رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشقة غرقت

فؤاد حجازي
ألقي حسنين السباك نظرة عجلي علي سطح العمارة. وفتح جوالاً منتفخاً ، نسيجه من النايلون الأبيض، ومسح بنظراته جدران الأدوار السبعة، أخرج حبلاً يقترب لونه من الكاكي، دلاه حتي لامس أرض المسقط، وقاس بنظره ما تبقي من ذيل الحبل، وتطلع الي مواسير الصرف القديمة، التي لايقل قطر الواحدة منها عن عشرين سنتيمتراً والمركب عليها أطباق الالتقاط من الأقمار الاصطناعية، اشار لشاب معه، فطرق حديدها نافضاً بعض الصدأ، وعندما اطمأن الي متانتها أشار لرئيسه..

ضم حسنين الذيل بيديه الي صدره، ولفه حول ثلاث مواسير، صانعاً مثلثاً من الحبل المجدول كضفيرة واحدة علي ظهر فلاحة، وضغط بيديه علي الحبل عند حافة سور المسقط، وهو يتابع حركته أسفل المواسير التي تثبتها بالسطح أهرام أسمنتية صغيرة

وضع الشاب شريطاً جلدياً في عرض كف اليد حول وسط حسنين، ومد طرفيه ناحية صدره، طرف به خطاف حديدي كعلامة الاستفهام، يمر عبر توكة بالطرف الآخر، فيحبك الشريط حول وسطه، أمسك حسنين بيديه الحبل الكتاني ورشق طرف الخطاف علي عقدة به وتخطي سور السطح بقدميه وكلما نزل عدة خطوات نزع الخطاف ووضعه علي عقدة أخري، من العقد المنتشرة علي الحبل كل نصف متر تقريباً.

وتساءلت.. كيف أمكن عمل هذه العقد في حبل مجدول قطره حوالي خمسة عشر سنتيمتراً، وملمسه خشن..؟!

توقف حسنين عند ماسورة الصرف المعطوبة، في الدور الذي أسكنه تحت السطح، وجعل من الشريط مقعداً ارتكز عليه، ودلي له الشاب شريطاً يشبه شريط المصباح الكيروسيني ، لكنه أعرض وقد ربط به أجنة حديدية، وبعد أن أخذها حسنين شد الشاب الشريط وربط به شاكوشاً.

دق حسنين حول الماسورة المستقيمة، وحركها يميناً ويساراً، يساعده الشاب من أعلي، حتي نزعها بسهولة لشدة قدمها، والتفت إلي المعطوبة، وهي المستعرضة التي تأخذ من بالوعتي الحمام والمطبخ إلي الماسورة المستقيمة، ولم يجد صعوبة في نزعها لتهرئها، وعاد لامتداد المستقيمة إلي أسفل، دق حلقها بخفة، وبالأجنة حك جدارها من الداخل، ونزع ماعلق بها.. دهون مختلطة بوسخ كوناً بطانة سوداء لاتسمح إلا بمرور سرسوب من مياه الصرف.

ونظر إلي طالباً رأيي، أشرت بتغييرها، نزل، يضع الخطاف علي العقد، حتي وصل إلي أسفل الماسورة، وكرر فعلته، وأراني الوسخ المتجمد، وانتظر إشارتي.

حرت في الأمر، إذا استمر هذا السوء، فأية بالوعة فتحتها لنفسي..؟!. وهل سيشارك معي السكان في النفقة.. ؟.. أم يحتجون أن الصرف عندهم طبيعي وأحدهم لم يكلفني بشيء.

تعجلني بخبطة من الأجنة علي الماسورة. أشرت بالموافقة، وما كدنا نصل إلي ماسورة الجار، حتي خرج من شقته وأنذر حسنين ألا يقترب من ماسورته، فرد عليه أنه سيزيل الحلق المحيط بها فقط، حتي يتمكن من تركيب الماسورة الجديدة عليها بحلق جديد، فطلب منه أن يحاذر حتي لايسد ماسورته.

أزال الحلق، وبالأجنة حك محيط الماسورة الداخلي، وأخرج قطعاً مما تجمد به، عندئذ انفجر الجار وقال إنه بهذه الطريقة سيغير المواسير كلها، وكان من الواجب عليه تسليكها من أعلي قبل الشروع في العمل، لوح حسنين بما في يده قائلاً إن الوسخ متجمد ويصعب تسليكه.

لكن الجار أصر علي موقفه، فتطلع حسنين نحوي. سألته إذا كان الصرف ماشياً، فرد بالإيجاب، لكن لن يمضي وقت طويل حتي تنسد الماسورة، نظرت إلي الجار لعله يلين، لكنه بدلاً من ذلك، وصف العامل أنه هاو وليس جيداً في مهنته وكان يجب عليه التسليك أولاً.

نفخت غيظاً، وأشرت للعامل أن يترك ماسورته علي حالها، انسحب الجار، وكانت حدة الشمس لم تخف مع أننا بعد العصر، عرج حسنين بحبله إلي سور سطح العمارة المجاورة، وكان قريباً منه في هذا الدور، وأخرج تليفونه المحمول، وأخذ يجري عدة مكالمات، وتساءلت هل يفعل هذا لتهدأ أعصابه ويسترد أنفاسه، أم يتيح لي فرصة لمعاودة النقاش مع الجار.

نزلت من السطح، ولوحت بزجاجة مياه غازية مثلجة من فتحة علي بسطة السلم تصل علي المسقط. وضع تليفونه في جيبه وبحذر تقدم بحبله حتي اقترب من الفتحة، طيبت خاطره، ورجوته ألا يزعل من الجار، لأنه كضابط في الجيش معتاد علي الشخط والنطر.

عاد إلي مكان عمله دون تعليق، أشعل سيجارة نفث دخانها ببطء وعيناه سارحتان وبانت مقدمة رأسه علي وشك الالتحام باستدارة صلعة في الوسط، يظللها شعر خفيف. وكسا الرماد شعره الغزير في الجانبين والخلفية.

تشبث بأصابع قدميه في الجدار، ونظر إلى أعلي، فناوله الشاب الماسورة الجديدة، تلقاها بذراع بارز العضل، وحانت مني التفاتة إلي أسفل، رجوت الله أن يمر اليوم علي خير، فلو انزلق بقامته القصيرة المدكوكة، فسبحان المنجي.

وتساءلت.. هل يغالي في أجره بسبب الخطر المحدق، أم أن أجور الحرفيين ارتفعت.

استغرق العمل عدة ساعات، وتشهدت عندما انتهي، فمن صباحة ربنا، طالع نازل أرافق الشاب الذي بدا مهذباً، وملابسه لائقه بأفندي، وزال عجبي بعدما أخبرني أنه جامعي، ينزل معي إلي الشقة، أشعل البوتاجاز، ويسخن الماسورة البلاستيكية علي النار، ونسرع بها إلي حسنين قبل أن تبرد ليعشق فيها كوع الماسورة الخارجي من أسفل شقتنا، ونفاجأ أن الطرف تشقق من التسخين، يصرح حسنين بأنها من نوع رديء ويطلب ماسورة من نوع آخر، أسرع نازلاً إلي المتجر، وفي هذه الأثناء تكون زوجتي قد جهزت صينية أخري بالشاي، فأحملها إلي السطح، وأرجو أحد أولادي أن ينزل ليشتري طعاماً من مطعم قريب لغدائهما، فيذهب علي مضض.

نريد كيلو جراماً من الأسمنت، أقول حاضر، وأنا أقمع السؤال بداخلي: لماذا لا تأمر بطلباتك مرة واحدة، أرجو ولدي الأكبر دون فائدة، وإذا بـ« نريد علبة لصق أخري»، فتعاطف معي الولد، وانتهزت الفرصة لأطلب منه شراء جبس نسيت إحضاره وبعض زجاجات من المياه الغازية.

جلست في الشرفة، وأشعلت سيجارة، نفثت دخانها، ومعه غضبي مما حدث من الجار، وعزيت نفسي أنني أنجزت ما يخصني، وإذا ماحدث لهم مشكل فهم أحرار في مواجهته، مددت قدمي علي قاعدة كرسي أمامي.

ـ بابا.. كلم..

ذهبت بتكاسل نحو الباب وإذا بالساكنة في الدور الرابع تولول:

ـ تصلحون ما يخصكم وتفسدون ما يخص الناس.. شقتي غارقة في مياه الصرف..!

لم أستوعب ما تقول، وصاحت زوجتي:

ـ لم نفتح أية حنفيات منذ الصباح.

وقادتها إلي الحمام، لتريها بلاستيكاية تحت حنفية البانيو، كلما امتلأت، أفرغناها في المرحاض حيث له ماسورة صرف أخري.

لم يسعفني تفكيري في تعليل ماحدث، وأسرعت خلفها لأجد شقتها غارقة بالماء.

صعدت إلي شقة الضابط وطلبت منه عدم فتح الحنفيات وانتظرنا، جاءت المرأة تولول، أن المياه تزيد، وأغرقت سجادتها في الصالة، وفي طريقها إلي باقي الحجرات، وتحملني المسئولية، لأن ذلك حدث بعد تغيير المواسير، سيطرت علي نفسي بصعوبة، مستبعداً سقوط كسر من التغفيق القديم، فقد كان حسنين يغطي فوهة الماسورة بقطعة من القماش قبل الدقدقة. أسرعت إلي تليفوني المحمول أستدعي حسنين، وأخطره بما حدث، فاستمهلني حتي الغد، لأنه علي مشارف قريته، ومع إدراكي لتعبه طوال النهار، فهو يستطيع الحضور في الحال لو أراد، ومعه دراجته البخارية.

كيف أريح دماغي من ولولة هذه المرأة..؟!

وحتي لو صبرت للغد، فأنا أول من يعلم أن حسنين لن يفي بوعده، وأنا المكوي بمواعيده، غداً في العاشرة سأكون عندك، أعد الساعات والدقائق حتي تطلع روحي، وأطلبه فلا يرد، وبعد عدة مكالمات يأتي صوته الأجش عبر تليفونه متسائلاً: من معي. أتصل بصاحب محل الأدوات الصحية الذي عرفني عليه ليبحث لي عن سباك آخر، فيرد بعد حين أنه وعده بالحضور بعد يومين، سينهي خلالهما شغلة في يديه، ولما تغيب ذهبت لصاحب المحل.

هاتفه فرد أنه مشغول، هممت بالانصراف يائساً، فاستبقاني وهو يضحك قائلاً:

ـ يلعب طاولة علي مقهي في الطريق إلي هنا.

وطلب مني ألا أزعل، وهاتفه ثانيه، فوعده بالحضور بعد ساعة، انتظرناها، وثانية، وثالثة، وصاحب المحل يستبقيني حتي صكت آذاننا ضجة موتور دراجته، ركبت خلفه، متشبثاً بخلفية كرسيه، وطلبت منه أن يسير علي مهل، فطمأنني وقد أنستني لهجته المترفقة ما كان منه، عاين علي الطبيعة فآملت بالفرج، لكنه استمهلني إلي الغد ليحضر مبكراً ومعه عدته وما يحتاجه.

كيف أتخلص من هذه المرأة..؟!

أنقذني الضابط حين صرح أنه ذاهب لإحضار سباك، ودخل الليل عندما عاد وبصحبته رجل، يحمل حبلاً مجدولاً من خيوط الحديد الصلب، وينتهي بسنبك حديدي ضخم، وصعدنا إلي السطح.

دفع الرجل الحبل خلال مواسير الصرف، وأخذ يرفعه وينزله، وكل مدة يسأل ولا فائدة، استسمح الضابط أن يفتح مياه شقته، وأعاد الكرة، فولولت المرأة باكية، أن شقتها تغرق أكثر.

تكلم في تليفونه المحمول، وسرعان ما جاء صبي معه عمود حديدي طويل في سمك ماسورة المياه، شبكه في السلك المجدول وعاود التسليك، ومازالت المرأة تولول.

أسرع إلي المسقط، ودق بشاكوش ثقيل أسفل الماسورة الأخيرة حتي حطمها، وفجأة سمعنا ما يشبه الانفجار، وشي بتدفق شلال من المياه.

وأخبرتنا المرأة بانحسار المياه عن شقتها، وجاء الرجل وقد لطخته المياه السوداء، غلبنا الموقف فضحكنا ، وانسحبت إلي شقتي، ولم أكد أحط بدني علي كرسي وإذا بدق علي الباب.

جاء صوتي مشروخاً من الأعماق:

ـ ماذا ثانية..؟!

عادت زوجتي وناولتني خمسة وعشرين جنيهاً، وأخبرتني أنها ناولت صبي محل الخردة الذي حمل المواسير عشرة جنيهات مشالاً.

خشيت أن أعلق حتي لاتنفجر، كانت تخبرني وهي تحثني علي تغيير المواسير، أنني لن أغرم شيئاً، فالحديد الزهر غال، وسيفيض معي بعد شراء المواسير البلاستيكية.

وقالت إنها نقلت عجبها إلي الولد، فأخبرها أنه بعد تنظيفها من الوسخ، خف ميزانها.

لم أجد فائدة من الكلام وناولتها قسيمة المشتروات حيث الماسورة بخمسين جنيها... وأردفت أن أجرة السباك ثلاثمائة وخمسون جنيهاً، حاولت تخفيضها، فاحتج أنه يدفع لصاحب محل الأدوات الصحية ثلاثين جنيهاً، إيجاراً للحبل، وبعد دفع أجرة مساعده، فماذا يتبقي له..؟!

غيرت زوجتي مجري الحديث:

ـ تعبت من غسيل الأطباق والحلل في البلاستيكاية والدلق في المرحاض، أفتح حنفية المطبخ..؟

ـ لم يئن الأوان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق