يشهد الداخل الأمريكى لحظة استقطابية حادة هى الأبرز ــ ولا شك ــ منذ الحرب العالمية الأولي. بدأت إرهاصات حالة الاستقطاب الحاد الراهنة مع الفترة الرئاسية الترامبية الأولى التى تجلت من خلال سلوك رئاسى أطلق العنان لما سميناه جماعات الكراهية والعنف البيضاء ذات النزعة الاستعلائية والإقصائية لكل ما هو غير أبيض ولا ينتمى للإثنية الأنجلوسكسونية البروتستانتية ما أفسح المجال للكشف، عما رصدناه فى مقالات مبكرة، عن حالة التصدع والصراع والانقسام والصدام الداخلى فى الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما تجلى واضحا فى واقعتي:مسيرة القوميين البيض والفاشيين والنازيين الجدد «شارلوتسفيل بولاية فرجينيا ــ 2017»، ومقتل «جورج فلويد ـ 2020».
فلقد أكدت الواقعتان، وغيرهما، مدى الأزمة المركبة التى يعانيها المجتمع الأمريكي، حيث يتقاطع فيها الإثنى مع الجيلى مع الطبقي. تلك الأزمة توارت بعض الشيء ــ دون أن تتوقف ــ مع إدارة بايدن إلا أنها تجددت مرة أخرى مع موجة العنف التى شهدتها الكثير من الولايات الأمريكية خلال السنة الأولى من الزمن الترامبى الثانى وبلغت الذروة باغتيال الناشط اليمينى «تشارلى كيرك» مطلع سبتمبر الماضي. وهى الواقعة التى تصدى لها ترامب بشكل شخصي، منددا باليسار الأمريكى الذى وصفه بالمتطرف، محملا إياه مسئولية اغتيال «كيرك».
والأخطر إعلانه اعتبار «أنتيفا» (Anti-Fascist)؛ منظمة إرهابية. بالرغم من أنها ليست منظمة، بل حركة معارضة للفاشية والنازية وسياسات الليبرالية الجديدة، تضم تنويعات أيديولوجية تقدمية عدة. وبالتبعية عمل، بدأب، الإعلام اليمينى المحافظ على الهجوم على الديناميات اليسارية السياسية والجامعية والمدنية وشيطنتها وتشويهها، إضافة إلى إنكار دورها التاريخى النضالى فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. ورسم خريطة فكرية وسياسية تخلو عمدا من اليسار. مما دفع إلى فتح نقاش وإصدار أبحاث تعمل على فهم ودراسة مسيرة اليسار الأمريكى فى مائتى سنة، أخذا فى الاعتبار أن اليسار الأمريكى فى العموم ــ يختلف عن اليسار الأوروبى من حيث سياق النشأة وبالتالى «المانيفستو» (البرنامج) المُتبني. وفى السطور التالية، وعلى مدى مقالين سنلقى الضوء على جذور اليسار الأمريكى ومساره التاريخى وصولا إلى اليسار التقدمى الراهن.
عرفت أمريكا الأفكار اليسارية على يد الصحفى الألمانى «جوزيف ويدماير» (1818 ــ 1866) مؤلف كتاب «الثورة» الذى كان له الفضل مع مدرس موسيقى المانى آخر ــ هو «أدولف فريدريك سورج» (1828 ــ 1906) و«يوجين ديبس» (1855 ــ 1926)، مؤسس الحزب الاشتراكي، مع آخرين، على إيلاء أوضاع العبيد والعمال عناية وحماية فى أمريكا من جهة ومحاولة فهم وتحليل الأسباب إلى سوء أوضاعهما من جهة أخري. وبنهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تأسست أحزاب اشتراكية متنوعة واتحادات ونقابات عمالية ومهنية متعددة حظيت ببعض الانتشار والحيوية، خاصة مع الأزمة الاقتصادية الأكثر إيلاما فى القرن العشرين المعروفة باسم «الكساد الكبير»؛ وهى الفترة التى عُرفت بالعصر الذهبى لليسار الأمريكي(عشرات التنظيمات: الحزبية والنقابية، إضافة لـ300 إصدار يساري).. وكان نجم هذا العصر هو السياسى «نورمان توماس» (1884 ــ 1968) الذى قاد الحزب الاشتراكى بعد أن جدده واستطاع أن يضم إلى قواعده حشودا معتبرة عمالية وطلابية، إضافة إلى مثقفين من نوعية: «جون ديوي» وبول دوجلاس»...كما ترشح للرئاسة فى 1928...إلا أن مصالح المجمع الصناعى العسكرى من خلال الحملة العدائية التى عُرفت «بالمكارثية»؛ نسبة إلى النائب الجمهورى فى مجلس الشيوخ الأمريكي»جوزيف مكارثي»(1908 ـ 1957)، تلك الحملة التى استمرت لمدة 10 سنوات من 1947 إلى 1957، تم استهداف المعارضين من سياسيين ومثقفين وأدباء وفنانين بحجة أنهم يساريون.
ومن رحم الخمسينيات ولد عقد الستينيات الذى يمثل نقلة نوعية ليس فى تاريخ أمريكا فحسب وإنما فى تاريخ العالم، إنه عقد الحلم الكبير. إذ حمل زخما وإثارة غير مسبوقة فى تاريخ البشرية فى كثير من أنحاء العالم، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية غائبة عن الحلم، حلم التحرر عن كل ما يقيد الإنسانية ويفرض عليها التبعية العمياء قسرا. ومن ثم انطلقت حركة الحقوق المدنية الأمريكية بتجلياتها المختلفة تتمرد علي: أولا: العنصرية؛ وثانيا: اللاشفافية من قبل مؤسسات الحكم والتى تجلت فى محاولات الإدارات الأمريكية المتعاقبة فى إخفاء الحقائق عن المواطنين الأمريكيين، خاصة فيما يتعلق بالحرب الفيتنامية وما سببته من كوارث لا إنسانية؛ وثالثا: المكارثية التى ضيقت على الإبداع وحق طرح الأسئلة؛...فالجيل الجديد الذى ولد أثناء الحرب العالمية الثانية أو ما عُرف بجيل «الهيب هوب» قد أصبح بنهاية الخمسينيات وعلى مدى عقدى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى رافضا للتنميط الذى حاولته الأنظمة التربوية والإعلامية والثقافية فى ظل الحرب الباردة... فانفتح على العالم وتنسم رياح التجديد التى لحقت بالعالم جراء التقدم العلمي، والتجديد فى الحقول الإبداعية: الموسيقية والأدبية والمرئية...
فى هذا السياق، بلغ اليسار التاريخى ذروة من خلال الانخراط فى الحركة المدنية المناوئة للتمييز، والرافضة للتورط فى الحروب اللاإنسانية للمجمع الصناعى العسكري، وغيرهما من حركات.
إلا أن عقد الثمانينيات حل وحلت معه السياسات النيوليبرالية التى حاصرت اليسار الأمريكى بوعودها الإعلامية والمؤسسية المالية حول تساقط الثمار. تلك الثمار التى لم تسقط قط. على العكس توالت الأزمات المالية/الاقتصادية منذ منتصف التسعينيات حتى وصلت إلى أقصى مدى فى أزمة 2008 ما أنتج تداعيات كارثية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، أصابت جوهر العقد الاجتماعى التاريخى للولايات المتحدة الأمريكية الذى تبلور حول حلم الرخاء الأمريكى للجميع فى الصميم.
ما استنفر شباب الطبقة الوسطى الأمريكية فانطلق جانبا منه فى الانخراط بما بات يعرف فى الأدبيات باليسار التقدمى الجديد الذى كانت له تجليات ثلاثة، نعرضها فى مقال الأسبوع المقبل، كما نعرض لأهم التحولات التى طرأت على اليسار الأمريكى التاريخى للاستجابة لتحديات الألفية الجديدة، ومن ثم بلورت ملامح اليسار التقدمى الجديد كذلك أهم تشكيلاته، ورموزه، وكتاباته، وبرامجه، واستراتيجياته الحركية، ونجاحاته وإخفاقاته، كذلك ما يواجهه من تحديات.
لمزيد من مقالات سمير مرقص رابط دائم: