كلما اشتعلت الأزمة الفلسطينية، تتصدر مصر المشهد من جديد، وكأن التاريخ يؤكد أن هذه القضية لا يمكن أن تُدار إلا من خلال القاهرة. فمنذ عقود، لم ينقطع الخيط الذي يربط بين مصر وفلسطين، والمبني على إيمان راسخ بأن القضية ليست مجرد ملف سياسي، بل مسألة وجود وهوية ومسئولية قومية تتحملها مصر عن وعيٍ وإرادة.
جاءت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة إلى الاتحاد الأوروبي لتجسد هذا الدور التاريخي، وتؤكد أن لمصر مكانة لا يمكن تجاوزها في إدارة الأزمات الإقليمية. فالاستقبال الذي حظي به الرئيس لم يكن بروتوكوليًا فقط، بل كان تعبيرًا عن ثقة أوروبا في القاهرة باعتبارها صوت العقل والاتزان في منطقة مضطربة. وخلال اللقاءات التي عُقدت في بروكسل، ظهر بوضوح أن الأوروبيين ينظرون إلى مصر كشريك موثوق، خاصة بعد نجاحها في احتواء التوتر في غزة ومنع الانفجار الشامل. وقد جاءت التصريحات الأوروبية عقب الزيارة لتشيد بالتحرك المصري، واصفة إياه بأنه نابع من رؤية استراتيجية طويلة الأمد، مما يعكس إدراك المجتمع الدولي لأهمية الدور المصري وقدرته على تحقيق توازن بين المصالح الإقليمية والدولية.
لقد مثّلت الزيارة عودة قوية للدبلوماسية المصرية إلى قلب الساحة الدولية، ليس فقط كوسيط يسعى إلى التهدئة، بل كقائد مبادر يملك رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة صياغة التوازن في المنطقة على أسس من الحكمة والمسئولية. وفي السياق ذاته، كانت اللقاءات التي احتضنتها القاهرة بين الفصائل الفلسطينية خطوة عملية نحو إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية. تلك الاجتماعات مثّلت جلسة مصارحة بين إخوةٍ أدركوا أن القاهرة هي البيت الذي يمكن أن يجمعهم من جديد. وقد أجمع قادة الفصائل في تصريحاتهم على تقدير الدور المصرى والرئيس السيسى، وأكدوا أن مصر لم تتعامل مع الملف الفلسطيني من منطلق سياسي ضيق، بل من منطلق قومي وإنساني. كما تناولت اللقاءات ملفات الإعمار والإغاثة وإعادة إعمار ما دمرته الحروب في غزة، لتؤكد مصر أنها تتحرك بعين الأم التي لا تكتفي بتهدئة الخلافات بين أبنائها، بل تمتد لتخفف عنهم آلامهم وتعيد إليهم الأمل بالحياة. في موازاة ذلك، أجرى مسئولون مصريون رفيعو المستوى لقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في إطار متابعة تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق شرم الشيخ. وقد أظهرت تلك اللقاءات وضوح الموقف المصري وحزمه، إذ شددت القاهرة على أن أي تقدم لن يتحقق دون التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بوقف الاستفزازات في الضفة الغربية وتخفيف الحصار عن غزة. تعاملت القاهرة مع هذه الملفات بحكمة ودقة، فمارست ضغطًا سياسيًا محسوبًا دون التخلي عن لغة الحوار والعقلانية. هذا الموقف المتوازن جعل الولايات المتحدة تعلن دعمها الكامل للدور المصري باعتباره المسار الواقعي الوحيد لإنقاذ الاتفاق من الانهيار. ومن التطورات اللافتة أن الرئيس الأمريكي ترامب مارس ضغطًا حقيقيًا على إسرائيل للالتزام باتفاق شرم الشيخ، في تحول غير معتاد في السياسة الأمريكية. فرغم قربه من حكومة نيتانياهو، أدرك ترامب أن استمرار التصعيد سيقوّض الاستقرار الإقليمي ويضر بالمصالح الأمريكية، لذلك أعلن رفضه لمحاولات إسرائيل ضم الضفة الغربية، واعتبر أن هذه الخطوة ستكون نسفًا لمسار التهدئة, وخرقًا لروح الاتفاق. هذا الموقف كشف عن وعي جديد في واشنطن بأن الانحياز المطلق لإسرائيل لم يعد يخدم مصالحها، وأن استقرار المنطقة يمر عبر القاهرة باعتبارها الوسيط الأكثر اتزانًا ومصداقية. هذا التحول الدولي يمثل انتصارًا للدبلوماسية المصرية التي أعادت توجيه بوصلة الموقف العالمي نحو الواقعية والقانون الدولي بدلًا من منطق القوة وفرض الأمر الواقع. لقد أثبتت القاهرة أنها لا تتحرك بدافع ردود الأفعال، بل وفق رؤية متكاملة توازن بين مصالح الأطراف، وتحافظ على ثوابتها القومية والعربية.
وعلى الصعيد الإنساني، لعبت مصر دورًا محوريًا في دعم الشعب الفلسطيني خلال الأشهر الماضية، إذ تجاوزت المساعدات التي دخلت إلى قطاع غزة 900 شاحنة محملة بالمواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإعمار. لم تكن هذه الأرقام مجرد بيانات إعلامية، بل جسدت شريان حياة لشعب محاصر. وأظهر المصريون –شعبًا ومؤسسات– تضامنًا نابعًا من وجدانهم قبل قرارات دولتهم؛ فالهلال الأحمر أقام نقاطًا طبية على الحدود، والمستشفيات الميدانية استقبلت الجرحى، وطلاب الجامعات تبرعوا بما يملكون، في مشهد يعكس عمق العلاقة بين الشعبين المصري والفلسطيني.
كل هذه التحركات تؤكد أن مصر تتحرك اليوم بوعيٍ تامّ بثقلها التاريخي والجيوسياسي، مدركة أنها لا تحتاج إلى الأضواء بقدر ما تحتاج المنطقة إلى اتزانها وحكمتها. فهي تتعامل مع الأزمات بمزيج من الحزم والعقلانية، تعرف متى تضغط ومتى تحتوي، ومتى تمد يدها لتمنع حربًا أو لتفتح باب أمل جديدا.
القاهرة اليوم ليست مجرد عاصمة عربية، بل مركز ثقل إقليمي ودولي يعمل بصمت وثقة لتوفير بيئة واقعية للحلول السياسية. فهي تجمع الفرقاء الفلسطينيين، وتتحاور مع الإسرائيليين والأمريكيين، وتكسب ثقة الأوروبيين، وكل ذلك في إطار رؤية متزنة تستند إلى مبدأ أن السلام العادل لا يتحقق إلا بالعدالة واحترام الحقوق.
لقد أثبتت التجربة أن مصر هي الطرف الوحيد القادر على الجمع بين الدبلوماسية والعقلانية من جهة، وبين الإحساس الإنساني العميق من جهة أخرى. فهي تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها جزءًا من هويتها ومصيرها، وليست مجرد قضية خارجية. ولذلك، ستبقى القاهرة قلب العروبة وصوت الحكمة في عالم تمزقه الصراعات والمصالح. وما تقوم به اليوم هو امتداد طبيعي لمسئوليتها التاريخية تجاه فلسطين والعالم العربي، وتجسيد لنهجها الثابت في نصرة الحق، والدفاع عن الاستقرار دون خضوع. ومع كل أزمة، تثبت أن مصر ما زالت تمسك بخيوط الاتزان في منطقة مضطربة، وتكتب فصولًا جديدة من دبلوماسية الحكمة والمسئولية.
لمزيد من مقالات د. سماء سليمان رابط دائم: