عمل «بوتين» منذ أن تولى مسئولية قيادة روسيا، مطلع هذا القرن، على أن يعيد لروسيا حضورها ودورها العالمي. وكان السؤال الاستراتيجى المحورى هو كيف تتحقق هذه العودة؟ وكانت الإجابة: إحياء الإمبراطورية الروسية. فما من سبيل إلا أن تستمر روسيا فى رسالتها الإمبراطورية ذلك لأنها: أولا: أكبر من أن تخضع لفكرة الدولة ــ الأمة. وثانيا: لأن هذا هو السبيل لتقدمها ونهضتها. وعليه لابد من «تعظيم مزايا الجغرافيا والسياسة والحضارة».
انطلق بوتين من تحديد هوية الإمبراطورية الجديدة بقوله: «روسيا دولة أوراسية»؛ أى أوروبية آسيوية، حيث تقع روسيا فى جزء من أوروبا وأجزاء ممتدة من آسيا على مساحة تبلغ 17 مليون كلم2، وهى الأكبر على الاطلاق فى العالم. وتعد هذه المساحة أكبر بنحو ضعفين من أكبر ثلاث دول فى العالم، وهى الولايات المتحدة، وكندا، والصين حيث مساحة كل منها أقل من 10 مليون كلم2.
واعتمدت روسيا فى تحقيق حلمها على ما تملكه من موارد ذاتية تتمثل فى أنها الأولى فى العالم من حيث امتلاك مخزون للغاز يقدر بما يقرب 50 تريليون متر مكعب، وما بين 75 و150مليار برميل من النفط. بالإضافة إلى أكبر مخزون من المياه العذبة فى العالم.وهى ثروة توفر لها بعد المبادلات التجارية دخلا قوميا يناهز النصف تريليون دولار. ونشير إلى أن الاحتياطى الروسى من العملات الجنبية والذهب يقدر بنحو 500مليار دولار. إضافة إلى ما سبق تمتلك روسيا قدرات عسكرية دائمة التطور.
تحركت روسيا الجديدة وفق رؤية تتضمن تسعة عناصر حاكمة هي: أولا: الإصلاح الداخلى الذى يضمن انطلاقا إقليميا ودوليا ناجحا. ثانيا: استمرار روسيا الاتحادية كقوة نووية عظمى وتطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية. ثالثا: الحضور الروسى العالمى فى إطار عالم متعدد الأقطاب. وعدم السماح بالخضوع لهيمنة قوة عظمى واحدة. رابعا: الاستعادة التدريجية لدور روسيا الاتحادية فى كل من آسيا والشرق الأوسط. خامسا: مقاومة أى تجرؤ على روسيا الجديدة بحسم. سادسا: التخلص التدريجى «للحرب الباردة» وما نجم عنها من نتائج. ورفض الأحادية القطبية تحت أى ظرف. سابعا: المواجهة العسكرية الحاسمة والفورية لأى توسع لحلف الأطلسى شرقا باتجاه حدود روسيا الاتحادية.
ثامنا: التعاون المرن مع كل دول العالم دون تمييز شريطة أن يدعم هذا التعاون المصالح الوطنية العليا لروسيا القادمة «الإمبراطورية». تاسعا: بلورة محاور تعاون قارية مثل: الصين والهند واليابان فى آسيا. والبرازيل فى أمريكا اللاتينية. وجنوب إفريقيا فى القارة الإفريقية. وألمانيا وفرنسا فى أوروبا. وذلك من خلال التعاون الثنائى أو من خلال الروابط والمنظمات القارية المختلفة.
فى ضوء ما سبق، تؤكد التقارير والمتابعات أنه وبالرغم من العقوبات التى تعرضت لها روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، فإنها نجحت فى تحقيق نجاحات جيوسياسية لافتة نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: التحالف الاستراتيجى مع الصين والتى تكللت بزيارة الرئيس الروسى إلى الصين بعد إعادة انتخابه رئيسا منتصف مايو 2024، وهى زيارة تأتى فى إطار العديد من اللقاءات والمشاورات المستمرة فى ضوء نهج أطلقنا عليه: شراكة بلا حدود. ثانيا: تقدم ملحوظ فى مسرح العمليات الحربية الروسية الأوكرانية. ثالثا: التمدد الروسى فى كثير من المواضع الاستراتيجية المهمة.
رابعا: اتباع ما يمكن تسميته استراتيجية ملء الفراغ فى كثير من المناطق مثل ما يعمل على تنفيذه وزير الخارجية الروسى سيرجى لافاروف فى بعض دول القارة الإفريقية التى تمتلك ثروات طبيعية كذلك تعمل بها شركات روسية (تشمل غينيا، والكونجو برازافيل، وتشاد، وبوركينا فاسو،...).
خامسا: توسيع أشكال التعاون مع: البريكس، ومنظمة شنغهاي، ورابطة الآسيان، وتكتل الجنوب العالمى الذى دعت إليه الهند قبل عامين، وغير ذلك. سادسا: استمرار روسيا ــ بالرغم من العقوبات الغربية الأطلسية ــ المصدر الأبرز للغاز الطبيعي.
سابعا: الحفاظ على العلاقات التجارية فى مجالى الطاقة (ويراجع فى هذا المقام اتفاقات أوبك بلس بين روسيا ودول النفط الخليجية)، والحبوب من جانب، والبنية التحتية والمشروعات الكبرى من جانب آخر مع الكثير من الدول من خارج المنظومة الغربية الأطلسية (الآسيوية والشرق أوسطية واللاتينية).
ثامنا: التفاهمات النسبية مع ترامب فى فترة رئاسته الثانية.
وبطبيعة الحال كانت تلك النجاحات النسبية محل رصد ودراسة من قبل الباحثين والاستراتيجيين والمتابعين السياسيين فى العالم، بيد أن الحدث الأبرز فى هذا السياق وفق الإحاطة التى قدمها وفد من مسئولى الاستخبارات فى كوريا الجنوبية لأعضاء حلف شمال الأطلسى (الناتو) وثلاثة من شركائها فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ ــ إستراليا واليابان ونيوزيلندا ـــ حول ما وصف بالتطور المذهل فى الحرب الأوكرانية تمثل فى نشر كوريا الشمالية آلافاً من جنودها فى منطقة كورسك الروسية لدعم المجهود الحربى لموسكو.
ما اعتبر تحولا تاريخيا فى موازين القوى تمهد لتأسيس واقع عالمى جديد يُعلن بزوغ قوة أوراسية عظمي. ما دفع جوليان سميث (مؤسسة ورئيسة كلاريون للاستراتيجيات، ومساعدة مستشار الأمن القومى الأمريكى من 2012 إلى 2013، ومبعوثة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الناتو من 2021 إلى 2024)، وليندساى فورد (مسئولة عن ملف جنوب آسيا فى مجلس الأمن القومى فى العام الأخير) إلى إعلان أن العالم يشهد ميلاد: النظام الأوراسي؛ فى دراسة غاية فى الأهمية نشرت فى عدد فورين أفيرز هذا الشهر بعنوان: النظام الأوراسى الجديدThe New Eurasian Order؛إذ تخلص إلى أن العالم يشهد تحولا جذريا فى ديناميات القوة العالمية وتعدد القوى التى تمارس تلك الديناميات التى تختلف فى طبيعتها وأهدافها عما عرفته العلاقات الدولية منذ 1648(سنة عقد صلح وستفاليا وتأسيس النظام الدولى العالمي)، مرورابالمراحل التى أعقبت الحربين العالميتين وصولا إلى وقتنا الراهن بتجلياتها العالمية المتعاقبة.
وإن أحد أهم ما سيترتب على هذا التحول هو احتمالية أن تجد واشنطن نفسها ــ إذا لم تتخذ السياسات الملائمة ــ خارج ترتيبات حاسمة لن تهدد ــ فقط ــ مصالحها الإستراتيجية بصورة مباشرة وإنما ستفقدها أوليتها للنظام العالمي...نتابع فى مقالنا الأسبوع المقبل ملامح النظام الأوراسى الجديد وما المطلوب من الولايات المتحدة الأمريكية حياله.
لمزيد من مقالات سمير مرقص رابط دائم: