تشهد مصر عددًا من الاستحقاقات الانتخابية المتوالية هذا العام، بدأت بانتخابات مجلس الشيوخ، ثم انتخابات مجلس النواب التى تٌعقد حاليًا، مرورًا بانتخابات الأندية الرياضية، وتوقع انتخابات المحليات مع نهاية عام 2026. أكثر ما يشغل الأحزاب السياسية، والمرشحون، بل ومجمل النظام السياسى، هو مشاركة الناخبين، ليس فقط فى مصر، ولكن فى العديد من دول العالم، نظرًا لأن ارتفاع معدلات التصويت فى أى انتخابات تمثل عنوانًا لمشاركة المواطن، وتأكيدً الثقة فى العملية السياسية، وتعزيز النزاهة والشفافية.
وتواجه الدول تحديات متفاوتة فى تشجيع الناخبين على الإدلاء بأصواتهم، بما فى ذلك الدول ذات الديمقراطيات العريقة. يعود السبب إلى شعور الناخبين بالإرهاق من كثرة التحولات السياسية والاجتماعية، واعتقادهم بأن الانتخابات لا تٌسهم فى تغيير واقعهم إلى الأفضل، أو عدم وجود دافع للمشاركة نظرًا لعدم الاقتناع بالأحزاب السائدة، أو الضغوط المعيشية، أو أن نتائج الانتخابات ذاتها قد لا تحمل صيغة سياسية مستقرة، مثل الحالة الفرنسية حاليًا.
دفع ذلك الباحثين إلى دراسة أفضل السبل لتشجيع الناخبين على الانخراط فى العملية الانتخابية؟ هناك ما يعرف فى الخبرة السياسية بسياسة طرق الأبواب، أى أن يلتقى المرشحون الناخبين وجهًا لوجه فى أماكن وجودهم. حسب إحدى الدراسات التى أجريت على انتخابات ولاية كونيتيكت الأمريكية عام 1998، أدت تلك الدعاية إلى ارتفاع معدلات التصويت بنحو 9%، وفى حالات أخرى بلغت الزيادة فى معدلات تصويت الناخب الأمريكى 14% من جراء المقابلات الشخصية بين المرشح والناخب. ذلك الأسلوب لم تظهر له نتائج ملموسة فى دراسات الانتخابات الأوروبية لاختلاف الثقافة الانتخابية.
وإذا نظرنا خارج الديمقراطيات الغربية، نجد أن تلك الوسيلة جاءت بنتائج ايجابية فى باكستان، خاصة مشاركة المرأة، نتيجة زيارة المرشح لزوجها أو والدها، وإقناعه بالسماح لها بالتصويت فى الانتخابات. وبالإضافة إلى المقابلات الشخصية، يلجأ المرشحون إلى الرسائل التليفونية المسجلة، والتى لا تأتى بنتائج تٌذكر، لأن الناخب يُفضل من يتحدث معه شخصيًا وبلغته، مثلما يحدث فى مجتمعات تحوى أقليات لغوية، مثل الناخبين من أصول آسيوية أو لاتينية فى الولايات المتحدة. وإلى جانب ذلك هناك الرسائل التليفونية التى قد تكون مفيدة فى تحفيز من يقومون بالتصويت للمرة الأولى أو الناخبين كبار السن.
وفى كل الأحوال فإن التجربة تشير إلى أنه مهما اختلفت وسيلة التواصل مع الناخبين، سيظل المعيار هو شعور الناخب بأهمية صوته، وصدق رسالة المرشح له، وثقته فى شخصه. وقد أضافت وسائل التواصل الاجتماعى إمكانات اتصالية، غير مٌكلفة ماديًا بخلاف الاتصالات والرسائل الهاتفية مثل رسائل الواتساب، والفيديوهات القصيرة المصورة، أو رسائل البريد الالكترونى لجمهور الناخبين الذى يتواصل عبر الفضاء الرقمى. ولكن تلك الوسائل قد لا تأتى بنتائج، نظرا للتوسع فى استخدامها من قبل المرشحين، واستسهال اللجوء إليها على نحو يسبب التباسًا وازعاجًا للناخب.
ولكن السؤال: متى يكون لوسائل التواصل الاجتماعى أهمية فى الانتخابات؟
تقدم تطبيقات التواصل الاجتماعى مثل الفيسبوك وأكس والواتساب إمكانيات اتصالية جيدة، وتحمل أيضًا مخاطر التشويش، وسوء الاستخدام، ونشر الشائعات، والاخبار المفبركة، والتشهير بالأشخاص، وقد شاعت مصطلحات من قبيل "التنمية الرقمية"، فى مواجهة "الرقمية المظلمة"، فى أدبيات التنمية للإشارة إلى أهمية الفضاء الرقمى فى تحقيق رفاهية المواطن، وليس تشويه وعيه، ولاسيما المهمشين والفقراء الذين توفر لهم "السوشيال ميديا" تواصلا أفضل غير مٌكلف ماديا مع البيئة المحيطة، بل ومع أقاربهم فى دول أخرى.
ولكن حتى يتحقق ذلك، ينبغى أن يكون المرشح على تواصل دائم مع الناخب، وهى خبرة بعض المجتمعات الإفريقية التى تعانى أزمات وأوبئة حيث يلعب التواصل الرقمى المستدام مع المواطن على المستوى المحلى دورا فى إثراء وعيه، وكسب ثقته من خلال اطلاعه على الفرص، ومساعدته فى الوصول إلى الخدمات، والتعبير عن صوته غير المسموع، مما يمكنه من تحقيق ما يطلق عليه المساءلة الاجتماعية، من خلال نشر الشكاوى، وتعقب مظاهر التقصير فى بيئته المحلية. ولا تحدث تلك الاتصالات بين يوم وليلة، أو فقط بمناسبة الانتخابات، لكن ينبغى أن تكون جزءًا من السياسات المحلية ينخرط فيها الساسة، والقيادات المجتمعية، والمواطنون العاديون، مما يجعل لها دورا مؤثرا "متوقعا" و"منطقيا" فى العلاقة بين الناخب والمرشح أثناء الانتخابات. فى بعض دراسات التنمية الحديثة يُطلق على القيادات المجتمعية، والتى يخرج منهم المرشحون فى الانتخابات، مصطلح "وسطاء"، فهم بالفعل وسطاء بين المواطنين، وبالأخص الفقراء والمهمشون، والبيئة المحيطة، بمؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من هنا تنشأ العلاقة، وتتعزز الثقة.
وإذا كان ذلك مفيدًا فى الانتخابات البرلمانية، فهو بالتأكيد أكثر فائدة فى الانتخابات المحلية.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: