رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

النظام الأوراسى الجديد كبديل تاريخى للعولمة الأمريكية «2 ــ 2»

تعد منطقة أوراسيا «أكبر مجال قارى على وجه البسيطة»؛ حسب عالم الجغرافيا السياسية والتاريخية الفرنسى ميشيل برونو، إذ يحدها فى الجنوب الغربى وفى الشرق بحران متوسطان، أحدهما أوروبى والآخر آسيوى، وتحيط به أربعة محيطات: الهادئ، الهندى، الأطلسى، المتجمد الشمالى. وتمتد هذه القارة فى آسيا وأوروبا وتشمل أيضا الشمال الأفريقى الذى تفصله عن بقية أفريقيا الصحراء الكبرى. وتضم أوراسيا فى قلبها اليوم عددا من الدول الكبرى مساحة وسكانا: روسيا والصين والهند.

فى ضوء حقائق الجغرافيا من جانب، ووقائع التاريخ من جانب آخر،حملت روسيا منذ أكثر من عقد من الزمان مسئولية تجديد النظام الأوراسى ليكون قادرا على مواجهة النظام العالمى الذى تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية. ويشرح، المُنظر الجيوسياسى ومؤسس المدرسة الجيوسياسية الروسية المعاصرة، الذى لقبناه «بعقل بوتين»، «ألكسندر دوجين» (63 عاما)، الفكرة الأوراسية بأنها أكثر من كونها مشروع تمدد جيوسياسى، إذ «تمثل نظاما عالميا بديلا للهيمنة الأطلسية الأمريكية»ومنظومة العولمة التى تفرضها على الكوكب. إن الفكرة الأوراسية، بالمعنى الواسع يستطرد دوجين، هى «اللاأطلنطية»؛ أو القطب الجيوسياسى الحضارى المناقض للأطلنطية والمناهض للعولمة. بصياغة أخرى، يمثل النظام الأوراسى محاولة روسية جادة لإعادة بناء التوازن الدولى على أسس حضارية وجيوسياسية جديدة.

تلقف بوتين الفكرة الأوراسية وأخذ يعمل على تنفيذها من خلال إحياء المشروع الإمبراطورى التاريخى. انطلاقا من مقولة استراتيجية مختبرة تاريخيا بأنه «لا معنى لروسيا بدون إمبراطورية» (راجع دراستنا المعنونة الروس القادمون). ومن ثم أخذ يعمل على إنعاش الفكرة «الإمبراطورية» الحاملة للفكرة الأوراسية استنادا إلى ثلاثة مقومات رئيسية هي: أولا: القومية السلافية. وثانيا: الثقافة الأرثوذكسية. وثالثا: الوطنية الروسية. ووفق هذه المقومات يتم التحرك الروسى باستثمار موقعها الجغرافى ومواردها وثرواتها الطبيعية وقدراتها السياسية فى قارتى أوروبا وآسيا ومن ثم الانطلاق إلى العالم. ويشار هنا إلى أن روسيا هى الدولة الوحيدة بين الدول الخمس الدائمة العضوية فى مجلس الأمن التى لا تحتاج إلى استيراد الطاقة من نفط وغاز وكهرباء.

والأهم أن النفط والغاز يشكلان 60% من صادراتها (وهى نسبة قابلة للزيادة خاصة أنها الأولى فى العالم من حيث امتلاك مخزون الغاز بامتلاكها ما يقرب من 50 تريليون متر مكعب منه، وما بين 75 و150مليار برميل من النفط. بالإضافة إلى أكبر مخزون من المياه العذبة فى العالم...وهى ثروة توفر لها بعد المبادلات التجارية ما يقرب من 250 مليار دولار دخلا قوميا. ونشير إلى أن الاحتياطى الروسى من العملات الأجنبية والذهب يدور حول ال 500مليار دولار)، إضافة إلى ما سبق فإن لديها تفوقا فى الكثير من القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية والتقنية.

فى ضوء ما سبق، تأتى دراسة: النظام الأوراسى الجديد: على أمريكا الوصل بين الأطلنطى والهادئ»The New Eurasian Order: America Must Link Its Atlantic & Pacific Strategies (المنشورة فى دورية الفورين أفيرز هذا الشهر)؛ لتقول: إن الفكرة الأوراسية لم تعد حلما وإنما صارت حقيقة فعلية. فلقد طورت روسيا أشكال التعاون بينها وبين كثير من الدول، وانخرطت فى تأسيس الكثير من الشبكات العابرة للحدود التى تضم دولا معتبرة. ما اعتبرته دراسة الفورين أفيرز: نجاحا فى حشد خصوم الولايات المتحدة الأمريكية ما يعنى تقويضها ومن ثم وضع حد لهيمنة المؤسسات الدولية التى أسستها عقب الحرب العالمية الثانية. ما يعنى، حتما، أن النظام الأوراسى أصبح قيد التشغيل فعليا. وترصد الدراسة إقدام كثير من الدول على التنسيق البينى بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية، وتحذر من أن هذا السلوك إذا ما اتسع قد يؤدى إلى عزلة واشنطن عن أى ترتيبات تتعلق بمصالحها الاستراتيجية.

أن هذا الاندماج يعيد صياغة النظام الدولى على نحو يهدد ركائز الهيمنة الأمريكية. فالمؤسسات الغربية التقليدية، من الناتو إلى صندوق النقد، تواجه منافسة متصاعدة من أطر بديلة مثل منظمة شنغهاى للتعاون ومجموعة البريكس التى تسعى إلى بناء نظام مالى وتجارى مستقل عن الدولار وإلى ترسيخ نموذج سلطوى للحكم والتنمية. فى المقابل، تُظهر واشنطن، خصوصًا فى عهد ترامب، نزعة انعزالية جديدة ضاغطة على حلفاء أمريكا لكى ينكفئوا على أنفسهم بدلا من العمل الجماعى فى ضوء استراتيجية عابرة للأقاليم. ويعتبر الكاتبان أن هذا الاتجاه يُضعف النظام التحالفى الأمريكى التاريخى الذى بُنى على وحدة الأطلسى والهادئ، ويتيح للصين وروسيا ملء الفراغ القيادى عبر مشاريع مؤسسية واقتصادية متشابكة.

وإذ يدعو التحليل إلى تجاوز مفهوم «التحالفات الثابتة» نحو شبكات استراتيجية مرنة تربط أوروبا بآسيا فى مجالات الدفاع والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، فإنه يؤكد أن الحفاظ على النفوذ الأمريكى لن يتحقق عبر القوة وحدها، بل من خلال ابتكار دبلوماسى جديد يعيد للولايات المتحدة دورها كمهندس للنظام الدولى. وبناءً عليه تحذر الدراسة من: أولا: الانكفاء الأمريكى الذى يسمح للخصوم الأوراسيين بتشكيل مؤسسات وقواعد جديدة للنظام العالمى. وثانيا: الجمود الاستراتيجى الذى يُبقى واشنطن أسيرة منطق التحالفات القديمة فى عالم تحكمه شبكات مرنة ومتغيرة. النظام الأوراسى الجديد، إذن، ليس مشروعا للتمدد الجغرافى، فحسب، بل رؤية سياسية لتعدد الأقطاب تُعيد توزيع النفوذ بين الشرق والغرب.

لذا إن لم تبادر واشنطن إلى إعادة دمج فضاءَى الأطلسى والهادئ فى منظومة واحدة من ناحية، وإعادة ضبط علاقاتها مع الشركاء الأوروبيين التاريخيين والآسيويين الصاعدين والقادمين بقوة من ناحية أخرى. فإنها ستجد نفسها على هامش عالم تتشكل قواعده فى قلب أوراسيا، حيث يُعاد رسم توازن القوى بين الشرق والغرب فى اتجاه تشكل النظام الأوراسى الجديد كبديل للنظام العالمى الأمريكي/الأطلسى الذى ساد على مدى قرن من الزمان، والأهم تصبح على هامش النظام الجديد.

هذا هو النظام الأوراسى الجديد؛ حيث ينطلق من روسيا بشراكة صينية أساسية، واستجابة فاعلة ومؤثرة من عديد الدول من أجل التأسيس لنظام دولى بديل من جانب، وعلاقات اقتصادية جديدة من جانب آخر، يعيش فيه العالم مرحلة جديدة تتعايش فيها نماذج تنموية وحضارية مختلفة. إن النظام الأوراسى الجديد أكثر من مجرد تكتل جغرافى أو تعاون اقتصادى أو تحالف سياسى، إنه مشروع بديل.


لمزيد من مقالات سمير مرقص

رابط دائم: