تمثل العلاقات المصرية السعودية نموذجاً فريداً من العلاقات العربية الثنائية التي تجاوزت الطابع البروتوكولي، لتتحول إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تستند إلى التاريخ المشترك، والمصالح المتبادلة، والرؤية الموحدة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. فهذه العلاقة، بتراكماتها السياسية والاقتصادية والثقافية، أثبتت على مدار العقود الماضية، وفي محطات دقيقة من تاريخ الأمة العربية، أنها صمام الأمان في لحظات التحول، وأنها الرافعة الأساسية لأي مشروع يسعى إلى إرساء الاستقرار وتحقيق التوازن في منطقة الشرق الأوسط، التي لا تزال تعاني من اضطرابات مزمنة وأزمات مركبة.
والحقيقة، تتسم هذه العلاقات بتاريخ من التفاهم والتكامل، فلم تكن العلاقات بين القاهرة والرياض يوماً علاقات عابرة أو مؤقتة، بل تأسست على أرضية صلبة من التفاهم السياسي والديني والثقافي، ثم تطورت لاحقاً إلى تعاون اقتصادي واستراتيجي وثيق، لا سيما في فترات الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة. في مفاصل عديدة من تاريخ الأمة العربية، كانت السعودية ومصر في خندق واحد، تدافعان عن القضايا العادلة، وتحملان لواء الدفاع عن الأمن القومي العربي، في وجه محاولات الإخلال بأمن المنطقة ووحدتها. وقد بدا ذلك جلياً في مواقف موحدة تجاه القضايا المحورية، مثل القضية الفلسطينية، والأزمة السورية، والصراع في اليمن، ومجابهة الإرهاب العابر للحدود الذي يهدد الأمن والاستقرار الداخلي للدول.
أرى أن هذا الإرث المشترك لم يأتِ من فراغ، بل تأسس على روابط راسخة من الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة، التي تعززت عبر العقود. وفي السياق الراهن، ومع تصاعد التحديات التي تهدد استقرار المنطقة، وعلى رأسها التدخلات الإقليمية والدولية في الشئون الداخلية للدول، وتصاعد الأزمات السياسية والأمنية في دول عربية عدة، بدا واضحاً أن هناك حاجة ملحة إلى صيغة من التنسيق العربي ترتقي إلى مستوى هذه المخاطر. وفي هذا الإطار، برزت العلاقات المصرية السعودية كأحد الأعمدة الأساسية لهذه الصيغة، ليس فقط لثقل الدولتين الإقليمي والدولي، بل أيضاً لما تمتلكانه من قدرة على التأثير والتوجيه في المشهد العربي.
كلا البلدين يدرك أن استقرار المنطقة مرهون أولاً باستقرارهما الداخلي، وأن الحفاظ على أمن الخليج العربي لا ينفصل عن الأمن القومي المصري، والعكس صحيح. كما أن التفكك العربي لا يخدم إلا أجندات خارجية تستهدف إضعاف الدول الوطنية، وإعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات لا تخدم شعوبها، بل تفتح الباب أمام مزيد من التبعية والانقسام. وقد كان لهذا الإدراك أثره المباشر في دفع القيادتين المصرية والسعودية نحو تعميق التنسيق في الملفات الإقليمية الحساسة، وتوسيع نطاق الشراكة لتشمل المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والثقافية. هذا التنسيق لا يتم بشكل موسمي أو رداً على طارئ، بل أصبح توجهاً استراتيجياً مستداماً، تدعمه آليات مؤسسية وتفاهمات متراكمة.
وتتقاطع الرؤية السياسية لكل من القاهرة والرياض في أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دعم الدولة الوطنية، ورفض سياسات التدخل الخارجي، وتعزيز مفهوم السيادة، ومجابهة التنظيمات المتطرفة التي تسعى إلى تقويض مؤسسات الدولة ونشر الفوضى. هذه الرؤية لم تعد مجرد شعارات نظرية، بل تمت ترجمتها إلى سياسات عملية، ومواقف منسقة، وتحالفات إقليمية واضحة، تُؤكدها تحركات الدولتين في المحافل الدولية، والبيانات المشتركة، ومشاريع العمل العربي الجماعي.
وفي ظل الأزمات التي تتعرض لها دول عربية مثل ليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن، كان الموقف المصري السعودي حاسماً في الدعوة إلى حلول سياسية عادلة تحترم وحدة الدول، وتمنع تقسيمها أو تحويلها إلى ساحات نفوذ لقوى إقليمية طامحة في بسط سيطرتها على حساب الشعوب.
وقد نجحت الدولتان في تأسيس شراكة لا تعرف التراجع على الجانب الاقتصادي، حيث تحتل السعودية موقعاً متقدماً في قائمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، فيما تمثل مصر وجهة رئيسية للعمالة والخبرات المصرية في الخليج. وقد شهدت السنوات الأخيرة قفزات نوعية في حجم التبادل التجاري، وتوقيع اتفاقيات استثمارية استراتيجية في قطاعات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، بما يعكس ثقة متبادلة في مناخ الأعمال، ووعياً بأهمية التكامل الاقتصادي كرافعة للاستقرار السياسي. بل إن هذا التعاون لا يتوقف عند البنية التحتية أو الاستثمارات، بل يمتد إلى مجالات تنموية تتعلق برؤية السعودية 2030، وخطط التنمية الشاملة في مصر، حيث يمكن للتكامل بين الاقتصادين أن يقدم نموذجاً عربياً ناجحاً لتحقيق التنمية المستدامة، بعيداً عن الاعتماد على الخارج.
ولا تقف العلاقات المصرية السعودية عند حدود التنسيق الظرفي أو المرحلي، بل تسير نحو بناء أفق استراتيجي مشترك يستند إلى قناعة راسخة بأن زمن العمل الفردي قد انتهى، وأن التحديات المشتركة تتطلب توحيد الجهود وتنسيق السياسات. وقد انعكس هذا التوجه في التنسيق الوثيق داخل المحافل الدولية، وفي دعم المبادرات العربية المشتركة، وتعزيز آليات العمل العربي الجماعي، سواء عبر جامعة الدول العربية أو من خلال المنتديات الثنائية والإقليمية، مثل مجلس التنسيق السعودي المصري، الذي يُعد منصة فعالة لترجمة الرؤى السياسية إلى مشاريع عملية ملموسة.
وفي ظل واقع عربي مأزوم، ومستقبل إقليمي محفوف بالمخاطر، تبرز العلاقات المصرية السعودية كضرورة استراتيجية لا غنى عنها. فالمجهول القادم، المتمثل في استمرار الأزمات، وتصاعد الاستقطاب الدولي، وتراجع النظام العربي، يفرض على قوى المنطقة أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتحصن نفسها بتحالفات صلبة، قادرة على استيعاب التحولات المتسارعة ومجابهة التحديات المتراكمة.
ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه أن متانة العلاقة المصرية السعودية لم تعد خياراً دبلوماسياً، بل ضرورة وجودية، تمليها حقائق الواقع، وتؤكدها دروس الماضي، وترسم ملامح المستقبل.
لمزيد من مقالات د. سماء سليمان رابط دائم: