رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

القاضى الفاضل والأديب والباحث والمؤرخ
أحمد أمين.. التأريخ للإسـلام برؤية عصرية

سهير عبد الحميد
‎أحمد أمين

كان يرى أن المدرسة تعرفنا آخر ما وصل إليه العلم بينما الجامعة تكتشف المجهول

 

  • المرض ينهى خصومته مع عميد الأدب العربى
  • أسس «لـجنة التأليف والترجمة والنشر» التى أشعت ثقافة على العالم العربى



فى الوقت الذى أغلق فيه عباس باشا مدارس جده محمد على باشا ، قامت والدته «بنبا قادن» بافتتاح عدد من المدارس فى السيدة زينب وحى الخليفة، تخرج فيها أعلام المجتمع ومنهم المفكر والأديب أحمد أمين(1886 ــ 1954) الذى يذكر فى سيرة حياته، أنه يحمد لوالده أن أخرجه من «الكتاتيب الكريهة» وأدخله مدرسة أم عباس باشا فى السيدة زينب. وروى كيف بنيت على أفخم طراز» أبهاء فسيحة فرشت أرضها بالمرمر ، وحليت سقوفها بالنقوش المذهبة وفى أعلى المدرسة من الخارج، إطار كتبت عليه آيات قرآنية كتبها أشهر الخطاطين بأحسن خط .. كانت المدرسة يُنفق عليها من أوقاف رصدتها والدة عباس الأول، فالدراسة بالمجان بل إنهم يذهبون إلى قصر الوالدة «خوشيار هانم والدة الخديو إسماعيل» مرتين فى العام لتوزع عليهم بذلتين: بذلة للشتاء وبذلة للصيف.

..................


‎أحمد أمين في زي القاضي الشرعي


ويسهب أحمد أمين فى وصف سعادته بالتحاقه بمدرسة «بنبا قادن» ولبست بدلة بدل الجلباب ولبست طربوشا بدل الطاقية، وأحسست علوا فى قدرى ، ورفعة فى منزلتي، وخالطت تلاميذ من الطبقة الوسطى أو العليا ، لا نسبة بينهم فى نظافتهم وجمال شكلهم وبين أبناء الكتاتيب وأبناء الحارة».

هكذا كانت اللبنة الأولى فى رحلة أحمد أمين مع العلم التى انتهت به اسما لامعا فى صفحات المفكرين المصريين، وخلدته أعماله فلم ينقطع اسمه بفضلها وبفضل ابنيه المفكرين د.جلال أمين والدكتور حسين أمين لتحكى الأسماء الثلاثة قصة 3 أجيال فى عالم الفكر والثقافة .

كما أنها تمثل عقدا فريدا فى تاريخ الفكر المصرى تثبت أن الولد سر أبيه فى الإبداع ليس بفعل الجينات ولكن بفعل التربية و«جو البيت» كما وصفه حسين أحمد أمين فى مذكراته التى جاء عنوانها معبرا «فى بيت أحمد أمين» فالأدب لم يكن درسًا يتلقونه فى بيتهم فى ساعات معينة بل كان عبيرا يتنسمونه فى جو المنزل نفسه يدق جرس التليفون فيهرع الأطفال إلى الرد فإذا المتكلم عباس العقاد أو توفيق الحكيم أو محمود تيمور .. وفى البيت ألفوا سماع أسماء ابن خلدون والجاحظ والغزالى وابن رشد . ويروى حسين أمين موقفا طريفا عن والديه فى هذا الصدد؛ فقد عاد الأستاذ أحمد أمين إلى بيته يوما فسأل زوجته من اتصل به فقالت اتصل ابن خلدون مرتين فيجيب مبتسمًا : وهل ترك رسالة. فتقول نعم إنه يقول إنه يتململ فى قبره من كثرة تناولك سيرته فى الحديث .

وكأن التاريخ يعيد نفسه فـ«جو البيت» الذى عاشه المفكر د. أحمد أمين(1886ــ 1954 ) صنع الركيزة الأساسية فى تكوينه الفكرى ؛ فقد اعتنى به والده المدرس بالأزهر ومدرسة الإمام الشافعى . حفظ أحمد أمين القرآن الكريم وقرأ كثيرا قبل أن يلتحق بالكُتاب وبعده الأزهر الشريف حيث درس الفقه الحنفي، كما رأى والده ليلتحق بالقضاء الشرعى . وفى تلك الفترة نشأت مدرسة القضاء الشرعى التى اختير طلابها من نابغى أبناء الأزهر 1907 . وبعد التخرج شغل أحمد أمين وظيفة القاضى مرتين:الأولى سنة 1913 فى الواحات الخارجة لمدة ثلاثة شهور، أما المرة الثانية حين تم إقصاؤه من مدرسة «القضاء الشرعي» لعدم اتفاقه مع إدارتها على الرغم مما عُرف عنه من التزام وموضوعية حتى صار يُلقب بـ «العدل». وفى عام 1926 رشحه د. طه حسين لتدريس مادة النقد الأدبى فى كلية الآداب. وأصبح أحمد أمين عميدًا للكلية عام 1939 وعندما قام وزير المعارف طه حسين(عميد الأدب العربي) بنقل عدد من مدرسى كلية الآداب إلى الإسكندرية دون علمه قدم استقالته ليتفرغ لكتبه.

لكن تلك الواقعة تسببت فى الجفاء بين الصديقين القديمين خصوصًا وأن أحمد أمين المعروف بهدوئه ولين طبعه لم يتقبل وصاية صديقه المعروف بعناده وعصبيته الشديدة، وذلك رغم التقدير الذى كان يكنه كل منهما للآخر . ولم تنته تلك القطيعة إلا فى اللحظات الأخيرة فى حياة أحمد أمين حين زاره فى المستشفى طه حسين .كان أحمد أمين قد فقد بصره تماما فمد يده متلهفا للسلام على صديق العمر وفعل طه حسين الأمر نفسه وهو يمد يده باحثا عن يد صديقه فقام حسين أحمد أمين الابن بعقد كفى الصديقين ليلتقيا ويسلما على بعضهما بعضا ويبث كل منهما سؤاله ومحبته وافتقاده لصديقه.

رفض أحمد أمين تولى رئاسة تحرير جريدة «الأساس» بناء على طلب النقراشى رغم ما فيه من وعد بالجاه والمرتب المجزى لقناعته بعدم وجود فارق بين السعديين وغيرهم من حيث المبادئ الحزبية.

واستعانت به مؤسسة فرانكلين الأمريكية حتى يشرف على إصدار كتاب يشترك فيه عشرة من الأدباء المصريين وعشرة من الأمريكيين بحيث يصدر كل منهم فصلا بعنوان «علمتنى الحياة» وهو العنوان الذى اختاره ابنه د.جلال أمين فيما بعد عنوانا لمذكراته .

وقد كان أحمد أمين عضوا فى ثلاثة مجامع لغوية : المجمع اللغوى المصرى الذى اختير فيه بمقتضى مرسوم ملكى ، والثانى هو المجمع العربى بدمشق ، والثالث المجمع العراقي.

ومن بين أهم ما فعله أحمد أمين للثقافة فى مصر، هو تأسيسه «لجنة التأليف والترجمة والنشر» تلك اللجنة التى أسهمت فى نشر الثقافة بالعالم العربي؛ إذ قدمت للقارئ العربى ذخائر الفكر الأوروبى فى كل فروع المعرفة .وقد أنشأت هذه اللجنة مجلة «الثقافة» فى يناير 1939، ورأس تحريرها، واستمرت فى الصدور أربعة عشر عاماً متوالية، وكان يكتب فيها مقالاً أسبوعياً فى مختلف مناحى الحياة الأدبية والاجتماعية، وكانت ثمرة هذه الكتابات كتابه الرائع «فيض الخاطر» بأجزائه العشرة. كما كان يكتب فى مجلة «الرسالة» الشهيرة، التى أنشأها أحمد حسن الزيات وفيها تعرف إلى زكى نجيب محمود .

‎زكي نجيب محمود

عندما تعرف أحمد أمين على زكى نجيب محمود قام بضمه إلى لجنة التأليف والنشر والترجمة وبدأت منذ تلك اللحظة علاقة أثمرت ثلاثة كتب هي: «قصة الفلسفة اليونانية»، «قصة الفلسفة الحديثة»، «قصة الأدب فى العالم» . وقد أثارت تلك الكتب جدلا واسعا. ففى عام2009 فجر الكاتب أنيس منصور مفاجأة قاسية ، إذ قال إن أحمد أمين وضع اسمه مع زكى نجيب محمود على كتابى «قصة الفلسفة اليونانية» و»قصة الفلسفة الحديثة» دون أن يكتب فيهما حرفا واحدا: «وفى مرحلة متأخرة قال لى زكى نجيب محمود إنه وضع اسم أحمد أمين على الكتاب مع أنه لم يكتب سطرا واحدا ، والسبب أن أحمد أمين هو الناشر وإذا لم يظهر اسمه فلن يظهر الكتاب». ومثل ما كتبه أنيس منصور علامة استفهام فلا أحمد أمين بتاريخه كان ليقع فى سقطة أخلاقية كتلك وهو الذى كانت له مواقفه التى تنم عن الالتزام بالمبدأ . ولا كان زكى نجيب محمود الذى ظل يدافع عن المنطق واستخدامه فى نقد التراث العربى ليقبل أن يكتب اسم الناشر على أفكاره العلمية.

‎جلال أمين

أما د . جلال أمين فجاء رده قاطعا مؤكدا أن زكى نجيب محمود هو الذى طلب أن يشاركه أحمد أمين تأليف الكتاب حتى يستفيد من شهرته. كان رد د.جلال بالحرف الواحد والذى استمعت إليه ساعتها ونشرت كلماته على صفحات مجلة «نصف الدنيا»: «والتعاون بين أكثر من مؤلف أمر معروف فى الدنيا كلها . ومن المعروف أن اسم الشريك الأكبر مقاما يوضع قبل اسم الشريك الأصغر وهكذا ظهر الكتاب . وأنا استغرب للغاية أن يقوم المرحوم زكى نجيب محمود بقول مثل هذا القول بينما لم يتجرأ على ذكره فى حياة أبى واستغرب أن رجلا مثل أنيس منصور يكرر هذا الكلام وهو يعرف بالضبط القيمة الحقيقية للرجلين».

طه حسين

عرف مطلع القرن الماضى توجها أدبيا جديدا عرف بـ»الإسلاميات « إذ تصدى لكل ما يمس التاريخ من افتراءات المستشرقين على الدين الإسلامى ورموزه؛ فكتب الدكتور طه حسين «على هامش السيرة» ووضع العقاد عبقرياته، وأبدع الأديب محمد حسين هيكل فى الكتابة عن عظمة محمد.

كان «فجر الإسلام» للباحث والمفكر أحمد أمين «1886 ـ 1954» باكورة موسوعة تاريخية عن حياة العرب المسلمين الفكرية شملت أجزاء ثلاثة : فجر الإسلام ، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام . وكانت هذه الموسوعة حسبما أكد أحمد أمين نتيجة مشروع بحثى اتفق عليه مع الدكتور طه حسين ود.عبد الحميد العبادى : «وخلاصته أن ندرس الحياة الإسلامية من نواحيها الثلاث فى العصور المتعاقبة من أول ظهور الإسلام فيختص الدكتور طه حسين بالحياة الأدبية والأستاذ العبادى بالحياة التاريخية وأختص أنا بالحياة العقلية» وأوفى أحمد أمين بالشق الخاص به وصدر «فجر الإسلام « 1929 بمقدمة كتبها د. طه حسين .

بينما تأخر عبد الحميد العبادى «1892-1956» وهو من كبار المؤرخين وكان عميدًا لكلية الآداب بجامعة الأسكندرية 1942ــ 1952 ، قليلا فى تنفيذ الشق الخاص به من المشروع فقد كتب : الدولة الإسلامية وتاريخها ، المجمل فى تاريخ الأندلس حيث كان العبادى أول من أدخل دراسة تاريخ المغرب والأندلس فى الجامعات المصرية‪.‬

المفكر الكبير أحمد أمين بين أفراد أسرته

لقد كان أحمد أمين باحثا بمعنى الكلمة وهو يؤكد على أهمية البحث فى مذكراته:«تعلمت أن ميزة الجامعة عن المدرسة هى البحث ، فالمدرسة تعلم ما فى الكتب والجامعة تقرأ الكتب لتستخرج منها جديدا والمدرسة تعلم آخر ما وصل إليه العلم والجامعة تحاول أن تكتشف المجهول من العلم فهى تنفذ ما وصل إليه العلم وتعدله وتحل جديدا محل قديم وتهدم رأيا وتبنى مكانه رأيا آخر وهكذا هذه وظيفتها الأولى والأخيرة».

جاءت السيرة الذاتية لأحمد أمين «حياتى «نموذجا مبكرا لكتب السير الذاتية .وقد تأرجحت سطور سيرته بين البوح والكتمان؛ وهو ما اعترف به «على ذلك وضعت هذا الكتاب ولم أذكر فيه كل الحق ولكنى لم أذكر فيه أيضا إلا الحق ، فمن الحق ما يرذل قوله وإذا كنا لا نستسيغ عرى كل الجسم فكيف نستسيغ عرى كل النفس».

‎أحمد أمين مع عبدالقادر المغربى وعلى الجارم

لم يخف أحمد أمين كيف أن تربيته شكلت شخصيته إلى حد كبير: «فإن رأيت إفراطا فى جانب الجد وتفريطا معيبا فى جانب المرح أو رأيت صبرا على العمل وجلدا فى تحمل المشقات واستجابة لعوامل الحزن أكثر من الاستجابة لعوامل السرور، فاعلم أن ذلك كله صدى لتعاليم البيت ومبادئه، وإن رأيت ديناً يسكن فى أعماق قلبى وإيماناً بالله لا تزلزله الفلسفة ولا تشكك فيه مطالعاتى فى كتب الملحدين ، أو رأيتنى أكثر من ذكر الموت وأخافه ولا أتطلع إلى ما يعده الناس مجدا، فمرجعه إلى تعاليم أبى وما شاهدته فى بيتي»!


رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق