رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المجد

محمد محمد مستجاب
المجد لقومى فى الصحارى والوديان والسهول، ولعباد الشمس شامخاً على حواف الحقول، ولحوت يونس وسفينة نوح ومداخل البيوت، ولأهل الكهف ومرابط الخيام، ودق الطبول، ولأثر خطايا الشيطان فى القلوب..

المجد لشراشيب العمائم المزهرة فوق الجباه، ومراتع السحالى، ووحل الضفادع، ومواقع النجوم، وللذين بنوا المقابر فاستحالت هرماً، والمعابد فاستحالت منبراً، وللطاهرين وسط هالات النور..المجد للذين يفتحون العروس بالإصبع الدموى الجميل، ويسدون النصح ويقولون الحق، والكاشفين بين الأحجار عن العقارب، والثعابين، وشكوى المظلومين.المجد لقومى الذين عاشوا - بعيداً - بين غضون الاتساع الرحيب للصحراء، وعلى صلصلة السيوف، وامتطوا السباع، وتعمموا بالثعابين، وتقف على مناكبهم الصقور، وتنحنى على أبوابهم العمالقة طالبين الأمن والأمان، والذين جاءهم الطوفان فوضعوا فلذات أكبادهم أسفل أرجلهم طلباً للنجاة..المجد للفرسان الأقوياء العتيدين العنيدين الكرماء، القادرين على الفعل والإدراك، نظيفى الحال، يلبسون الجباة البيضاء من الحرير المشبك والشملة البيضاء، ولهم كرامات ظاهرة، وأحوالهم باهرة - مهابة - لا يقدر على لقائهم أحد إلا - واقشعر بدنه من رؤيتهم إجلالاً وتعظيماً وهيبة.المجد لقومى الرومانسيين بالغى الحساسية، والخادمين لمن يقع فى مأزق، والمبتسمين لمن يتقلص وجهه، المحطمين علامات الاستفهام بين ثنايا التاريخ، والمجففين الدموع على الخدود، والساكبين المواعظ بين تلال اليأس والآلام.


المجد لقومى الذين شبوا بين الصحارى والفيافى، أحبوها وأحبتهم، وبكوا بين تلالها وعلى سفوح جبالها، فطرحت البركة فيهم، المجد للذين خلطوا الليل فى النهار، والنثر فى الشعر، والشمس فى حواف الآبار، المجد لمخترقى الصحارى، الشافين للأوبئة، الشاطرين فى الكتاتيب، صانعى التمائم والأحجبة ضد عبث الشياطين.


المجد لقومى الأذكياء كالملوك، الشامخين كالسماء، الصادقين كالملائكة، المخلصين كالصبار، البسطاء كالرمال، الكرماء كالأعناب، ما رفضوا ضيفاً أو كشروا فى وجه عابر، لذلك - من فرط كرمهم وامتلاء موائدهم - أطلقوا على أسرهم بطوناً، وهم أسعد الخلق بالحياة وأكثرهم رضاً بالمكتوب.


 


1


كل قوم فيهم ما يكفيهم، وقومى - لا يستطيعون العيش إلا على مجدهم وماضيهم، وإحساسهم العارم بالتفرد والتفاخر، فهم أبناء السيف المسلول والشجاعة المسنونة، والأصداغ المدموغة وشماً، أنسون للشمس والرياح وضوء القمر يلهو وسط النجوم، محاطيو بمساحات واسعة من الرمال الصامتة بحباتها الباهتة، يحملون فى دمائهم – سماحة وهدوء وارتياح صحرائهم.


ظلت السماء تراقب قومى وأفعالهم، وتفاخرهم وتمسكهم بمجدهم الذى يباهون به الأمم، وصادقهم إبليس، وعبث فى قلوبهم وتعاريج عقولهم، وأغواهم وغرهم بمجدهم العظيم، وماضيهم الجميل، الذى امتلأت به كتب التاريخ وحطم خرائط الجغرافيا، فأخرجهم عن طريق اليقين لدروب الضلال والجحيم.


لذا – صب الله عليهم غضبه، لفعلهم واتباعهم إبليس الملعون، فالله لا يحب كل مختالٍ فخور، فأمر النسيم فتحول إلى عاصفة هوجاء، وبسرعة البرق استحالت إعصاراً مدمراً، فهب قومى يتخبطون، يلوذون بالكهف يتدثرون، حاملين أوراقهم وكتبهم وأشعارهم وأسفارهم التى تحوى مجدهم، مرتجفين مرعوبين، ولم يلبثوا بعد التعب والإرهاق أن وضعوا أذرعهم أسفل رءوسهم، وراحوا فى سباتٍ عظيم، واستراح منهم التاريخ قرناً وبضع سنين.


 


2


وداهمت شمس جديدة أجداث القوم، مستعينة بعاصفة تحمل حبوب الرمال، فاستيقظوا من سباتهم يتمطون، ووجدوا بجوارهم أوراقهم وكتبهم وأشعارهم وأسفارهم، فتساءلوا:


كم لبثنا فى نومنا هذا..؟


فقال البعض:


لبثنا يوماً أو بعض يوم.


وتساءل آخرون عن الورق المركون الذى يحيط بهم، ماذا به يفعلون؟ وماذا يكون؟.


وتوجه القوم بتلك الأوراق إلى الفاهمين والمدركين، فانكبوا على الأوراق والكتب والأسفار والأشعار، يتفحصونها ويمحصونها، وينقبون ويدققون فيها، ثم اعترضوا عليها ساخرين وقالوا:


- هذا علم لا ينفع.. وجهل لا يضر.. بل هى أوراق تحمل سِيَر الغابرين وخرافات الأقدمين، وكلام ينم عن تفاهتهم، فأفتوا: بحرقها، أو إرسالها إلى تجار العطارة، أو جامعى النفايات، فيكونون بها مستفيدين، خوفا على الأجيال القادمة من الوقوع فى ضلالها المبين.


3


وبدأت الحياة تعود لقومى، يتقافزون ويتناطحون ويتفاهمون ويتمازحون ويتضاحكون، ثم يلجأون آخر يومهم إلى وُسُدِهم وصدور نسائهم، والكتب والأوراق بهم تحيط، فلم تدم سعادتهم، تقلبوا فى فراشهم، ووخزت وُسُدِهم عقولهم، أمعنوا فى فروج الخيام وكوات البيوت، والسماء صامتة والكتب والأوراق تملأ طرقهم ودروبهم وحبات رمالهم، فكتمت الأوراق على صدورهم، وقلبت حياتهم جحيماً، وبدأوا يتعثرون ويتخبطون فى الورق الملعون، وكان يجب أن ينتهوا منه ويتخلصوا.


وفى ظهر يوم مشرق جميل، بل وربيعى أيضا، بدأ قومى فى جمع كل حطب الأرض وفروع الشجر الناشف، وصفوا منها أكواماً وتلالاً تطاول السماء، وتسابقوا فى جمع كل كتبهم وأسفارهم وحكمهم وأشعارهم التى ضاقت بها دروبهم وصدورهم وصحراؤهم، وألقوها فى النار، وقد كانت مهولة تلك المحرقة، فكان لأوارها صوت كالرعد، ووهجها يطاول الشمس فى لهيبها، وظل هذا اليوم معروفاً فى تاريخهم بيوم النار.


وحزنت السماء على ما تفعله أيدى قومى، وبأمر - ربى – قلنا – يا نار كونى بردا وسلاما على ما فى جوفك، وما يحمل ماضيك، فلم تحرقها أو تمسها بسوء.


واستشاط قومى غضباً، إذ طوال تاريخهم، لم يعتادوا أن يقفوا مكتوفى الأيدى، عاجزين، أمام معضلة ما، فالنار لم ترح قلوبهم، فهم الذين ثقبوا الأرض آباراً، وحطموا الجبال كهوفاً، وروضوا أشعة الشمس كى تصل إليهم حانية، وصاحبهم القمر فى لياليهم الساهرة، وهم الذين أصبحوا فى مأمن من الطوفان والأعاصير وزوابع الأرض، فكيف تقف أمام قومى النار متحدية!!.


 


4


وعادت الفتوى الملحة الآمرة، تضغط على العقول والصدور للتخلص من الورق المركون، وعَلية القوم يصرخون من تلك التفاهات والخرافات التى بهم تحيط، وقلبت حياتهم سعيراً وجحيماً.


وبدأ قومى فى تشييد سفينة ضخمة، تُشحن بمنجزات وأوراق وكتب السابقين، لتطلق فى البحر، فتلقى كل هذه الأحمال، فيستريحون، وإلى حياتهم الجميلة الهادئة يعودون.


لم يخجل قومى من نور الشمس، وظلت السماء تراقبهم تحت إيقاع ما تفعله أيديهم، كانوا يمزحون ويضحكون وهم يحملون الكتب والأوراق ويلقونها فى جوف السفينة، ودقت الدفوف وضربت الطبول وحملوا السيوف والعصى، راقصين ومحاورين ومناجزين، يصفقون على الحركات الجميلة للمناجزة، فرحين سعداء، شديدى الصخب والصراخ، وتحول الحلم إلى يقين، ودفعت الأعداد الغفيرة السفينة لتنطلق فى البحر، حاملة فى جوفها كل الجحيم الذى يحوى مجدهم القديم وتراثهم العظيم (*).


5


استراح قومى من هذا الهم والقلق الذى دغدغ حياتهم وفكرهم، وعادوا إلى حياتهم وملذاتهم وبطولاتهم.


وفى البحر – وبأمر مالك الكون – هبت الرياح، فانقلبت عاصفة، وجاء الموج للسفينة من كل فج، فتقافزت مثل أوراق الشجر فى خريف بهتان، وانتفض البحر الحزين مزمجراً مخرجاً من جوفه حوتاً ضخماً، يقال إنه فى حجم جبلٍ عظيم، وابتلع السفينة، ومكثت كتبهم فى بطن الحوت سبع سنين، إلى أن جاءه أجل الله، ليلقى بارئه على شواطئ قارةٍ مجهولةٍ أو غامضةٍ لقومٍ آخرين، فى ظلام الليل، فكان لها نورٌ عظيم، تبرق للناظرين، واجتمع القوم غير مصدقين، بما رزقهم البحر، فرقصوا فرحين شاكرين، واتفقوا على اقتسامها بالعدل وليكون عظماؤهم شاهدين، وما لبثوا أن شقوا بطن الحوت، فإذا تخرج منه أوراقٌ وكتبٌ ناصعةٌ للواقفين، ووجدوا بها تراث قومى الغافلين.


انكب القوم يفرزون ويحللون ويشرحون ويمحصون ويرتبون الورق إلى علمٍ مكين، علم قومى المرصود فى الكتب والأسفار، شاملاً حكايات ومواعظ الأقدمين وفكر علمائهم الأولين، وشرح نظرياتهم فى الفلسفة والهندسة والجبر والدين وحساب النجوم وعدد السنيين، كتباً تحمل الإيمان بين أوراقها واليقين بين شطآن سطورها، كتبا من حكم وصفات وأذكار وعلوم وأشعار وفنون وطب وفلك وزراعة وصناعة ومناقب ومهارة فى التجارة، مجد منقوش على جدران المعابد وموقع التلال وأديم الأرض، ومرسوم فى طبقات النسيم وتحت إبط الزوابع، وعلى واجهات البيوت، وعلى تعاريج خطوط العقول والأنهار وشواطئ البحار وسراديب الجماجم، وتوابيت منقوشة من النور القديم.


عكفوا قرونا - لكنهم فى النهاية فرحوا بما أتاهم الله، وبدأ ينمو فى تضاريس روحهم وثنايا عقولهم وفكرهم وتاريخهم، أشعار وأمجاد وعلوم قومى القديم والعظيم أيضاً، وارتفع شأنهم وتفتحت عقولهم وبدأوا فى بناء حضارتهم ومجدهم.


 


6


كل قوم لهم غُلبْهم الذى ينامون به ويصحون به، ولم يكن أمام قومى مفر من الغُلبْ الذى أدى إلى الهلاك، وغضبت السماء واغتم قومى – دهوراً– زاغت العيون وذبلت الألسن وتحجرت القلوب وانتصبت الأهداب واحترقت الدماء وتلبكت الأمعاء وتيبست المفاصل، وركنت العقول والمؤخرات، وركبهم الغم والعتمة، أحقاباً طويلة، تسوخ أقدامهم فى رمالٍ كانت خيولهم تقطعها تمايلاً وتراقصاً، وتلالهم تتفتت على زرف دموعهم، واجتاحتهم الأعاصير لاعنة، والسيول مدمرة، والزلازل محطمة، على ما اقترفت أيديهم وفكر عقولهم، وحملوا العار على مناكبهم، وصبت السماء عليهم آلاف اللعنات وملايين الخطايا.


7


وبدأت الشواطئ المجهولة ترتفع وتعلو، لتملأ الآفاق والبحار والوديان والغابات والسهول بالمجد العظيم، ويصبح لها الصوت والفعل والكلمة والقوة.


وتسرب الخبر بين أمواج البحار وحبوب الرمال ونسيم الهواء، إلى أن جاء قومى، ولاستمرار تشبثهم بمجدهم، وإحساسهم العارم بالنبل والتفرد والفروسية والتفاخر والانتصارات، سارعوا إلى حمل السيف وركوب الخيل، استعدادا لاسترجاع ماضيهم ومجدهم، وانطلقت الصرخات تشرخ الكون:


• المجد... المجد يا أبناء الصحارى.


• المجد... المجد يا أبناء الجبال والتلال.


وتحركت الرمال، صانعة صراعاً واحتكاكاً بين قومى والقوم الآخرين، وقد اعتبر القوم الآخرون الفن، وحسن الإدراك، والعلم والتفكير بصوت خافت، سلاحا أساسيا، وصفة مؤثرة فى الحياة، وهذا ما لم يتقبله قومى، فنعتوهم: بالكافرين الضالين، واعتبروا ما حدث لماضيهم ومجدهم، مساساً بهم يستوجب العداء، وقبل القادمون من خلف البحار هذا المنطق، واستعان قومى ببعض الأقارب المتناثرين بين الهضاب الصغيرة على اتساع الرمال، حتى أقاربهم الذين ينصبون الخيام بالقرب من البحر الكبير، اجتمعوا كى يستعدوا للأعداء ويرضخوهم ويدمروهم أيضاً.


ووقع الصدام، احتدوا وتصارعوا وتعاركوا، فى معارك، اهتز لها الكون، وتصدعت منها الصحراء، ودكت الجبال، وفاضت البحور، وانتفضت السماء رعباً، وأودت المعارك بالكثيرين، فلما بدأت الأمور تتعقد بما يؤدى إلى فواجع وكوارث، انسحب قومى خلف الجبال والتلال عاقدين العزم على استرجاع مجدهم العظيم.


 


8


كان من الواضح أن قومى لا يميلون أن يفرطوا فى حقهم، حتى ولو ألقوه فى مياه البحر، أو مرت عليه سنون وقرون، فكيف يكون لأصحاب المجد هذا الموقف المهين، وهم الذين دشنهم التاريخ على رأس قائمته، ومسح على رءوسهم بماء الحياة وإكسير الخلاص، ولم يرض لهم غير قرص الشمس عرشاً، فاحتلوا مكاناً يثير فى نفوس الأقوام الأخرى الضغينة والحقد والكراهية.


 


9


وزحفت حملات القوم الكافرين لتدق أبواب قومى: أصحاب البوابة الكبرى للعالم القديم، ووقف قومى على الشواطئ لملاقاة القادمين من خلف البحار الباردة والأراضى الغامضة، وشمسهم المتجمدة، ودمائهم الباردة، الذين لا يعطفون على المسكين ولا يراعون ابن السبيل، وآكلى لحم الخنزير، ومنشئى بيوت البغاء، وشاربى قوارير الجعة والنبيذ، ويدقون الأجراس داخل معابدهم وهياكلهم الوثنية، والمعروف عنهم احمرار وجههم، والجنون، والرقص بخلاعة، ونساؤهم يتركن شعورهن على صدورهن بدون حازم، ويعرون صدورهن فى الهواء الطلق على قمم الجبال. هؤلاء القوم المصابون بالإكتئاب والكآبة والإسراف فى الشراب، ويقتنون الكلاب فى بيوتهم التى تحمل النجاسة فى أنوفها، ويمتطون الباطل ولا يعرفون طريقاً لليقين.


 


01


وارتج الكون بتلك المصادمات – وقبل أن يصبح الصمت صمتاً والحقيقة حقيقة، جاءت أصوات تحمل الحكمة وعيون تحمل البصيرة وقلوب تحمل اليقين، تطالب بأنواع من السلام أو الوئام، فلم ينصت لها أحد، واستمرت الجبال تهتز، وتساقطت الأحجار وأضحى النخيل عاريا من السعف والتمر، وتلوت حوافر الحمير والجياد مصطدمة بأحجار وحفر وجماجم، وتحولت ساحة الكون إلى صراع – معارك – صدام، وبدأت عصور النواح، ولطم الخدود، وتمزيق الملابس، وإلقاء العمائم، وإثارة الغبار، وانكشف المستور على بواطن الأمور، لتظهر العورات والحزن والخزى والشجر العارى والمتعة المفقودة والفراش الغارق فى الدماء.


 


11


واضطرب المجد العظيم، فقد كان من الواضح أن القوم القادمين يملكون زمام الأمور، وبدأ يبرز الاعتراض من ألسنة الكثيرين، وداهمت قومى الحيرة، فكيف يكون لهم هذا الموقف المهين، وهم الذين يجب عليهم تلقين هؤلاء القوم الدرس الدموى المناسب، واسترداد مجدهم ومكانهم بين الأمم – وكان الحل فى الصدام – وعاد الصدام يقلق الكون.. وكان يوم المواجهة رهيبا، وملأ الدم الصحارى وتبعثرت السحب فى الوديان، وتاهت الأرواح فى دروب السماء، وهربت الطيور من السماوات المشتعلة، ولم تفلح طرق الفرار والهروب وجلسات الصلح والمناورة، ولم يكن أمام قومى مفر من الهلاك العظيم، واغتم قومى – دهورا– وسخرت منهم الريح لأنهم لم يستردوا زهوهم ومجدهم القديم، فاشتد عليهم الغم والهم.


 


21


وبدأ قومى يلوذون بالراحم الرحيم، متأكدين وموقنين بأمر الله، وبأنه لن يتخلى عنهم، وعن أملهم فى استعاده مجدهم وهم يواجهون هؤلاء الملعونين، وإذا كان أجدادهم قد وقعوا فى المعصية والضلال، فإن الله الغافر الغفور، يبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل، حتى ولو كان الليل معتماً وطويلاً مثل الذى حل بقومى.


 


31


وتدخل ذوو الشأن والحكمة فى أصقاع بعيدة، بأن تنتهى تلك الحروب والمصادمات، وتتوقف هذه الكوارث، حيث يكون الأمر أكثر وضوحا، حينما نكتشف أن تلك الكارثة التى حلت بقومى - كى يستردوا كتبهم وأسفارهم ومجدهم - والتى وقعت تحت سيف قوم آخرين، مما أثمر حربا وصراعاً، ظلت تيتم الأطفال وترمل النساء وتأسر الرجال، وتدمر البيوت وتحرق الخيام، وتقطع الرقاب، وتبور الحقول، لأكثر من سبعة قرون، لينتهى الأمر بقرار:


- حصول قومى على مجدهم وتراثهم.. مقابل تعويض مادى مناسب.


وحاول قومى المجادلة، فنبههم أصحاب الحكمة بأن يراعوا المعطيات التي أدت إلى هذا البرهان، فأرخوا رءوسهم على صدورهم، كما ترخى الحمير آذانها فى لهيب الشمس، واستراحت وابتسمت السماء لهذا القرار العظيم.


وبعد جلسات من الشد والجذب والتفاوض والنقاش، بدأ قومى يشمرون عن سواعدهم ويخلعون عن أرجلهم المراكيب، وإظهار أفكار العقول، وبدأوا ينقبون ويثقبون الأرض آبارا فينزحوا المياه، فتنفجر بهذا السائل الأسود اللزج خارجا متدفقاً من الأعماق السحيقة، ويخترقون الجبال باحثين عن التبر عروقاً، نافضين عنه الغبار والتراب فيستحيل ذهباً، وزبرجدا ومغارات من الياقوت والكنوز، ويغوصون فى البحار ليخرجوا اللؤلؤ من المحار المكنون، كى تتحول إلى دراهم ودنانير وجنيهات ذهبية، ويعبئون بها آلاف الأجولة وملايين الصناديق، والتى بدأوا فى رصها، تمهيدا لاسترداد مجدهم وتراثهم العظيم.


.........................


وفى فجر كل عام، تقوم الأمهات بإيقاظ الأطفال وجمعهم، يغتسلون ويتزينون، ويصففون قرون شعرهم المشذبة، ويسرعون إلى ملابسهم الجديدة، وطواقيهم المقصبة، لتقودهم فى ندى الفجر إلى مثوى مجدهم العظيم، يتحلقون حوله منشدين مبتهلين متهدجين، يدورون حول المقام العظيم، ثم يأخذهم الندم فيهيلون التراب على رءوسهم، ويعفرون وجوههم فى الجدران الشامخة، وعندما يركنون بجوار المقام العظيم، تكون أنوار الرب قد غمرت الدنيا.


.........................


(*) يقول علماء النفس: إن التخلص من الماضى عملية شاقة ومُعذبة لأنه جزء أساسى من العمر، لكن قومى


تخلصوا من ماضيهم وهم فى راحة من البال، لم تداهمهم منذ حادث الاغتيال الذى انتهى بأن يصنع الغراب للإنسان طريقا للتخلص من رفاته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق