رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منامات

سليمان فياض
الحبل: نمشي معًا على مهل، نتحدث سويًا، في وقت واحد بلا صوت، ونسمع، ونفهم بعضنا بعضًا. وما نتحدث فيه، في نفسي، هو: لقى رجل ملتحٍ رجلا في الطريق. فقال له: سأقتلك. وربما قال له: الآن، أو غدًا، أو بعد غد. فقال له الرجل: لماذا تقتلني يا أخي؟ فقال له الرجل الملتحي: لأنك بلا لحية. فقال له الرجل: ستقتلني إذًا مظلومًا، وستكون أنت ظالمًا، فقد خلقني الله أمرد. فقال له الرجل الملتحي: إن كنت مظلومًا ستموت شهيدًا، وإن كنت ظالمًا فأنت تستحق القتل. فقال له الرجل: وماذا تقول لربك، إن قتلتني ظالمًا لي؟ فقال له الرجل: لقد اجتهدت. ومن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر. وفي الحالين أنت مقتول لا محالة.

ونضحك ونحن نمشي في شارع متوسط الاتساع، والبدء، والمنتهى. في مدينة مستلقية في الفراغ، بلا نهار، ولا ليل، فلا شمس ولا قمر، ولا نور ولا ظلمة، والنوافذ بعضها مفتوح وبعضها مطبق، والأبواب بعضها موارب وبعضها مغلق، ولا آخر في بيت أو طريق، سوانا: بهاء طاهر، ومحمود الورداني، وخيري شلبي، وأنا. قال خيري: قرأت ذلك في كتاب الأغاني، وقال بهاء طاهر: الأغاني سيكتب بعدنا. وضحكنا بلا صوت، وغاصت الضحكة في الصمت، حين أحاط بنا الجند. كانوا دون العشرة، أو فوق العشرة. ووجمنا. كانوا جندًا بالكاب النابليوني، والثياب النابليونية، وتقدم من بينهم نابليون، وأشار لجنده، فتحلقوا حولنا، وأشار لنا، فجلسنا على حجر أبيض، عند منعطف الطريق، أسفل الجدار، وأخرج نابيلون حبلا قصيرًا مجدولا، بدا لي طرفه مقطوعًا لتوه، وجلس أمامي خارج الحجر، ودس الحبل تحت إبطي. قلت له: ما الذي تفعله؟ فقال لي: أقيس النبض. فضحكت ضحكة قصيرة. وأشرت إلى قلبي، وقلت: النبض هنا. فقال لي: اسكت. نحن أدرى. فكرت أنه يريد أن يعرف إذا كنت أكذب، أو لا أكذب. فتعمدت التفكير في أمر آخر، حتى لا يسجل حبله شيئًا. ونهض نابليون، وأنهضني، ووضع ساعده تحت ساعدي. وسار بي منعطفًا مع الطريق. وعيت عندئذ أنني مساق إلى الموت، فاستسملت لقدري. نزعت ساعدي من ساعده قائلا: سأمشي وحدي. فضحك نابليون، أو لعله ابتسم، وقال: فليكن، فلا مفر لك.

بدا لي آخر الطريق، وطريق آخر يقطعه، وجدار كالسور في مواجهتي، وباب به كباب الدواوير، ذو مصراع واحد، مفتوح على اتساعه، وعيت أن موتي وراءه. ونزلت ونابليون عتبة الباب الخشبي السميك، ومشينا بين جدارين، بهما غرفتان. لم أر لهما بابًا ولا نافذة. وفي الأمام، وراء الغرفتين، والجدارين، كانت ساحة، خلفها سور حجري، برزت منه حلقات معلقة، على مسافات متقاربة، تتدلى منها حبال. وإلى اليمين، كان إبراهيم منصور معلقًا من ساعديه بحبلين، وعلى كتفه الأيسر عصاه، وكان مشدود العنق، ورأسه ملتفت يسرة، وكأنه ينظر إلى أعلى، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما بشموخ وتحدٍ. أدركت أنه قد مات. ولا أعرف تمامًا إذا ما كانت قدماه تطولان الأرض أم أنهما معلقتان فوقها بقليل.

وأقلقتني كيفية موته فهي التي سأموت بها، فلم يكن على صدره دم، وليس حول عنقه حبل، وهجس في نفسي خاطر: ثمة ثقب بالسور الحجري، أو شق، وجند وراءه، يصوبون إلى القلب من الخلف، ولكنني سألت نابليون، وقد توقفت لحظة: كيف تقتلون؟ فقال لي: لا شأن لك، وأشار، فأحاط بنا جند. وتقدم أحدهم ليمد ساعده في ساعدي، فأبعدتها عني، وقلت: سأذهب وحدي، ولدهشتي اختفى الجند كما ظهروا، والتفت إلى نابليون، لألقي عليه نظرة أخيرة. فوجدت بجانبي رجلا، أصفر الوجه ملتحيًا، يرتدي ثوبًا أبيض، يصل إلى منتصف الساقين، وتحته سروال أبيض، ملتصق على الساقين، وفي قدميه، كانت «زنوبة»، وعلى رأسه كانت «طاقية»، مثقبة، لا تصل إلى الأذنين.

الصفعة:

لا أعرف لتلك الشجرة اسمًا، ولا أدرىِ لم أسميتها: يُمناى. كانت شجرة متوسطة الارتفاع، والساق، وطول الفروع. تبدو لي دائمًا لوحة مسحورة، أغصانها مثل أذرع، متساوية الأطوال متماثلة السمك، بلا نتوءات، سوى نتوءات هذه الأغصان، متماثلة الأوراق، وكلها على شكل القلب، رائقة الخضرة، وكأنها ظمأى، وخلفها سماء رماديّة بالغة النقاء.

في ظهائر الصيف، كنت أوثر شجرتي، بالجلوس تحتها، فوق حجر، أقرأ في كتاب ما، وشجرتي يُمناي، تمتعني بدوائر الظل والضوء، حيثما دارت الشمس، ودار ظلها، متوحدًا مع الشجرة، والأفكار، والكلمات، وكأن الأوراق، القلوب، تقرأ معي.

كانت شجرتي، يُمناي، في طرف رصيف بمحطة قطار، يمر شمالا، أو جنوبًا كل ساعتين، تهجع فيهما المحطة، ويخلو الرصيفان، وكتابي على ساق، موضوعة فوق ساق، وبقع الظل والضوء، تتأرجح في هسيس، على الصفحتين المفتوحتين، فتلتمع الكلمات والحروف السوداء، بلون بني ذهبي متوهج.

تبددت لحظة التوحد كلها، حين نزع الكتاب من يدي، فرفعت رأسي، ورأيته واقفًا: سيد عيد، بعينيه الحزينتين، الملونتين، الشاردتين، وكأنه غريب عن هذه الدنيا. طوى الكتاب وقرأ عنوانه. وللتو صاح في وجهي: يا كافر. أتقرأ في كتب الكفر. وتترك كتاب الله؟ وامتدت كفه دون تردد. وصفعني على وجهي صفعة، طنت لها أذني. وطوح بالكتاب الضخم بين القضبان، وغادرني نازلا الرصيف، حتى غاب. كنا صديقين، وقد عدنا ، لتونا، قبل شهور، معًا من حرب فاشلة، اختلفت وإياه على سبب فشلها. هو قال: إن السبب هو ضعف الإيمان، وأنا قلت: إن السبب هو ضعف المعرفة. وفرغ للعبادة في خلوة، في حالة وجد، وصرت أنا قارئًا، سوسة كتب، لكن الصفعة كانت قاتلة، لا يخفف منها أي غضب. وعز عليّ الكتاب، وكاتبه، ونفسي، والمعرفة التي تحملها الكلمات.

نزلت الرصيف، وسرت بين القضبان، وجمعت كتابي المتفسِّخ. تمزقت بعض أوراقه، واسودت بالتراب والشحم بعض صفحاته، ما أقلقني ليس معالجة الكتاب بالصمغ، وإنما ما حدث له، فكيف أعيده بهذه الصورة إلى مكتبة الرصيف التي استأجرته منها، لقراءته، نظير قرشين اثنين.

طويت الكتاب، ونظرت إلى عنوانه:«دراسات في التكامل النفسيّ». وقد خُدِش خطه، وتجرح. قبّلت العنوان، واسم «يوسف مراد» وقلبي مليء بالاعتذار، ونظرت إلى شجرتي، يُمناي، وقد اجتاحتني رغبة لم تتحقق، في البكاء والصراخ. وهجس بخاطري أن شجرتي، يُمناي، ستذبل أوراقها، وتجف منها الفروع، والأغصان، وجاشت نفسي برغبة محرقة، حتى لا تذبل الشجرة، وتسقط أوراقها التي لم تسقط قط، في خريف أو شتاء.

بين العصر والمغرب كنت قد داويت الكتاب، واقترضت ثمنه، وبين العصر والمغرب كنت في بيت سيد عيد. رحبت بي أمه، وأخته. فقلت لهما بتجهم، وأنا في ساحة البيت الفقير، الطيني الجدران: أين سيد؟ فذهبت أخته الهائشة الشعر، وجاءت به.. ابتسم لي ومد يده، وغاظني صنيعه، وخشيت من نفسي الضعف والتردد فشلت بيدي، وصفعته بكفيّ، صفعتين متواليتين، صفعة على كل خد. رجوت أن تطن لهما أذناه. لكنه ظل يبتسم، وبدت دموع في عينيه، وحتى لا أعانقه باكيًا، استدرت عائدًا، مغادرًا عتبة البيت، وفي يقيني أن كلينا قد فقد صاحبه إلى الأبد، وأن حنينًا مقيمًا سيظل في القلب، لصوت نوله الخشبي، ويداه وساقاه تعملان معًا عليه، ولعزفه الشجي على الفلوت. عزف مفعم بالحزن، كان قد فارقه، منذ زمن.

البئر:

يطاردني، بين ليلة وأخرى، منام، كلما ضاقت بي الدنيا، بئر أنا في قاعه، في مائه الفائر، الآسن، وأنا أحاول القفز للخروج منه، والإمساك بعروق خشب، مستطيلة، غليظة، لها ضخامة، «الكمر» تحت سقوف الباحات في البيوت الريفية. وفي كل مرة، تقصر يدي دون الإمساك بالخشب، أو تطوله وتنزلق عنه أو تعجز كفي عن الإحاطة به، فأسقط في الماء الآسن، وأصعد، والقلب يجف رعبًا، فزعًا من الموت في الظلمة، والأسن. وتمتد يد إليّ من بين عروق الخشب، وأرى قدمين مفتوحتين، ترتكزان فوق عرقين، وأقفز، وأمد يدي، فتمسك يده القوية بيدي، ويجذبني، ويرفعني، ويسير بي عبر عروق الخشب، إلى كوخ، بجانب البئر، بلا لون، وأراه في ثوبه الأبيض، وطاقيته البيضاء، ويمد كفه، ويملّس به على رأسي، هامسًا: لا تحزن ستفرج. ويظل المنام بين ليلة وأخرى يعاودني، ويتكرر كل ما حدث، حتى كانت ليلة، سألت فيها ذلك الرجل الطيب، المنقذ: لم لا تطمر البئر؟ فقال لي باسمًا: ولم تضيق الدنيا؟ ولا أعرف كيف قتلت الرجل الطيب، والتفت جهة البئر، فلم أر له أثرًا، في تلك الليلة.

.....................................................

قصة مفردة لم تنشر في أية مجموعة، للراحل الكبير ، وكان يعتبرها نمطًا مختلفًا لم يكتبه مرة أخرى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق