهلها تلقوا رسالة نبوية ما وآمنوا بها، ولكن بعض أقواله الأخرى لا تدع مجالا للشك فى أن الرسالة التى تلقاها هؤلاء الناس هى الرسالة المحمدية وفى أنهم مسلمون. وهنا يقدم ابن طفيل تحت غلالة شفافة من الإيهام نقدا ثاقبا لمجتمع المسلمين كما عرفه. فهؤلاء الناس ينقسمون إلى ثلاث فئات: فئة الصفوة القليلة العدد – مثل أبسال – الذين يؤمنون بضرورة التأويل وبأن الشرع ينبغي ألا يؤخذ على ظاهره؛ وفئة ثانية تشكل الأغلبية وتتألف من حاكم الجزيرة ومعظم رعيته وهؤلاء يتمسكون بظاهر الشرع دون تأويل؛ وفئة ثالثة يشبههم ابن طفيل بالبهائم من المنكبين على الملذات وإشباع الشهوات. وبناء على هذا التصنيف يرى ابن طفيل ضمنا أن الفلسفة ليس لها مكان فى مثل هذا المجتمع وأن الفلاسفة فيه غرباء.


 


ابن طفيل يمهد لابن رشد


إذا نحينا جانبا الاعتراضات التى يمكن أن تثار على كتاب ابن طفيل من وجهة نظر عقلية، أو من وجهة نظر ابن رشد على وجه التحديد، فلا بد أن نعترف بأن الكتاب عمل فريد رائع فى الثقافة العربية. ولا بد أن ندرك أن مؤلفه لم يسع إلى كتابة دراسة أو مقالة فلسفية يفند بها اتهامات الغزالى، بل أراد أن يضرب مثلا أو أمثولة، أو لنقل بلغة اليوم إن عمله ينتمى لنوع أدبى خاص هو القصة الخرافية (allegory). والقصة الخرافية لها ظاهر وباطن. فما هو باطن القصة؟ أعتقد أننا لو أحسنا قراءتها وفك رموزها، لتبين لنا أنها معنية فى المقام الأول بغربة الفلسفة والفلاسفة فى المجتمع الإسلامى، وأنها أفضل ما كتب فى هذا الباب باللغة العربية، إن لم تكن الأفضل فى جميع اللغات. وليس أدل على هذه الغربة من أن الفيلسوف كما صوره ابن طفيل نشأ بين الحيوانات البرية وأنه آثر العودة إلى عزلته بعد أن فشل فى التواصل مع مجتمع البشر. والقصة بهذا المعنى نموذج متطرف «للتوحد» كما سماه فيلسوف أندلسى آخر هو ابن باجه.


والعمل حافل رغم كل شيء بالنظرات الثاقبة التى سيستغلها ابن رشد فى دفاعه العقلانى عن الفلسفة. ومن ذلك ما يقوله ابن طفيل بشأن التفرقة بين ظاهر الشرع وباطنه. فالملة التى وصلت إلى أهل تلك الجزيرة ملة فيما يقول «محاكية لجميع الموجودات الحقيقية بالأمثال المضروبة التى تعطى خيالات تلك الأشياء وتثبت رسومها فى النفوس حسبما جرت به العادة فى مخاطبة الجمهور». ومعنى ذلك أن باطن الشرع هو الحقيقة أو حقائق الأشياء كما تدركها العقول (الفلسفية) فى مقابل ما يحاكيها من الخيالات والرسوم والأمثال التى تقدم لمخاطبة العوام على قدر أفهامهم. وهذه هى نفس التفرقة التى سيقيمها ابن رشد للتدليل على ضرورة الفلسفة وامتيازها وعلى تطابقها فى نهاية المطاف مع ما يحاكيها من المظاهر.


وبإمكاننا الآن أن ندرك العلاقة العميقة بين ابن طفيل وابن رشد، فنقول بإيجاز إن ابن طفيل فى قصة حي بن يقظان يمهد الطريق لابن رشد فيما يتعلق بالدفاع عن الفلسفة؛ وإن هذا الأخير يتولى أداء هذه المهمة نيابة عن راعيه، واتبع فى ذلك نهجا رأى أنه أفضل وأنجع لأنه يعالج القضية بصراحة وبأدلة عقلانية. وابن رشد يفيد من نظرات ابن طفيل الثاقبة ويوضحها ويطورها على النحو الذى يقتضيه التفقه فى الدين وحسن استخدام المنطق. فلم يكن ابن رشد من أهل التصوف، ولا محل لديه لإيمان يقوم على تجربة فردية مهما كان سموها، والإيمان فى رأيه لا بد أن تكون له «مزية تصديق» توجبه ومزية التصديق التى توجب الإيمان هى «أن يكون من قبل البرهان».


 


المحكمة العليا


الواقع أن ابن رشد – وهو الفقيه والقاضى والفيلسوف - كان مؤهلا أفضل تأهيل للرد على الغزالى. ولذلك نراه منذ البداية – أى منذ بداية «فصل المقال» - يجلس على منصة القضاء والإفتاء ليدلى بالقول «الفصل» فى الموضوع. ولكلمة «الفصل» هنا دلالة بالغة الأهمية لأنها تعنى البت فى القضية المطروحة للنظر (بعد أن أثارها الغزالى وأدى فيها دور الادعاء وقدم فيها ابن طفيل دفاعا يفتقر إلى الوضوح والحسم)، وإصدار حكم نهائى فيها لا يقبل الطعن. وابن رشد يحرص على صياغة القضية المطروحة للبحث بلغة الفقه (التى يجيدها الغزالى مؤلف «إحياء علوم الدين») فيقول: «... الغرض من هذا القول أن نفحص على جهة النظر الشرعى، هل النظر فى الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به إما على جهة الندب، [وإما على] جهة الوجوب، ...» ومعنى هذا الكلام الذى يقوله ابن رشد منذ البداية أنه يقبل التصدى علنا للتحدى الذى طرحه الغزالى.


وهو يخلص بعد نقاش مفصل إلى إجابة مؤداها أن الشرع لا يبيح النظر فى الفلسفة وعلوم المنطق ويستحسنه فحسب، بل يحث عليه ويتطلبه ويستوجبه. وابن رشد يستند فى هذا الحكم إلى نصوص القرآن التى يحث فيهاعلى النظر والتفكر فى ملكوت السماوات والأرض من أجل معرفة الصانع الحكيم. ومقصود الشرع فيما يقول ابن رشد: «... إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. والعلم الحق هو معرفة الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه ...» (115). وعبارة «على ما هى عليه» تعنى فى واقع الأمر. ويرى ابن رشد من جانب آخر أن الفلسفة بطبيعتها تلبى تلك الدعوة وتفى بتلك المقاصد على خير وجه. ففعل الفلسفة فيما يقول «ليس شيئا أكثر من النظر فى الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع... فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها». وهو يطلق اسم «دليل العناية» على هذا النوع من الاستدلال الذى ينتقل من حسن الصنعة إلى حكمة الصانع. ومن المفهوم أن نواة هذا النوع من التدليل الذى يعده ابن رشد لب العمل الفلسفى توجد فى القرآن.


ومن الخطأ كل الخطأ أن نظن أن الفتوى التى يصدرها ابن رشد تبيح الفلسفة بصفة عامة، أو تجيز جميع المذاهب الفلسفية. فهناك فلسفات ملحدة؛ أو أنها تؤمن بإله ولكن لا تؤمن بحقيقة الموجودات. ومن ذلك فلسفة أفلاطون الذى يرى أن ما نشاهده من موجودات ليس سوى نسخ باهتة زائفة من مثل عليا حقيقية؛ وهناك أيضا من يدعى معرفة الموجود الأسمى فى حد ذاته دون أن ينظر أولا فى حسن ما صنع وعنايته به وبالإنسان الذى سخر لخدمته. وابن رشد يرفض كل تلك المذاهب لأنها لا تتفق ومقصود الشرع. فالقرآن عندما يحث على النظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، لا يتحدث عن أحلام أو أوهام أو نسخ زائفة، بل عن أشياء حقيقية ينبغى درس خواصها الواقعية للاستدلال على صانعها. ولو أن هذه الأشياء كانت أوهاما أو أحلاما أو نسخا زائفة لما دلت على وجود ذلك الصانع وحسن تدبيره. والله لم يخلق هذه الأشياء عبثا. والبرهان فى نظر ابن رشد هو استنباط ماهو مجهول مما هو معلوم، وليس العكس. فالله فى ذاته موجود مجهول بحكم التعريف، وهو لا يعرف إلا عن طريق الاستنباط من خواص مخلوقاته التى تخضع للمعرفة البشرية فتدل عليه على وجه اليقين. يقول ابن رشد «... إن من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع...» وأى فلسفة تنكر وجود الله أو تدعى معرفته فى حد ذاته دون المرور بمعرفة مصنوعاته وكيفية صنعتها لا بد أن تكون باطلة. ومن الممكن أن يقال إن الفلسفة التى يعنيها ابن رشد فلسفة واقعية وعلمية وبرهانية لأنها ترتكز على مقدمات يقينية مستمدة من دراسة الواقع وتستدل منها على وجود الخالق.


 


طلب العلم أينما وجد


لما كانت معرفة الصانع الحكيم لا بد أن تبدأ بدراسة الواقع المتاح لمعرفة الإنسان وتحصيل المقدمات اليقينية من تلك المعرفة، وأن تنتقل من ثم إلى الاستدلال وفقا للقياس المنطقى الصحيح، فإن ابن رشد يخطو خطوة حاسمة أخرى، وهى ضرورة الاستعانة بأهل العلم من القدماء (أى اليونانيين)، وبأرسطو وأتباعه (المشائين) على وجه التحديد. وتفضيل ابن رشد لأرسطو له أسباب يطول شرحها هنا. ولكن أهم ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد أن أرسطو هو الذى أسس علم المنطق (آلة العلم) بالإضافة إلى تأسيس سائر العلوم الفلسفية التى تعنى بدراسة الموجودات على اختلافها. ومادمنا نسلم بأن الشرع يحث على دراسة الموجودات، وبأن الفلسفة تلبى هذه الدعوة، فيجب الاهتمام بأرسطو لأنه مؤسس آلة العلم والعلوم ذاتها بما فى ذلك علوم الطبيعة وما بعد الطبيعة، أى «الإلهيات» أو الميتافيزيقا. وابن رشد يرى بعبارة أخرى أنه ينبغى أخذ الكل، وأن لا سبيل إلى التجزئة أو المساومة. وهو بذلك يسد الطريق على من يريد المنطق ولا يريد سائر العلوم الفلسفية، من يريد آلة المعرفة ولا يريد المعرفة المعنية بالموجودات.


ويقرر ابن رشد فى هذا السياق بعض المبادئ العامة التى تبرر وتحكم الاستعانة بالقدماء و«الضرب فى كتبهم» على حد تعبيره. فهذه الاستعانة واجبة فى نظره مادام تقدم أحد من قبلنا بفحص القياس العقلى ودراسة الموجودات. يقول فى هذا الصدد: «... إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك فبين أنه يجب علينا أن نستعين بما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا فى ذلك». ويبرر ذلك بضرورة اكتمال المعرفة: «... فإنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد من الناس، من تلقائه وابتدائه، على جميع ما يحتاج إليه من ذلك...» ومن الممكن أن نصوغ كل ذلك بلغة العصر فنقول إن العلم لا وطن له، ولا ينفرد به إنسان أو أمة، وينبغى أن يلتمس فى مصادره أينما كانت حتى تكتمل المعرفة، فتحصيل العلم وتكملة بنائه مهمة إنسانية مشتركة بين الأفراد والجماعات على اختلافهم.


وهو يذكر بعض أوجه الاختلاف التى ينبغى ألا تعوق مسيرة العلم المشتركة. فهو يرى أن الاستعانة بالغير ضرورية «... سواء كان [ذلك] الغير مشاركا لنا أو غير مشارك فى الملة... وأعنى بغير المشارك من نظر فى هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام.» وهو يعطى المسلمين فى نفس الوقت حق الاختلاف مع الغير والاعتراض على من تقدمهم فيما قالوه، «فإن كان كله صوابا قبلناه منهم وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه.». ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن أرسطو نفسه ليس منزها عن النقد.


إلا أن دعوة ابن رشد للاستعانة بالقدماء وبأرسطو بصفة خاصة عند البحث عن الفلسفة المنشودة التى تلبى مقاصد الشرع ليست سوى عنوان عام لجزء أساسى من برنامج ابن رشد للدفاع عن الفلسفة. وهذا الجزء هو على وجه التحديد تقديم شرح جديد لأعمال أرسطو، وهى مهمة كان مؤلف «فصل المقال» يعتزم الاضطلاع بها، ثم نفذها بالفعل على نطاق ضخم. ويبدو أن هذا المؤلف كان يشعر – إن لم يكن يعلم علم اليقين – أن تعاليم أرسطو تقترب من الفلسفة المنشودة بقدر ما تقوم على استنباط المجهول من المعلوم، فتصعد من الموجودات الطبيعية إلى الكائن الأكمل (وليس العكس). ويبدو أيضا أن هذا المؤلف كان يحتفظ لنفسه بحق التحفظ على آراء أرسطو إذا لزم الأمر.


وهذا يكفى الآن للتدليل على أن ابن رشد كان يتمتع بجرأة منقطعة النظير وعلى أن صوته ما زال حاضرا حتى اليوم. ومثل هذا الفيلسوف لا بد أن يؤلب عليه الخصوم، ولا بد أن يدفع ثمن جرأته وقوة حضوره.


رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق