بعد إعلان قوات الدعم السريع فى 25 أكتوبر الحالى سيطرتها الكاملة على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور بعد أن تمكنت من الاستيلاء على مقر الفرقة السادسة التابعة للجيش السودانى فى المدينة، والتى تعد آخر معاقل الجيش فى إقليم دارفور.
بدت الحرب فى السودان تتجه إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا، على الرغم أن مسارات هذه الحرب منذ اندلاعها فى أبريل 2023، حملت العديد من المفاجآت التى دفعت فى كثير من الأحيان إلى طرح بعض السيناريوهات المتعلقة بإنهاء الحرب أو تمكن أحد طرفى الصراع من الحسم العسكرى، إلا أن هذه السيناريوهات لم تثبت فى مواجهة استمرار آلة الحرب وعدم قدرة الوسطاء على الوصول إلى تسوية تخفف من تداعيات الأزمة الإنسانية الصعبة التى أسفر عنها استمرار الصراع إلى ما يقرب من عامين ونصف العام.
ليأتى التطور الأخير الذى أعلنت عنه قوات «الدعم السريع» بتمكنها من السيطرة على مدينة الفاشر ليحمل تداعيات خطيرة ربما تختلف كثيرا عن التطورات المختلفة للحرب. فمن ناحية تؤكد هذه التطورات أن تمكن «الدعم السريع» من السيطرة على عاصمة ولاية شمال دارفور يعد بداية لسيطرة الدعم السريع على كامل إقليم دارفور، فى الوقت الذى أعلنت فيه قوات الدعم السريع بالتوازى سيطرتها أيضا على مدينة بارا فى شمال كردفان، تلك الولاية التى تعد حاجزا بين إقليم دارفور والعاصمة السودانية والنصف الشرقى من البلاد الخاضع لسيطرة الجيش السودانى، وعلى الرغم من أن الجيش السودانى يسيطر ميدانيا على المساحة الأكبر من البلاد، فإن سيطرة الدعم السريع على إقليم دارفور تحمل تهديدات خطيرة على أمن ووحدة السودان، وكذلك على الأمن الإقليمى، حيث تدفع هذه السيطرة سيناريو تقسيم السودان إلى الواجهة وخاصة فى ظل إعلان «الدعم السريع «أن حكومته ستتولى إدارة الإقليم.
والجدير بالذكر أن مسئولى «الدعم السريع» كانوا قد أعلنوا فى منتصف العام الحالى عن حكومة «تأسيس» التابعة له لإدارة إقليم دارفور، إلا أنها لم تحظ باعتراف دولى أو إقليمى أو إفريقى.
من ناحية أخرى، فإن سيطرة «الدعم السريع» على هذا النحو على إقليم دارفور، خاصة مدينة الفاشر التى يحاصرها منذ شهور، يفاقم من الأوضاع الإنسانية فى المدينة والإقليم بأكمله، حيث شهد الإقليم منذ بداية الحرب عمليات انتقامية ممنهجة وانتهاكات وجرائم حرب، والآن تنشر قوات «الدعم السريع» على مواقع التواصل الاجتماعى الانتهاكات الإنسانية التى تقوم بها ضد المدنيين فى الفاشر من عمليات قتل جماعى لمدنيين أو عسكريين تم أسرهم، هذا فضلا عن المجاعة والنزوح القسرى الذى يتعرض له أكثر من 20 ألف سودانى، فى الوقت الذى يهدد المسئولون فى «الدعم السريع» باستمرار الزحف الذى تقوم به قواتهم بعد الانتصار فى دارفور للوصول إلى بورتسوان.
وأمام هذا المشهد المفعم بالعنف وغطرسة استخدام القوة فى مواجهة المدنيين العزل يبقى دور الوسطاء والعملية السياسية هى المدخل والرهان الذى يمكن أن يسهل عمل الدبلوماسية كخطوة أساسية لإنهاء الصراع فى السودان، فى الوقت الذى يقوم فى هذه الأيام وفد الحكومة السودانية برئاسة وزير الخارجية السودانى «محى الدين سالم» ووفد مناظر من «الدعم السريع» بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية للتباحث فى مبادرة الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، والتى طرحتها اللجنة الرباعية المشكلة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات فى سبتمبر الماضى، حيث يتطلع الكثيرون إلى نتائج هذه المباحثات فى ظل التطورات الخطيرة التى تشهدها الحرب فى السودان خلال الشهور الأخيرة.
رابط دائم: