استعرضنا في مقالي الأسبوعين الماضيين، على التوالي، مسيرة اليسار الأمريكي: التاريخي، والتقدمي الجديد. حيث رصدنا تطور اليسار في الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا.
وقد قسمنا هذه المسيرة إلى مرحلتين: تاريخية عرضنا فيها لجذور هذا اليسار وتطوره والتحديات التي واجهها منذ 1818 وحتى مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وما مارسته معه المكارثية عقب الحرب العالمية الثانية وتحديدا في خمسينيات القرن الماضي من جهة وحصار الليبرالية الجديدة له في عقديه الأخيرين من جهة أخرى. وكيف تجدد هذا اليسار مع مطلع الألفية الجديدة بفضل: أولا: جيل حركة الحقوق المدنية الذي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الذي استطاع قطاع منه الوصول إلى مواقع برلمانية وسياسية مؤثرة، وكان في طليعتهم «باراك أوباما» الذي لعب خطابه السياسي إبان الحملات الرئيسية ورئاسته لأمريكا على مدى فترتين رئاسيتين دورا مهما في نشر الخطاب الرئاسي التقدمي. وثانيا جيل الألفية الثالثة بموجاته المتعاقبة «زد» و»ألفا».
وثالثا: السياسيون، داخل الحزب الديمقراطي وخارجه، والناشطون المدنيون الذين تبنوا برنامجا تقدميا. ومن ثم نتج عن هذا التجدد اليساري تشكل ما بات يُعرف:باليسار التقدمي الجديد New Progressive Left؛ الذي اجتهدنا بتصنيفه إلى ثلاثة اتجاهات وتجليات مختلفة: الأول: شخصيات فكرية وسياسية واقتصادية جددت الدينامية اليسارية عبر النقاشات الفكرية والسياسية والاقتصادية، والثاني: اليسار التنظيمي المؤسسي البرلماني والمدني، والثالث: اليسار الشبابي الشبكي.
ومن ضمن ما أشرنا إليه في مقال الأسبوع الماضي حركة «Indivisible» أو «موحدون» (غير منقسمين أو الكل الموحد)، وحركة «لا للملوك» «No kings»؛ وللحركتين أهمية قصوى باعتبارهما الأحدث تشكيلا والأكثر تأثيرا والأشمل بنيويا من حيث: الأفكار، والبرنامج، واستراتيجيات وآليات الحركة، والانسجام الاجتماعي، والجيلي، والطبقي. وعلى الرغم من التقارب الكبير بين التنظيمين إلا أن هناك من يخلط بينهما. بيد أنه يمكن القول إن حركة «لا للملوك» هي التطور الطبيعي لحركة «موحدين».
حيث الأولى تأسست في 2016 بينما الثانية تأسست هذا العام. ونظرا لأن الأخيرة قد استطاعت في وقت قصير أن تكون ذات تأثير كبير،فقد نبهنا إلى أهميتها في مقال الأسبوع الماضي الذي تصادف أنه عقب نشره، في 18 أكتوبر الماضي، دعت حركة «لا للملوك» إلى تعبئة وطنية سلمية احتجاجا على السلطات الاستثنائية الترامبية. تلك التعبئة التي انطلقت في ضوء حملة إلكترونية مكثفة، حملت وسما عاما هو «لا للملوك»، وتبعته وسوم أخرى منها: «نحن الشعب لا الملك»»We the People, not the King»؛ و»دافعوا عن الدستور»»Defend the Constitution»؛وتشير التقديرات إلى أنه كانت هناك استجابة مواطنية مليونية (تتراوح بين 7 و8 ملايين مواطن شملت ما يناهز 300 موقع) في كل من: واشنطن العاصمة، ونيويورك، ولوس أنجلوس، وشيكاغو، وسان فرانسيسكو، وبوسطن، وفيلادلفيا، وسياتل، وأوستن، وأتلانتا، وبورتلاند. كما امتدت الاستجابة المواطنية إلى مدن محافظة وصغيرة مثل: تولسا، وسالت ليك سيتي، وجاكسون، وبيرمنجهام، ويجمع المراقبون أن تلك الاستجابة العريضة تمثل سابقة لم تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية منذ حركتي: مسيرة المرأة في 2017، و»مسيرة من أجل حياتنا»»March for Our Lives» في 2018.
وتنبع أهمية حركة «لا للملوك» من أنها تدخل في: أولا: مواجهة التغول الترامبي على القيم الجمهورية التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية، وثانيا: مناوئة النزعة الملكية التنفيذية الترامبية، وثالثا: حماية مبدأ الفصل بين السلطات، ورابعا: مقاومة أي عبث بالطبيعة الجمهورية للدستور.أي أنها، حركة «لا للملوك» تعمل على منع تحول الجمهورية إلى ملكية مقنعة. وفي هذا المقام، تعد، حسب أحد الباحثين، حركة «لا للملوك؛ نقلة نوعية عن حركة «Indivisible»؛ إذ أن الأخيرة كانت تركز على تفنيد ومقاومة تداعيات تنفيذ «الأجندة» الترامبية التشريعية والسلوكيات السياسية المنفردة وذلك من خلال الضغط على أعضاء الكونجرس بغرفتيه التشريعيتين.
ولعل من أهم ما أضافته حركة «لا للملوك» مقارنة بما سبقها من حركات هو أن الأساس اليساري التقدمي الذي تنطلق منه لم يكن عائقا لانضمام قطاعات مواطنية عريضة: ليبرالية ومحافظة كلاسيكية مختلفة، وطبقية وجيلية وسياسية وإثنية متنوعة. إذ أنها تدافع عن جوهر الوجود الأمريكي: الدستوري ــ الجمهوري، ما شجع كثيرون من خارج دوائر اليسار التقدمي الجديد: الفكرية والسياسية البرلمانية والمدنية والشبكية، إلى الانضمام إليها.بينما الحركات السابقة على حركة «لا للملوك» كانت ــ ولا تزال ــ تمارس دورها في إطار احتجاج سياسي ضمن ثنائية اليمين واليسار مثل: التجمع التقدمي بالكونجرس، وحركة احتلوا وول ستريت، وحركة 50501، وحركة مواجهة الأوليجاركية،...،إلخ.
ويلفت نظرنا أحد المراقبين إلى أن حركة «لا للملوك» بالرغم من أنها تركز على الدفاع عن المبادئ الدستورية الجمهورية إلا أنه في الوقت نفسه تستوعب المبادئ العامة لليسار التقدمي الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعلق بكل من: أولا: العدالة الاجتماعية ومكافحة التفاوتات المختلفة وذلك بفتح نقاش موسع حول: العدالة التوزيعية، وإعمال نظام ضريبي عادل، ودعم النقابات المهنية، وتطبيق حماية اجتماعية خاصة للطبقات الدنيا والمهمشة، وإنجاز برنامج للرعاية الصحية لا تديره الشركات،...،إلخ. وثانيا: الإنصاف الإثني الذي يحمي الأعراق المختلفة من التمييز وعدم التهديد بالنبذ والترحيل ومن ثم الدفع بكثير ممن ينتمون لهذه الأعراق إلى الالتحاق الانتهازي بالكتل المحافظة دينيا وسياسيا والتمسح المصطنع بقيم الاستعلاء الأبيض الذي تنامي في الزمن الترامبي. وثالثا: سد الفجوات الاختلالية المختلفة.
ورابعا: الإصلاح السياسي وما يتعلق به من ملفات مثل: تمويل الحملات الانتخابية، شفافية المال السياسي. وفي إحدى التعليقات الصحفية حول ما جرى في الأسبوع الماضي أشارت إحدى الدوريات إلى حركة «لا للملوك» قد استطاعت أن توازن بين الحركة والممارسة السياسية البرلمانية والميدانية التقليدية والشبكية وبين الأفكار. كما استطاعت أن تمتد إلى القاعدة الشعبية وهو ما رصده المراقبون في تظاهرات الأسبوع الماضي إضافة إلى النخبة الفكرية والسياسية. ولا شك أن إعلام «لا للملوك» الورقي والمرئي والرقمي قد استطاع أن يبلور سردية مضادة لسردية اليمين المحافظ السياسي والديني والمالي التي تعمل على صبغ رموزها بالقداسة مقابل شيطنة اليسار التقدمي الجديد.
لمزيد من مقالات سمير مرقص رابط دائم: