فى لحظة انفعالية تراجع خلالها عما سبق وراوده من أحلام فى الفوز بجائزة نوبل للسلام، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن قراره إلى وزير «الحرب»، باستئناف البنتاجون لتجاربه النووية. وكان ذلك ردا على إعلان نظيره الروسى فلاديمير بوتين حول نجاح تجارب «الغواصة» المسيرة «بوسيدون» التى قالت موسكو إنها قادرة على تدمير بلد فى حجم بلجيكا بأكمله، وبما هو أقرب إلى العودة إلى سباق التسلح الذى لطالما نسيه العالم خلال ما يزيد على ثلاثين عاما.
ويذكر المراقبون، الأمس القريب الذى استيقظ فيه العالم على إعلان مماثل من جانب الرئيس الأمريكى حول «تمجيده» لأن الولايات المتحدة تملك أقوى غواصات فى العالم، بادر بإرسال إحداها إلى السواحل الروسية ردا على إعلان نظيره الروسى حول انتهاء روسيا من تجارب الصاروخ «بوريفيستنيك»، الذى قال بوتين إن لا مثيل له لدى أى من بلاد العالم.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن عن البدء الفورى فى اختبارات جديدة لأسلحة نووية، مشيرا إلى برامج الاختبارات النووية التى تجريها دول أخرى، وذلك فيما كتبه على منصة «تروث سوشيال» حول إنه «فى ضوء برامج التجارب النووية التى تنفذها دول أخرى، وجهت وزارة «الحرب» إلى البدء فى اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة»، بينما أضاف أن هذه العملية «ستبدأ فورا». وقال ترامب أيضا فى تصريحات له فى حفل عشاء أقامه الرئيس الكورى الجنوبى لى جاى ميونج، إن الولايات المتحدة «تمتلك أكبر ترسانة من الأسلحة النووية». أما روسيا ففى المركز الثانى، إلى جانب الصين، التى تتخلف عنها بكثير، فى المركز الثالث، لكنهما ستلحقان بها خلال خمس سنوات.
وذلك فى الوقت، الذى لم يكن يدرى ترامب أن الجهة المنوط بها إجراء التجارب النووية هى وزارة الطاقة وليست وزارة «الحرب» أو «الدفاع». كما أن سباق التسلح وكما يقول الخبراء العسكريون، «يعنى فى حقيقة الأمر أن ذلك يقتضى الزيادة المنهجية فى نفقات التسلح أو الإنفاقات العسكرية من جانب اللاعبين الرئيسيين فى هذا المجال بما فى ذلك الاستثمارات فى الأسلحة الحديثة». كما أكد الرئيس الأمريكى أن بلاده تمتلك أسلحة نووية أكثر من أى دولة فى العالم، بينما تقول الإحصائيات الرسمية إن روسيا هى التى تملك القدر الأكبر من الرءوس النووية. وتشير الأرقام إلى حقيقة ذلك، وفق ما أوردته المصادر العالمية حول أن روسيا تمتلك 4400 رأس نووية مقابل 3700 تمتلكها الولايات المتحدة، بينما تأتى الصين فى المرتبة الثالثة بفارق هائل، حيث يبلغ مخزونها 600 رأس نووية، تليها فرنسا بمخزون قدره 290 رأسا نووية، ثم بريطانيا بمخزون يقدر بـ 225، ثم الهند وتملك 180 رأسا نووية، متقدمة عن باكستان التى تمتلك 170 رأسا نووية، ثم إسرائيل التى يبلغ ما تمتلكه 90 رأسا نووية. بوصفها الدولة «النووية» الوحيدة فى منطقة الشرق الأوسط، دون الإشارة إلى عدد ما تمتلكه كوريا الشمالية من «عبوات نووية».
ويمضى السباق غير المعلن على الصعيد العسكرى بين القوتين العظميين الولايات المتحدة وروسيا، انطلاقا من تاريخ قديم يستمد بدايته من أولى سنوات الولاية الأولى للرئيس الأمريكى الأسبق، جورج بوش الابن، بما اتخذه من قرار فى ديسمبر 2001 حول الخروج من معاهدة الأنظمة الصاروخية المضادة، وهو ما سارع بوتين إلى مفاتحته بخطورة ذلك. ونذكر فى هذا الصدد ما دار بينهما من حديث قال فيه بوتين إن الولايات المتحدة تدفع روسيا إلى «سباق تسلح»، وهو ما رد عليه بوش بقوله فليكن الأمر كذلك إذا كان فى مقدور روسيا.
ونذكر أيضا ما قاله الرئيس الروسى فى خطابه «التاريخى» بمؤتمر الأمن الأوروبى فى ميونيخ فى فبراير 2007، حول رفض بلاده لعالم القطب الواحد ولانفراد دولة بعينها بالقرار الدولى، بعيدا عن الشرعية الدولية، وهو ما حدد الكثير من خطواته منذ ذلك الحين. وذلك ما وصفه هنرى كيسينجر، عميد الدبلوماسية الأمريكية الأسبق بـ»الإيمان الصوفى لبوتين بالتاريخ»، الأمر الذى لم ينكره بوتين بقوله فى احتفالات روسيا بذكرى ميلاد بطرس الأعظم مؤسس روسيا الحديثة، حول «انه يقتفى خطاه لا من اجل الهيمنة والتوسع، بل باستعادة ما تملكته روسيا فى عهده من أراض».
وها هو العالم يشهد تصعيدًا «غير معلن» يعيد إحياء أجواء سباق التسلح، حيث تتبادل القوى العظمى تصريحات واستعراضات عسكرية تستند إلى أسلحة إستراتيجية جديدة. وذلك عقب «انهيار» اتفاقيات الحد من التسلح وانسداد قنوات الحوار الدبلوماسى، وما يشهده العالم من تصعيد خطير فى الخطاب والاستعراض العسكرى، تدعمه خلفية من انهيار الثقة وتراجع البنية القانونية التى كانت تحكم التوازن الاستراتيجى على مدى العقود الأخيرة، وبما قد يؤدى بالعالم إلى السقوط مجددا إلى شرك «سباق التسلح، وعودة العلاقات الدولية إلى عصر «المواجهة المفتوحة».
وثمة من يقول ان الواقع الراهن يشير ضمنا إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من «الردع المتبادل»، وان الاتفاقيات الدولية لم تعد كافية لضمان الأمن فى ظل انعدام الثقة، وهو ما يدفع «البعض» إلى تعزيز قدراته العسكرية المباشرة كضمان وحيد.
كما أن ما أقدم عليه الرئيس الأمريكى ترامب من خطوات بشأن استئناف التجارب النووية لا يمكن ان يكون ردا على ما أعلنه بوتين الذى لطالما حاول ومنذ أولى سنوات توليه لمقاليد الحكم فى الكرملين فى ولايته الأولى، حول التقارب مع المعسكر الغربي. ويذكر المراقبون ما طرحه على نظيره الأمريكى الأسبق بيل كلينتون حول انضمام روسيا الى الناتو، وهو ما جرى رفضه فى حينه.
وها هو بوتين يعود من جديد إلى طرح اقتراحه على الرئيس ترامب بشأن التفكير فى مد فترة معاهدة «ستارت3-» التى دخلت حيز التنفيذ فى عام 2011 وجرى مد فترتها لدورة جديدة تنتهى فى فبراير من العام الجديد، لمدة عام آخر يمكن خلالها للجانبين اتخاذ ما يلزم لمدها لفترة أخرى.
وبينما كان العالم بأسره واستنادا إلى ما تبدى من مؤشرات فى انتظار إعلان ترامب عن موافقته، بعد إعلانه عن تقديره لما طرحه بوتين من اقتراح حول مد فترة معاهدة «ستارت -3» وهو ما وصفه ترامب بأنه «فكرة جيدة»، يعلن الرئيس الأمريكى عن قراره حول استئناف التجارب النووية، الذى حرص على تأكيد «فوريته». على أن الكرملين وكما تقول المصادر الغربية، لا يرى فى ذلك سباقا للتسلح بعد، وهو ما لا يتناسب مع ما وصفته موسكو بمظاهرة إعلان أن ما حققته روسيا من إنجازات صاروخية، ومنها صواريخ «سارمات» و«أوريشنيك» و«بوريفيستنيك» وغيرها من تلك التى لا مثيل لها فى العالم على حد تعبير الرئيس بوتين، بما تتسم به من خواص متميزة وقدرات تدميرية هائلة، تغنى عن استخدام الأسلحة النووية.
وفى هذا الصدد، يتذكر المراقبون ما سبق وقاله بوتين حول أن «روسيا لا حاجة لها بعالم ليس لها فيه مكان»، فضلا عما اتخذه من قرار حول «تغيير العقيدة النووية» لروسيا الاتحادية بما يتفق مع المتغيرات الدولية، فى إشارة لا تخلو من مغزى إلى احتمالات استخدام روسيا لما تملكه من قدرات نووية.
رابط دائم: