رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وجهاالى الحائط

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

البهو الكبير مُنقَسمٌ إلى جزءين، قسمة عادلة حجمًا لكنها تحمل النقيضين، لا أبواب أو ستائر تفصل بينهما، تمامًا كما ينفصل حيّ بولاق الشعبيّ عن حيّ الزمالك اللامع الأرستقراطيّ بغير حواجز أو متاريس. البهو الذي كنت أخطو إليه للمرة الأولى يموج بقتامةٍ عميقة الجذور لا تخفيها الزينة ولا الأضواء والحركة، أدرك أنه في هذه الصالة حيث يتناول الجميع الطعامَ، تسكنُ النهاية.

تجلس امرأة وحيدة محنية على منضدة مِن المعدن، شعرها أبيض تتخلَّله خصلات برتقالية اللون موَزّعة على جانبيّ رأسها، وجهها إلى الحائط وظهرها للجميع. تحيط بفمها الصلصة الحمراء، تنزلق بعض النقاط على صدرها فلا تمسحها، تدفن رأسها في العلبة المصنوعة مِن الورق المُقَوَّى وتستأنف تناول الطعام.على المناضد المستطيلة التي تشبه منضدتها، والمُتناثرة في غيرِ نظامٍ بين جنبات البهو، عددٌ كبيرٌ مِن العُلَب والزجاجات البلاستيكية، بقايا أرز وخضراوات تتناثر هنا وهناك، كثيرٌ مِن الأيادي النحيلة المَعروقة تتشابك في وَهن لتأتي بما هو متاح. يَتَكَوَّرُ الكَفُّ ليحملَ خليطَ الطعامِ الذي يقعُ أكثر مِن نصفه على الملابس والأرض، ويندفع ما تبقى في اليدّ المرتعشة ليصل سالمًا إلى الفم.يتعالى بين الحين والآخر صوتٌ يطلب ماءً أو خبزًا، صوتٌ مُتقطعٌ رفيعٌ أنهكه النداء يخرج مِن مائدة فتلتقطه إحدى الجالسات على الجانب المقابل، وتعيد ترديده، يتنقل بين النزيلات كما لو كان صدى لجملة واحدة لا تحريف فيها. لا ينتهي حتى بعد أن تعلن الممرضات أن كمية الخبز قد نَفَدَت عن آخرها وأنهن قد أرسلن في طلب الماء.

 

بمفردها ودونًا عن الجميع لا تُشارك في النداء، لا تطلب شيئًا إضافيًا لا تحتاج إلى ماء أو رغيف، المرأة ذات الخصلات البرتقالية مُندمجة تمامًا، مُتسَمرة داخل علبتها لا يهمها ما يجري في البهو حتى يكاد مَن يراها يقسم بأنها لن تتحرك مِن مكانها أبدًا.

 

في ركن قَصِيّ يبدو أكثر هدوءا، تنتصبُ مائدةٌ مُستديرة لها ملاءة بيضاء مُنتظمة الحواف، وعليها أطباق زجاجية شفافة، وصفوف مِن الملاعق والأشواك والسكاكين اللامعة. عددٌ مِن السترات الأنيقة وأربطة العنق الفاخرة يُزيّن المائدة، أناسٌ مختلفون لهم وجوه وظهور مفرودة وأصابع ممتلئة، لا تعلو أصواتُهم ولا يطلبون أي شيء.

 

البهو مزدحم بحركة مُستمرّة لكنها خادعة، حركة لا تخرجُ عن المقاعدِ الحديدية، تقتصرُ على الإشاراتِ والتلويحِ بعشوائية، والتمَلمُل يمينًا ويسارًا ثم الهمهمة وتبادُل النظرات السريعة.

 

رغم التجاعيد التي نالت مِن وجهها لكنها احتفظت بلمعةٍ خاصةٍ في حدقتيها لا تظهر إلا على أوقات متباعدة. في مواجهة الحائط الذي بهت لونه كانت تمسك قطعة اللحم بكلتي يديها، تتأملها في شغفٍ وتتشمّمُها ثم تلمسها بشفاهها ويلوح في عينيها ذاك البريق القديم المَنسيّ.

 

المائدة المستديرة تحفل بالطعام، لا ينقصها خبز أو ماء. السادة يتبادلون دعابات صغيرة يمضغون وأفواههم مغلقة، يمسحون عليها بين اللحظة والأخرى بمناديل ورقية ثم يتناولون رشفات المياه الغازية المثلجة. يبعثون إلى الجانب الآخر من البهو بنظرات تتأرجح بين الإشفاق والامتعاض، ثم يعودون إلى حديثهم ويتندرون على أداء الممرضات اللاتي يخدمن مائدتهم بتفانٍ وإخلاص. تنتهي أطباقهم فتأتي الحلوى المتنوعة لتتراص مكانها. لا تزال أحذيتهم المدببة نظيفة متألقة أسفل المائدة.

 

تتصاعد الأصوات المشروخة لتطلب أنواعًا مِن الحلوى بعينها، ترتفع الأيدي المُنهَكة وهي تتقاطع وتهتزّ كي تلتقط سلاطينَ قمر الدين والأرز باللبن، والمَلاعِق البلاستيك الهشة التي تنكسر مع استحكام الأصابع عليها.

 

المرأة تتململ في جلستها، تتحرك في شيء مِن العصبية، تُخرِج قطعة اللحم مِن العلبة وتحاول أن تقطعها بيديها لكنها تفشل في محاولاتها المتتابعة. كانت قطعة اللحم ترفض الاستجابة لليدين وللفكين الخاليين مِن أي أسنان، لكن المرأة العجوز لا تستسلمُ، تجاهدُ بكل ما تستطيع مِن قوة كي تفوزَ بجزءٍ ولو صغير ينفرط داخل فمها لتتذوقه. بعد ساعة طويلة مُرهِقة تطلبُ المرأةُ صحنًا مِن قمر الدين وتتخلّى عن قطعة اللحم. تدرك أنها فشلت في الحصول على نصيبٍ مِن فرصة قلما تأتي، وأن عليها الاكتفاء بما يتيح لها عجزها الاستفادة منه، لكنها تظلّ تطالع العُلبة بشوقٍ، تضع صحنَ المهلبية جانبًا بين الحين والحين، تُمسِكُ قطعة اللحمِ وتُعيدُ المُحاولة، تضغط عليها مرارًا لكن الفمّ الخاوي يُجبِرُها في النهاية على أن تترك القطعة لحالِها، وفي عينيها الكسيرتين نظرة أسى واشتهاء.

 

يغادر الأطباء مقاعدهم صفًا واحدًا، يلتقون خارجَ البهو دون أن يلتفتوا للنداءات المتوالية التي تتكرر فيها أسماؤهم. تحاول امرأة أن تمسك بذيل سترة مِن السترات النظيفة المارة أمامها، لكنها تفشل بعد أن ينحني الطبيب مُتجنّبًا اليدّ المُتسخة. وسط البهو تطوف الجلابيب المهترئة التي صارت ملونة بكل أنواع الطعام، تختفي النداءات تدريجيًا وتتكاثر التجاعيدُ على الوجوه. تترك المرأة ذات الخصلات البرتقالية مكانها محنية الظهر وفي عينيها أثر للمعان لم يتلاش بعد، وعلى مائدتها تسكن علبة ورقية، تحمل قطعة مِن اللحم العنيد الذي لم يفقدُ صلابته بعد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق