رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

حضارة المصريين تشرق اليوم

فى 4 نوفمبر 1922 اكتشف عالم الآثار البريطانى هوارد كارتر، بدعم من اللورد كارنارفون، مقبرة توت عنخ آمون، وقد أثار الحدث اهتمام وكالات الأنباء فى العالم بأسره، وتعود أهمية ذلك إلى اكتشاف مقبرة الفرعون الصغير كاملة، لم يعبث بها اللصوص مثل غيرها. فى الحقيقة لم يحكم توت عنخ آمون سوى سنوات قليلة، ومات دون سن العشرين، واستقر فى مقبرته وسط كنوزه، متطلعا إلى العالم الآخر، لا يرغب أن يزعجه أحد، فقد وجد نقش فى إحدى غرف المقبرة يحذر العابثين بأن «الموت سوف يقضى بجناحيه على كل من يحاول أن يٌزعج هدوء الفرعون، أو يعبث فى مقبرته».

وقد استنفر اكتشاف المقبرة شعورًا وطنيا جارفًا فى خضم نضال المصريين من أجل الاستقلال والحرية، الذى تجلى فى ثورة 1919، وما تلاها من معارك الدستور والاستقلال والحرية، وبلغ تفاعل المصريين الوجدانى مع الحدث مبلغًا بعيدًا، إلى حد أن منيرة المهدية بالتعاون مع الشاعر محمد يونس القاضى والموسيقار رياض القصبجى قدمت طقطوقة احتفت فيها بــــ «أبوها» توت عنخ آمون، وطالبت المستعمر البريطانى بالحرية، واختتمتها بقولها:

«بإيه تزيد إنت عليا / وبلادى مهد الحرية.. ومصر أم المدنية / وأنا أبويا توت عنخ آمون»

اليوم يفتتح المتحف المصرى الكبير، وتستقر فيه كنوز توت عنخ آمون، ومن إشارات القدر الملهمة أن يكون افتتاح المتحف فى مطلع شهر نوفمبر، ذلك الشهر الذى اكتشفت فيه مقبرة الفرعون الصغير، قبل ما يزيد بقليل على المائة عام، وسط اهتمام عالمى واسع النطاق، وفى خضم جهود يقوم بها المصريون من أجل استكمال بناء دولتهم الحديثة، وأن يكون لها دور إقليمى ودولي، أن تكون مركزا للسلام والحوار والتنمية والتسامح، بما يتناسب مع تاريخها، وميراثها الحضارى الشديد التنوع.

يقع المتحف المصرى الكبير فى موقع متميز، يُطل من خلاله على أهرامات الجيزة، وهو بذلك يُعلن أنه الواجهة الأولى للتراث المصرى القديم، ولا يشمل فقط كنوز توت عنخ آمون، بل يحوى كذلك مجموعة الملكة حبت حرس أم الملك خوفو مُشيد الهرم الأكبر بالجيزة، وهى ابنة ملك، وزوجة ملك، وأم ملك، وجدة ملك، ولُقبت بابنة الإله، وعُثر على مقبرتها كاملة بالقرب من الهرم الذى شيده ابنها، وبالإضافة إلى ذلك هناك متحف مراكب الملك خوفو، وغيرها من الآثار النادرة والمهمة.

يٌعد المتحف المصرى الكبير من أكبر المتاحف العالمية، وتبلغ مساحته أكثر من خمسمائة ألف متر مربع، وهو بذلك أكبر متحف متخصص فى حضارة واحدة على مستوى العالم، ويتسم بأنه نموذج للمؤسسة الثقافية الحديثة، المتعددة الأغراض، حيث لا يكتفى بعرض الكنوز الأثرية فى قاعات يفوق اتساع الواحدة منها مساحة متحف بالكامل، تُستخدم فيها أفضل تقنيات العرض المتحفي، بل يشمل إلى جوار ذلك أنشطة ثقافية تفاعلية، مثل مراكز تعليمية وبحثية وسينما وصناعات ثقافية فى صورة فنون تراثية، وصناعة وتسويق المستنسخات، وهو بذلك يعزز التنمية المستدامة، من حيث حق الأجيال الحالية والقادمة فى التمتع بموارد اقتصادية مستدامة.

فى هذه المناسبة، التى يتطلع إليها المصريون، وهى افتتاح المتحف المصرى الكبير، نتذكر دائما أن مصر فى ذاتها أيقونة إنسانية حضارية، تجسد المتاحف الوطنية المتعددة فى ثرائها، الفرعونى واليونانى الرومانى والقبطى والإسلامي، بل إن شوارعها القديمة تفوح بعبق التاريخ، وتقدم مساجدها وكنائسها وأديرتها ومعابدها روعة التصميم وجمال البناء، وتتلاقى مع مساراتها الروحية فى تأكيد تأصل وجدانها الديني: العائلة المقدسة، وآل البيت، والتجلى الأعظم. ومن إبداع الحياة على ضفاف النيل أن ظهرت متاحف نوعية متعددة، ربما لم نعد نسمع عنها، تتبع جهات مختلفة مثل المتحف الجيولوجي، ومتحف الزراعة، ومتحف الحشرات، وهناك جمعيات مثل الجمعية الجغرافية المصرية لديها أيضًا متاحف، تحتاج جميعها إلى تطوير، ولا يزال هناك تراث مادى وغير مادى ضخم يحتاج إلى متاحف نوعية جديدة مثل تاريخ الموسيقي، والأثاث، والسينما، والأزياء، حيث يمكن الإفادة من التقدم فى الرقمنة، وتقنيات العرض فى تقديم صور مبهرة عن الحياة فى مصر، قديمًا وحديثًا، خاصة إذا ارتبطت كل متاحف مصر فى شبكة قومية واحدة.

بالتأكيد قد تصنع الدول مشروعات عمرانية مبهرة، أو تستعرض قدراتها المالية فى مبادرات استثمارية لافتة، لكنها تظل عاجزة عن صنع حضارة بمثل هذا الثراء والتنوع، ومهما ألم بمصر من انتكاسات أو تحديات، تظل هى البلد الذى يحوى واحدة من أهم حضارات العالم، يتذكر شعبها دائما أنهم أهل حضارة مهما حاصرتهم المحن، وسوف يشعر المصريون اليوم فى افتتاح المتحف الكبير، داخل مصر وخارجها، بفخر الانتساب إلى الأجداد، أهل الحضارة، مثلما دعت يومًا منيرة المهدية فى إحدى أغانيها توت عنخ آمون والدًا لها.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: