رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

توافق الإرادات لتفعيل العمل العربى المشترك

مثل العمل العربى المشترك ركيزة أساسية فى الخطاب السياسى العربى منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، لكن تفعيله ظل رهينة لتوازنات دقيقة ومعقدة بين إرادات سياسية متفاوتة، تتأثر بعوامل داخلية وخارجية. وبين محطات التوافق ومظاهر التباين، تتشكل ملامح العلاقات البينية فى الإقليم.

ونحن كعرب مطالبون أن نحول هذا التباين أو التوافق إلى رافعة حقيقية لتفعيل العمل العربى المشترك.

مفهوم الإرادة السياسية تُعرّف فى السياق العربى بأنها الرغبة والقدرة الفعلية لصنّاع القرار على اتخاذ خطوات مدروسة نحو أهداف محددة، دون أن تعيقها الحسابات الضيقة أو الضغوط الدولية.

وفى السياق العربي، تتباين هذه الإرادات من دولة إلى أخرى بحسب تركيبة النظام السياسي، وأولويات الأمن القومي، ومدى الانخراط فى التحالفات الإقليمية والدولية، والاعتبارات الاقتصادية أوالديموغرافية.

ورغم تكرار الأزمات، إلا أن هناك لحظات نادرة تجلّى فيها التوافق السياسى العربي، ويمكن الاستفادة من نماذجها، مثل القضية الفلسطينية التى لا تزال تمثل أحد القواسم المشتركة الكبري، وإن اختلفت مستويات الدعم أو أساليب المقاربة، وكذلك رفض التدخلات الإقليمية (التركية ـ الإيرانية): تمظهر التوافق فى بيانات القمم العربية المتتالية، ولو بدرجات متفاوتة فى الموقف العملي، وأيضا، مكافحة الإرهاب والتطرف، وهو محور أساسى تجتمع عليه الإرادات، مما أتاح تشكيل آليات أمنية عربية مشتركة، بالاضافة إلى قضايا المناخ والطاقة التى أظهرت ملامح تعاون جاد خلال مؤتمرات المناخ، خاصة فى دول الخليج وشمال إفريقيا.

ورغم وجود أرضيات مشتركة، إلا أن التباين السياسى بين الدول العربية يظهر فى عدة ملفات، مثل الأزمات الإقليمية (ليبيا، سوريا، اليمن)، ويأتى الاختلاف فى تقييم أطراف النزاع أو آليات الحل.ثم تأتى درجة التقارب مع القوى الدولية، حيث يوجد هناك تباين واضح فى الاصطفاف الدولي، خاصة بين محور منفتح على الغرب، وآخر يميل إلى موازنته بتحالفات شرقية.

وهناك تباين آخر فى التحالفات الاقتصادية والعسكرية، مثل مجلس التعاون الخليجي، الذى بقى محصورًا فى نطاق جغرافى مرتبط بدول الخليج.

ويعود هذا التباين غالبًا إلى غياب تصور مشترك للأمن القومى العربي، واختلاف أولويات التنمية الوطنية، والحساسية المفرطة تجاه مبدأ السيادة.

وهنا، نحن كعرب بدل أن ننظر إلى التباين باعتباره عائقًا، يمكن تحويله إلى مصدر ديناميكية بناءة، وذلك عبر، أولا: تفعيل آليات التنسيق السياسى متعدد السرعات. ثانيا: السماح بتحالفات مرنة داخل الإطار العربى دون فرض رؤى موحّدة قسرًا. ثالثا: تبنّى مفهوم «النواة الصلبة» داخل الجامعة العربية، تقودها الدول المتفقة على ملفات محددة.

رابعا، تأسيس منصات حوار استراتيجى منتظم لتقريب وجهات النظر وتبادل الخبرات فى إدارة الأزمات الإقليمية. خامسا، الاستثمار فى القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل الأمن الغذائي، المياه، التكنولوجيا، التعليم، بحيث تصبح مرتكزًا للتعاون بعيدًا عن السياسة التقليدية. سادسا، تحييد الخلافات عبر الدبلوماسية الوقائية من خلال آليات وساطة عربية داخلية قبل أن تتفاقم الخلافات.

والحقيقة أنّ مستقبل العمل العربى المشترك لا يتوقف على تطابق الإرادات السياسية بقدر ما يعتمد على حسن إدارة التباين، وتفعيل ما هو قائم من توافقات. فالوضع العربى الراهن، رغم تحدياته، يحمل فرصًا غير مسبوقة لإعادة تعريف التضامن العربي، وجعله أكثر مرونة، وواقعية، وتفاعلًا مع معطيات القرن الحادى والعشرين.

وبالتالى لن ينهض العمل العربى بشعارات الوحدة فقط، بل بإرادات مسئولة قادرة على تحويل التنوع إلى تعاون، والخلاف إلى حوار.


لمزيد من مقالات د. سماء سليمان

رابط دائم: