حين جلست ملكة الدنمارك خاشعة فى حضرة الملك الصغير توت عنخ آمون أحد أعظم كنوز البشرية وأيقونة الحضارة المصرية قلت لها فى نفسى إنك ترينه غضًاً، حيًاً وناطقا، سبقك أيتها الملكة أمير الشعراء أحمد شوقى حين تغزًل شعرا فى الملك توت:
ملك الملوك تحية.. وولاء محتفظ أمين.. هذا المقام عرفته.. وسبقت فيه القائلين.. ووقفتٌ فى آثاركم.. أزنُ الجلالً وأستبين.. سألت عيون قصائدى.. وجرى من الحجر المعين.. صور تريك تحركا.. والأصل فى الصور السكون.. ويمر رائع صمتها.. بالحس كالنطق المبين.. غضُ على طول البلى.. حى على طول المنون.
ومثل شوقى بلغ المصريون ذٌرى الإحساس بالكبرياء الوطنى حين جلسوا بالملايين أمام الشاشات فى بيوتهم أو فى المقاهى مجتمعين أو فى الشوارع أمام الشاشات العملاقة لمشاهدة حفل افتتاح متحفهم الكبير، على المستوى الشخصى نبع إحساسى بالزهو من كون مصر تروى بنفسها روايتها التاريخية فهى تعرض حياة المصريين القدماء وليس الفراعنة فالفراعنة، لم يكونوا مصريين فهم قوم فرعون الباغى كما وصفه القرآن الكريم، عموما هذه ملاحظة عابرة وأتمنى أن تختفى هذه الكلمة من فوق ألسنتنا ونحن نتحدث عن مصرنا القديمة، أقول إن مصر تعرض حياة المصريين القدماء بمحاكاة وسردية مصرية خالصة وبالتالى فهى مختلفة عن جميع سرديات متاحف العالم، استمعت لما قالته أستاذة التاريخ الأمريكية بجامعة ممفيس من أن علم المصريات مختلف وبه غموض ومتحف مصر خاص بها هى فقط فالقطع الأثرية جاءت من مصر وتعود لمصر . على المتاحف العالمية الأخرى أن تعيد النظر فى طرق العرض وخاصة فيما يخص الحضارة المصرية ففى متاحف العالم تعرض نصف الحقيقة فقط وعلى ذلك فالمتحف الكبير مطابق للمعايير الأخلاقية.
أن تحس كمصرى بأن أسرار مصر القديمة لاتزال دفينة تحت ترابها لم يكشف عنها بعد فهو شعور بالاختلاف، فكل مانراه من آثارنا القديمة سواء المعروضة فى طول البلاد وعرضها أو المسروقة أو المعروضة فى متاحف العالم ما هى إلا قبس من أنوار مصر القديمة الساطعة التى لن تجد مثلها إلا فى مصر وهو ما يعظم الإحساس بالكبرياء الوطنى.
رأيت هذا الإحساس بين المصريين فى مواطن كثيرة فمن مرقص باشا حنا الذى وقف يواجه العالم كله ليدافع عن حق مصر فى تاريخها وعن ترابها وكنوزها وكلنا أصبح يعرف من هو مرقص حنا المفعم بالكبرياء الوطنى وما فعله بالتفصيل من وسائل التواصل والإعلام المختلفة، إلى الدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ الذى اكتشف أن إحدى الشركات التى تقدمت لتصميم المتحف أرادت وضع رسومات ورموز عبرية على جدران المتحف فأبلغ عن ذلك وكتب تقريره بعدما استعان بالراحل العظيم عبد الوهاب المسيرى الذى أكد الشك بأنها رموز ورسوم يهودية فتم استبعاد هذه الشركة.
رأيته فى 6000 مهندس وعامل عماد بناء المتحف الكبير يلتقطون صورة سيلفى ملؤها الفخر والعزة، هذه الصورة التى انتشرت على وسائل التواصل تبعتها آلاف التعليقات كلها تدور حول شىء واحد هو الإحساس بالكبرياء الوطنى، لفتنى تعليق لشابة تفخر بأن أخاها مهندس ميكانيكا فى المشروع من أول طوبة. تحية للمهندس فارس أبو الدهب صاحب الفيديو الذى وثًق فرحة بناة المتحف من الأيدى العاملة المصرية الخالصة حتى لا يأتى من يقول بعد ذلك إن كائنات فضائية بنته. عشتُ الإحساس بالكبرياء الوطنى وخمسة من الزملاء الصحفيين كنا فى منحة صحفية لأمريكا عام 1993 ورتبوا لنا زيارة للمسلة المصرية فى نيويورك وسألتنا المرافقة ما رأيكم فى هذه المسلة ودون أى تردد وفى نفس واحد ودون اتفاق بيننا قلنا ما رأيك أنت فى مسلتنا المصرية !وبهتت السيدة ثم كانت مادة للضحك بيننا، هذا بالضبط ما أريد قوله إن هذا الإرث الحضارى العظيم الكامن داخلنا يظهر بوضوح شديد وقت الشدائد والأزمات والأفراح وعندما تتعرض مصر لأى خطر كان، فسلاما لك مصر المحروسة دائما بعين لله، فرب العالمين أهداك سلاما للعالمين.
لمزيد من مقالات سهيلة نظمى رابط دائم: