رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اليسار الأمريكى التقدمى الجديد

لعب اليسار الفكرى والنقابي/التنظيمى والمدني، أو ما أطلقنا عليه اليسار الأمريكى التاريخى فى مقال الأسبوع الماضي، دورا كبيرا فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية مدافعا عن حقوق العمال من خلال الحركة النقابية والعمالية، ومناوئا للتمييز بواسطة تنظيمات الحركة المدنية، ومساهما بمساهمات إبداعية معتبرة تجسدت عبر العديد من الإبداعات الفكرية والأدبية والفنية، وضاغطا وداعما من أجل تبنى سياسات تراعى البعد الاجتماعى مثل سياسات الصفقة الكينزية الروزفلتية والمجتمع الكبير الجونسونية، ورافضا للحروب الأمريكية خاصة الحرب الفيتنامية الكارثية واللاإنسانية التى يخطط لها وينفذها المجمع العسكرى الصناعي، إلا أن الزخم اليسارى الأمريكى الذى وصل ذروته فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى قد تعرض إلى حصار سياسى وإعلامى صارم مارسه دعاة الليبرالية الجديدة السوقية منذ زمن ريجان فى مطلع الثمانينيات ما أضعف الدينامية اليسارية التاريخية على مدى أكثر من عقدين من الزمان.

ولأن الوعود التى وعدت بتحقيقها تلك السياسات النيوليبرالية: وعود تساقط الثمار، لم تتحقق ــ قط ــ إضافة إلى عشرات الأزمات الاقتصادية/المالية التى تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم بالتبعية ــ والتى بلغت ذروة فى 2008 غير مسبوقة فى تاريخ النظام الرأسمالى تجاوزت فى آثارها أزمة الكساد الكبير التى حدثت فى ثلاثينيات القرن الماضى فإن استنفارا انطلق فى أوساط الطبقة الشبابية. ساهم فى هذه الانطلاقة خطاب أوباما الانتخابى الذى وصف بالراديكالية المرنة، حسب الأدبيات، حيث اتسم: أولا: استعادة مفردات خطاب الحركة المدنية فى ستينيات القرن الماضي، وثانيا: الدعوة لإحياء الوطنية الأمريكية الموحدة للأمريكيين لعبور الانقسامات المختلفة transcending division، وثالثا: اهتمامه بالمهمشين، ورابعا: إدراكه بضرورة إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى الأمريكية. إذ أطلق شعار قوة الطبقة الوسطى تساوى قوة أمريكا A Strong middle class equals a strong America؛ما شجع المُستنفَرين على تنظيم أنفسهم من خلال الاتحادات والروابط والنقابات التى تم تحجيمها فى ظل الليبرالية الجديدة. ومن ثم لا «تهرب من مواجهة الواقع بالتدين المفرط»، بحسب أوباما، قاصدا بوضوح حركات اليمين المحافظ الديني.

فى هذا السياق، ظهر جيل أمريكى شاب يرفض للسياسات التى أودت بأمريكيا إلى أزمات متعاقبة سببت اختلالات عميقة فى البُني: الاقتصادية والطبقية والإثنية والسياسية، وجددت إنتاج الخطاب الأبيض الأنجلو سكسونى البروتستانتى المحافظ الاستعلائي/الإقصائي. ما تمخض عنه تشكل حركة يسارية أمريكية جديدة تختلف عن يسار الستينيات/السبعينيات بأن قاعدتها الاجتماعية لم تعد عمالية نقابية تقليدية، أو تنحصر فى مجموعات بعينها، بل شبابية حضرية نالت قسطا من التعليم وتحظى بثقافة رقمية بدرجة أو أخري. لذا بات الباحثون يميزون يسار الألفية الجديدة عن يسار عقدى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين فى الولايات المتحدة الأمريكية، فأطلقوا عليه: اليسار التقدمى الجديد New Progressive Left؛ ويمكن تصنيف اليسار الأمريكى التقدمى الجديد فى ثلاثة اتجاهات وتجليات مختلفة: الأول: شخصيات فكرية وسياسية واقتصادية جددت الدينامية اليسارية عبر النقاشات الفكرية والسياسية والاقتصادية، والثاني: اليسار التنظيمى المؤسسى البرلمانى والمدني، والثالث: اليسار الشبابى الشبكي.

أولا: الشخصيات اليسارية؛ فإن السيناتور الأمريكى «بيرنى ساندرز» (85 عاما) الذى دأب على مدى العقد الأخير على دق ناقوس الخطر إلى ما آل إليه المجتمع الأمريكى من انقسام طبقى وإثنى وجيلي. وقد بلور أفكارا ألهمت كثير من الشباب داخل الحزب الديمقراطى وخارجه ودفعتهم إلى الانخراط ــ سواء داخل الحزب أو خارجه - فى تنظيم أنفسهم من أجل مواجهة هذا الانقسام المركب أو ما توافقوا على وصفه: باللامساواة والانحدار الكبير؛ وقد عبر عن هذه الرؤية كتاب «ساندرز» الذى كان الأكثر مبيعا فى عام 2017 المعنون: «ثورتنا: مستقبل نعتقد ونثق فيه» (500 صفحة ــ 2017).

وهناك أيضا المفكر والناشط السياسى والأكاديمى الأمريكى «كورنيل ويست» (72 عاما، زميل المؤرخ الكبير هوارد زن) الذى أصدر مؤلفا غاية فى الأهمية عام 2012 عنوانه: الأثرياء وبقية الناس/نحن: مانيفستو الفقر؛ واقتصاديون من حائزى نوبل مثل ستيجليتز، وأخرى برلمانية مثل براميلا جايابال وغيرها (جمال بومان، ورو خوانا وألكسانريا كورتيز،...).

ثانيا: اليسار المؤسسى البرلمانى والمدنى والأكاديمى الطلابي؛فنشير إلى التجمع التقدمى بالكونجرس، حركة احتلوا وول ستريت، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وحركة 50501، وحركة جولة مواجهة الأوليجاركية Fighting Oligarchy Tour،

ثالثا: اليسار الشبكي؛ ويقصد به الأعداد المتزايدة من الشباب الذين ينتمون إلى جيل الألفية وجيل «زد» الذين اعتمدوا ما بات يُعرف فى الأدبيات بالتنظيم الشبكى للتعبير السياسى والمدنى بدلا من الهياكل الهرمية التاريخية للأحزاب والنقابات ما يسر لهم الوصول بأفكارهم إلى الكثير من الدوائر السياسية والأكاديمية والمدنية والتجمعات الإثنية والجماعات المطالبية والاحتجاجية المتنوعة.

ولعل حركة «موحدون»(غير منقسمين) Indivisible؛ التى نوهت عنها دورية الجارديان فى مايو الماضي، تبلور دينامية اليسار الجديد فى أدق وأشمل تجل من حيث: الأفكار، واستراتيجيات وآليات الحركة، والتركيبة الاجتماعية والجيلية، والمطالب ذات الطبيعة المتنوعة والمتشابكة والمتجددة. نعم انطلقت الحركة للحد من التعديات الترامبية تحت عنوان: لا ملوك No kings؛ إلا أنها فى واقع الأمر تمثل معارضة لحكم الأوليجاركية (القلة) الأمريكية وسياساتها التى أحدثت اختلالات عميقة فى بنية المجتمع الأمريكى ما جدد الحديث حول العدالة بمعناها الواسع متعدد الأبعاد. (لمزيد من التفاصيل حول خريطة التيارات الفكرية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية عامة واليسارية خاصة يمكن الرجوع إلى كتابنا الإمبراطورية الأمريكية: ثلاثية الثروة والدين والقوة: من التوسع والتفرد إلى اختلال التموضع والتعدد ــ دار العين).

الخلاصة، اليسار الأمريكى التقدمى الجديد فى الولايات المتحدة ليس مجرد استعادة لشعارات قديمة، بل هو مشروع سياسى واجتماعى متجدد، يربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، بين العدالة والهوية، بين البيئة والمستقبل. إنها تتحدّث إلى الفئات التى شعرت بأن النظام القائم لا يخدمها، إلى أولئك الذين يتطلّعون إلى رؤية بلد يُولِى حقوق الإنسان والكرامة والفرص أولوية، وليس أرباح الشركات والنخبة.

قوام هذا اليسار شباب الطبقة الوسطى الرقمية و»أجندة» تتجاوز الخطاب السياسى المنتهى الصلاحية حسب اليسار الجديد ــ للحزبين الجمهورى والديمقراطى الذى يصب فى مصالح الكرتلات الضخمة والقلة. ولا شك أن هذا المشروع اليسارى سوف يواجه بمقاومة صلبة وكثير من التحديات فى قادم الأيام.


لمزيد من مقالات سمير مرقص

رابط دائم: