رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

بلاد «كوش» حضارة مضيئة وقلوب بيضاء

سهير عبدالحميد

بلاد النوبة.. بلاد كوش الجد الأعلى للنوبيين وهو ابن حام بن نوح عليه السلام ، بلاد «تاستي» أى حامل الأقواس أو «نب» بمعنى الذهب كما كانت تعرف فى الحضارة المصرية القديمة ....حدوتة حلوة حلاوة التمر الذى يكسو أرضها ، ناصعة نصاعة الذهب فى مناجمها بمنطقة العلاقى ، مشرقة بإشراقة الضى فى سمائها .

هنا تاريخ صنعته الجغرافيا وصاغه البشر ووهبه النيل ؛ تاريخ بدأ فى عصر ما قبل التاريخ وحضارة تشكلت وبحلول عام 2900 ق.م أصبحت النوبة السفلى جزءا من المملكة المصرية وبها بنوا معابدهم وعبدت آلهتهم وشيدت قلاعهم وكانت ملجأ المسيحيين الأوائل هربا من اضطهاد الرومان ثم صارت قلعة من قلاع الإسلام ؛ فكان عبد الله بن وهب أول من جمع الأحاديث الشريفة فى مصر ، وكان الفقيه النوبى يزيد بن أبى حبيب ممن اختارهم الخليفة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين ليكون للإفتاء ، ومن رحمها خرج ذو النون المصرى واضع بذرة التصوف فى مصر .




وظلت النوبة على مر التاريخ شأنها شأن كل بقعة فى مصر شمالا وجنوبا شرقا وغربا ذات خصوصية ثقافية وحضارية تصب فى ذلك التنوع الذى تميز به المكون الثقافى المصرى . وطالما كانت وجهة المستكشفين والرحالة ومنهم علماء الحملة الفرنسية والسويسرى بوخارت الذى وضع مشاهداته بها فى كتاب مهم نشر فى لندن 1819 .

وعبر التاريخ كانت النوبة وستظل عروس النيل صبية عمرها آلاف الأعوام تلمح فتنتها فى ألحان أحمد منيب وتشعر بأصالتها فى صوت محمد منير ، وتعجب بسمار بشرتها فى صورة «بكار» الشخصية الكارتونية التى جاءت من وحى التراب المصرى .

وشاءت الأقدار للنوبة أن تكون جزءا من حكاية النصر العظيم نصر أكتوبر وهى حكاية سطر تفاصيلها البطل أحمد إدريس صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية كلغة إشارة فى حرب أكتوبر .هو من مواليد عام 1937 وبدأ تعليمه الابتدائى فى إحدى المدارس الأزهرية بمركز إسنا فى الصعيد واستكمله فى القاهرة 1952 وتطوع فى القوات المسلحة 1954 وشارك فى كل الحروب التى خاضتها مصر من 1956 وحتى أكتوبر . وعاش حياته فى الإسكندرية وعمل بصناعة الأشغال اليدوية النوبية. عاش محتفظا بالسر حسب الأوامر إلى أن كرمه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى عام 2017 ومنحه وسام النجمة العسكرية . بدأت القصة وأحمد إدريس مجند فى حرس الحدود وحين سمع باكتشاف إسرائيل لأسرار الشفرات التى يستخدمها جنودنا، طرح على قادته فكرة استخدام اللغة النوبية كشفرة بين الوحدات، لينقل القادة على الفور الفكرة إلى القادة الأعلى منهم رتبة حتى وصل الأمر إلى الرئيس السادات الذى طلب رؤية إدريس .




وتم على الفور تلبية طلب الرئيس، وظل إدريس ينتظر فى مكتب الرئيس نحو الساعة حتى جاء السادات وطمأنه وسأله عن تفاصيل فكرته، فقال له إن اللغة النوبية غير موثقة أبجديا وأنها تتكون من لهجتين تختلف المفردات بينهما ..ولذا فإن إسرائيل لن تكتشفها وبإمكان القيادة جمع كل المجندين النوبيين فى الجيش وتدريبهم على استخدام أجهزة اللاسلكى لتكون مهمتهم نقل الأوامر واستقبالها بالنوبية .وقرر السادات تطبيق الفكرة و جمع نحو 350 مجندا من الجيش وتم الاتفاق على بعض المصطلحات ومنها :

الدبابة «أولوم» أى تمساح ، العربية المجنزرة «اسلانغى» أى ثعبان، الطائرة كوراتى أى طائر، الضفادع البشرية «أمانكوركى» ، تم تزويد القوة المصرية النوبية المسئولة عن عملية الإرسال باللغة النوبية بـ 20 محطة لاسلكية أطلقوا عليها اسم «أوندى « أى ذكر بالنوبية وتم تعريفها أوندى 1 وأوندى 2 فى يوم 6 أكتوبر تسلم القادة خطابا مغلقا كتب عليه أن يفتح الثانية إلا عشر دقائق فلما فعلوا وجدوا كلمتى «أوشريا» أى اضرب و«ساع» أى الساعة الثانية، وهكذا كانت اللغة النوبية أحد أسرار النصر العظيم فى أكتوبر المجيد .

ومثلما يستعيد أهالى النوبة قصة إدريس بالفخر، فإنهم يستعيدون من الماضى قصة أخرى مصحوبة بالدموع ثم الابتسامات، وذلك حين يتذكرون سيرة امرأة كانت صاحبة الفضل الأول فى إنقاذ معابدهم من الغرق أسفل مياه السد العالى ..إنها عالمة المصريات الفرنسية كريستيان ديروش نوبلكور التى جسد لها غرق آثار النوبة أرقا ؛ فقد تعرضت تلك الآثار للغرق ثلاث مرات المرة الأولى عند بناء خزان أسوان عام 1902 وما تبعه من ارتفاع منسوب المياه بشكل هدد الآثار ، والثانية عام 1912 والثالثة عام 1932 وعندما تقرر بناء السد العالى فى الخمسينيات كان واضحا أن معابد النوبة ستواجه ارتفاع منسوب المياه بشكل دائم ولم يكن مقدرا لمعبدى أبو سمبل وهما أكثر معابد المنطقة ارتفاعا أن يفلتا من هذا المصير مما يعنى أن النوبة وتاريخ كامل سيدفن فى أعماق النيل .




التقت كريستيان بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر وأعربت عن قلقها تجاه مصير 32 من المعابد القديمة التى قد تتأثر فى جنوب النوبة بسبب مشروع السد العالى وقالت له «دعنى أتعامل مع هذا الأمر وأنا سوف أذهب لليونسكو وأتحدث معهم نيابة عنك .وأضافت : إنه وثق فى وسمح لى أن أفعل ذلك ..كان ذكيا»

ونجحت الحملة فى إنقاذ 22 أثرا ومعلما من آثار النوبة منها معابد فيلة ورمسيس الثاني. وكان دور نوبلكور حاسما فقد شاركت فى عمليتى التسجيل والتوثيق بل إنها أجبرت شارل ديجول على المشاركة فى تلك الحملة رغم القطيعة السياسية بين الحكومتين المصرية والفرنسية عقب العدوان الثلاثى على مصر 1956 .وهكذا ظلت معابد النوبة تبهر الناظرين .

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق