رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اللحوم.. ونقد الأفكار الشائعة!

أحيانا يكون الكاتب مضطرًا إلى السباحة عكس التيار، ومخالفة المَيْل العام لقارئيه..(نقول أحيانا وليس دائما كى لا يذهب بك الظن بعيدا!). ولا شك فى أن أحد مسارات الفكر لدى الجمهرة من الناس عندنا أنك كلما التهمتَ لحومًا أكثر، زادت هيبتُك، واكتملت سعادتُك، وحسنت طلعتُك، وصِرتَ الأكثر احتراما بين الناس.. وإن فى هذا، واللهِ، لخطأٌ كبير.

.. طبعا أنت كعادتك ستجادل، وتقاوح، وتعاند فتكابر.. وقد تعيد على مسامعنا ذاك القول الموروث، إن اللحم هو سيد الطعام. لا يا أستاذ، اعذرنى، واسمح لى بأن أختلف معك. لقد أثبتت كل نظريات الطب الحديث، ودراسات الصحة العامة، أن اللحوم هى الأخطر على صحة القلب والدماغ والقولون والأكباد، بل وعلى حرارة العواطف أيضًا.. وللأسف الشديد، فإن هذا الخطأ الشائع لم يعد شائعا عندنا نحن المصريين فقط، بل امتد الوهم وتمدد فأصبح الشغل الشاغل للأمريكيين أنفسهم، بجلالة قدرهم.

..قبل أيام، كان من أبرز وسائل الدعاية الانتخابية للسيد زهران ممدانى، حاكم نيويورك الجديد، تلك المقابلات التى أجراها فى الشوارع والحارات، مع بائعى اللحوم، وللرجل مقطع فيديو شهير يأكل فيه وجبة لحم بالأرز، منتقدا ارتفاع أسعار اللحوم على الفقراء، واختص بالقول اللحم (الحلال).

وقد حدث ذات يوم أن قرر رشدى أباظة، فى فيلم الأقوياء، أن يرشح نفسه فى الانتخابات، فوقف يخاطب ناخبيه قائلا.«عاوزين تاكلوا لحمة.. ها تاكلوا لحمة كل يوم».. وهنا هتف توفيق الدقن، «تحيا اللحمة». وفى حتى لا يطير الدخان، سأل عادل إمام، المعلم حسن حسين الجزار، «بكم اللحم اليوم يا معلم؟».. قال «2 جنيه..إلحأ خُد لك حِتة».. وبالتأكيد لا عادل ولا حسن ولا حتى المخرج أحمد يحيى كانو يتوقعون أنها ستصعد كالسحاب إلى 400 جنيه. إن المعنى هنا هو أنه حتى السينما روّجت لهذا (العِشق الممنوع).. عشق اللحمة.

واللُغز الذى لا حل له هو أنه حتى ساعة تاريخه لا نعرف لماذا نربط دائما، نحن المصريين، رفاهة العيش، ولذة الحاضر، بأكل اللحم، مع أن اللحمة يمكن بالإفراط أن تتحول إلى أُم الشرور؟.. ماذا؟.. تعترض؟.. إذن فاذهب فاقرأ على جوجل ما قد تحدثه اللحوم بك يا أيها الواهم المخدوع.

وبطبيعة الحال، لن يغيب عن فطنتك يا فطين أن اللحم فى المقال هو مجرد قطرة فى بحر الأوهام، الذى غرقنا فيه، ومازلنا نغرق، حتى الأذقان، إذ إن أوهام الطعام لا حصر لها ولا عَدّ.

وهنا قد يقفز متحذلق شكاك، فيصرخ متشككًا: أجِئتَ يا هذا تحببنا فى الفقر واحتمال شظف العيش، لتترك الموسرين غارقين فى تخمتهم المتضخمة، وفى البُلهنية السعيدة؟.. لا واللهِ، حاشا وكلّا، رغم أن الفقر (صَدِّق أو لا تصدق) ليس عيبا. طيب.. فإلامَ القصد إذن؟.. إن القصد يا محترم هو تحذيرك من أضرار الإسراف فى هَبْر اللحم ليل نهار.. فما عواقب هذا الهبر؟.. فأما المخاطر الصحية، فإن السائل أعلم بها من المسئول، غير أن هنالك أضرارا كثيرة أخرى، خُذ عندك:

أولا، إننا عندما نجعل الطعام، واللحم تحديدا، غايتنا العظمى، وهدفنا الأسمى فى الحياة، فإننا سوف ننغمس فى الملذات وننسى الفضائل، كالصدق، والإيثار، والكرم، والرحمة، إذ كيف سيرحم الناسَ من بطنُه باللحم متخم؟.. على فكرة.. أليست تلك هى الحكمة من فريضة الصيام؟

.. وثانيا، اللحم يزيد من سقف التوقعات، ومن ثم الدخول فى دوامات القلق، والحسد، وربما والعياذ بالله الحقد الطبقى إن أنت لم يمتلئ طبقك بأصناف اللحوم.. وطبيعى جدا أنك لن تقدر على أُم 400 إذ كم يا ترى فى راتبك من رُبعميات؟

وثالثا، إنك بإسرافك فى اللحم ستُجهِز حتما على ثروة البلاد الحيوانية والداجنة مما سيصيب الاقتصاد القومى بضرر فادح هو فى غِنىً عنه الآن. ثم يبقى رابعا، إنك باللحم الوفير ومعه ومن خلاله، سترفع نسبة الكوليسترول الضار فى جسدك.. فهل تعرف يا مسكين كم تكلفة قسطرة القلب الآن؟

يعنى إيه؟.. يعنى خُذ الحذر، واعتَبِر، واتّعِظ..(!!!).


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: