رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

غزة.. تساؤلات المرحلة الصعبة

يدرك الباحثون فى مجال تسوية النزاعات أن اتفاق إنهاء الحرب بين الأطراف المتنازعة خطوة مهمة، لكنها غير كافية. هناك العديد من القضايا الإشكالية اللاحقة التى تؤدى إلى السلام، أو تتسبب فى العودة إلى الصراع. وفى حالة الصراعات المٌركبة، مثل الصراع الفلسطينى الإسرائيلي، يصبح لتلك القضايا أهمية خاصة.

هناك ثلاث مسائل أساسية لتأسيس مرحلة انتقالية فى أعقاب أى نزاع عسكري. الأولى الأمن الداخلي، حتى لا يؤدى فراغ السلطة إلى ظهور جرائم وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ويٌعد استتباب الأمن شرطًا أساسيًا لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإعادة الأعمار، خاصة فى قطاع غزة الذى تلاشت خريطته العمرانية. المسألة الثانية، تدفق المساعدات الإنسانية، الغذائية والخدمات الطبية، ولكن مع تأسيس نظام مٌحكم للمتابعة والمساءلة، على نحو يحول دون نشوء طبقة من المتربحين مثلما حدث فى العراق وأفغانستان فى أعقاب الغزو الأمريكي. أما المسألة الثالثة، فهى تولى القوى المحلية مقاليد الأمور فى مرحلة ما بعد الحرب، وتعمل القوى الدولية المساندة خلف المشهد.

هناك تجارب دولية تشير إلى إخفاق القوات الدولية التى ذهبت إلى مناطق النزاعات فى تحقيق الاستقرار والتنمية مثل الصومال وتيمور الشرقية وغيرهما، فضلا عن ارتفاع تكلفتها المادية، فى حين نجحت تجارب أخرى قامت على تحالف دولى محلي، مثل التحالف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة منذ عام 2014 ضد تنظيم داعش.

فى ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترامب للسلام، تواجه تلك القضايا صعوبات عديدة. فقد وافق الرئيس ترامب على سيطرة حركة حماس أمنيًا على قطاع غزة لفترة «مؤقتة» حسب تعبيره، لحفظ الأمن، ومنع حدوث فوضي، وهو بذلك أعلن دفن هدف أساسى حاربت إسرائيل من أجله لمدة عامين، وهو القضاء على حماس، بعد أن تمكنت فى النهاية من تحقيق هدفها الثانى وهو تحرير الرهائن. لم تنته حماس، بل كانت طرفا مباشرا فى اتفاق إنهاء الحرب، وهناك تقديرات غربية بأن عدد القتلى فى صفوفها لا يزيد على عشرة آلاف شخص، بينما الغالبية العظمى من الضحايا فى غزة من المدنيين. بالتأكيد لم يعجب إسرائيل، بل وبعض الاتجاهات فى العالم العربي، رؤية حماس تحمل السلاح فى شوارع غزة مرة أخري، بل وتنفذ إعدامات بحق أفراد دون محاكمة.

فى هذا السياق هناك عدة أسئلة متداخلة: هل سوف تقبل حماس نزع سلاحها فى هذه المرحلة؟ وهل بالفعل لن يكون لها دور فى قطاع غزة؟ وهل سوف تستطيع الشخصيات التكنوقراط الفلسطينيين -حسب تصور ترامب- إدارة المرحلة الانتقالية؟ ومن يحفظ الأمن؟ هل قوات دولية، أم تابعة للسلطة الفلسطينية، التى يٌنظر إليها على أنها «حل» فى نهاية المسار، وهل يستطيع الحوار الفلسطيني- الفلسطينى تحقيق التوافق أم يظل الانقسام ساريًا؟ وهل يرى الرئيس دونالد ترامب- بمنطق الصفقات السياسية- أنه قد يحتاج إلى حركة حماس فى المرحلة المقبلة، مثلما قبل أحمد الشرع أو محمد الجولانى فى سوريا، لاسيما فى ظل وجود قطر وتركيا فى المشهد التفاوضي، وكلاهما لهما دور أساسى فى المشهد السوري؟ وفى كل الأحوال تعلن إسرائيل رفضها لحماس، مثلما ترفض السلطة الفلسطينية، بل تصر على رفض مبدأ الدولة الفلسطينية من الأساس، وتعلن حماس فى المقابل أن سلاحها هو سلاح المقاومة، وهى لا تزال على مبادئها، بالطبع لا أحد يعرف فى أى اتجاه سوف تمضى المرحلة الثانية من الاتفاق، هل إلى حل أم تعثر؟ ويظل القرار الأهم هو بيد الفلسطينيين أنفسهم فى إيجاد صيغة استيعابية توافقية بين السلطة والفصائل والقوى السياسية، والاتجاه إلى تأسيس إدارة ديمقراطية، لا تقصى أحدًا، خاصة فى ظل ترتيبات ما بعد المرحلة الانتقالية، بحيث تبنى المؤسسات، وترسى حكم القانون، وتطلق مشروعات التنمية، هذا هو السبيل لإعادة بناء المجتمعات الممزقة، من خلال نهج ديمقراطى تشاركي، وقد دفع الفلسطينيون ثمنًا باهظا للانقسام فى صفوفهم، فى صورة إضعاف السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية من ناحية، وتدمير غزة من ناحية أخري.

ولا أحد ينكر أن مصر بذلت دورًا كبيرًا لنحو عامين لإنهاء الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، ومنع تهجير الفلسطينيين، والإبقاء على الارتباط بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والوقوف فى وجه تصفية القضية الفلسطينية، وتنتظرها أدوار أخري، لا تقل أهمية تتعلق بالحوار الفلسطيني- الفلسطيني، ودعم إدارة قطاع غزة، ومشروع الدولة الفلسطينية، وهى قضايا شديدة التعقيد، ولكن رغم مآسى الحرب على غزة، هناك حالة زخم دولى ينبغى اغتنامها فى ظل رئيس أمريكى يريد أن يذكره التاريخ بأنه «صانع سلام»، وأثبت أنه يستطيع أن يمارس ضغطًا على إسرائيل إذا أراد.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: