رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

ترامب «يغير مساره» وينقلب على بوتين

رسالة موسكو - د. سامى عمارة
ترامب - بوتين

عاد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى توقعاته الزمنية التى كان بدأها بالإعلان عن قدرته على حل الأزمة الأوكرانية فى غضون 24 ساعة، وهو ما أعقبه بتحديد خمسين يوما للحل، سرعان ما استبدلها بمهلة الأيام العشرة، وحتى قمة ألاسكا التى «انتهت إلى ما انتهت إليه » . ها هو يعلن مؤخرا فى مؤتمر صحفى مشترك مع الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، أنه سيكون قادرا على الإجابة على السؤال حول ثقته فى بوتين خلال شهر، بعد أن سخر من قدرات روسيا وقواتها المسلحة، التى وصفها بأنها «نمر من ورق»!ش

وكان ترامب قد أعلن مؤخرا عدداً من التصريحات «النارية» التى هدد فيها بوتين «بالويل والثبور وعظائم الأمور»، داعيا ضيفه الأوكرانى إلى الاستمرار فى القتال، وقدرته على استعادة كل «أراضيه»، وأنه كان يعتقد سابقًا أن «حل النزاع فى أوكرانيا سهل بفضل علاقته ببوتين». وردا على سؤال حول ما إذا كان لايزال يثق بالرئيس بوتين، قال «انه سيكون قادرا على الإجابة عن هذا السؤال بعد شهر تقريبا».

ولَكَم كان من الغريب أن يواصل ترامب «مزاعمه» حول أنه أوقف عددا من الحروب حول العالم ومع ذلك، قال الرئيس الأمريكى إنه يعتقد أن الصراع فى أوكرانيا سيكون الأسهل حلا بفضل علاقته ببوتين، التى "لطالما كانت جيدة". ومضى ترامب ليقول "كنت أعتقد أن هذه ستكون أسهل الحروب، ولكن وكما تعلمون، فى الحرب لا أحد يعلم ما سيحدث. هناك دائمًا الكثير من المفاجآت، سواء كانت جيدة أو سيئة".

وها هو ترامب يعود مرة أخرى، ليسجل على موقعه وفى تغيير مفاجئ على منصة "تروث سوشيال" وصفه لروسيا وهى الدولة النووية العظمى، بأنها "نمر من ورق" وأنها "تخوض حربًا عبثية منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، حربًا يمكن أن تنتصر فيها قوة عسكرية حقيقية فى أقل من أسبوع". وذلك ما رد عليه بيسكوف بقوله: "إن روسيا ليست نمرًا، بل هى تذكر مقرونة بالدب. ولا وجود للدببة الورقية. إن روسيا دب حقيقى". وأضاف بيسكوف أن التغيير فى خطاب دونالد ترامب "متأثر بالرؤية" التى حددها زيلينسكى خلال لقائهما الأخير. وكان ترامب قد أشار أيضا إلى أن مثل هذه الرؤية، وبعد دراسة الوضع العسكرى والاقتصادى فى أوكرانيا وروسيا وفهمه التام، وملاحظة المشكلات الاقتصادية التى يسببها فى روسيا، فإنه يعتقد أن أوكرانيا، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، وخاصةً حلف شمال الأطلسي، قادرة على القتال وإعادة أوكرانيا بأكملها إلى حالتها الأولى، ومن الممكن تمامًا استعادة الحدود الأصلية التى بدأت منها هذه الحرب".

ولم يكن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميترى ميدفيديف ليركن إلى تجاهل ما صدر عن ترامب من أوصاف تنال من مكانة روسيا وموقعها على خريطة السياسة العالمية، لينبرى بالقول عبر قناته على تيليجرام "إن ترامب "دخل مجددًا إلى واقع بديل" "بعد لقائه بمهرجين من كييف وباريس"، حيث "عاش سلفا ترامب، أوباما وبايدن، حياةً هانئة". واختتم الرئيس الروسى السابق حديثه قائلاً: "لكن ترامب مختلف! لا شك لديّ فى أنه سيعود. إنه يعود دائمًا. الأهم هو تغيير منظورك جذريًا حول مجموعة واسعة من القضايا بشكل متكرر. وسيكون كل شىء على ما يرام. هذا هو جوهر الحكم الناجح عبر وسائل التواصل الاجتماعى".

على أن ذلك كله لم يكن بعيدا عن أذهان المراقبين والمهتمين بتطورات الساحة الدولية، ممن يعيدون إلى الأذهان ما سبق وقاله ترامب فى مختلف المناسبات، ومنه ما قاله حول: "إن أوكرانيا بإمكانها استعادة جميع أراضيها التى احتلتها روسيا بمساعدة حلفائها الأوروبيين"، وهو قول يختلف عما سبق وقاله حول ضرورة "تنازل أوكرانيا عن بعض الأراضى لروسيا كجزء من أى اتفاق سلام"، فضلا عن استبعاده لشبه جزيرة القرم من أى مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا. فيما انتقد الاقتصاد الروسى مشيرا إلى "ضعفه وعجزه عن تحمل أعباء الحرب، على حد قوله.

ولعل ما ردت به روسيا على ما قاله ترامب، جعله يعود فى اليوم التالى ولدى لقائه مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان فى البيت الابيض، ليقول إنه لن يستخدم مرة أخرى تعبير "نمر من ورق" الذى وصف به روسيا. وكما كان متوقعًا، فإن روسيا وبعدما "ردت الصاع صاعين "، التزمت موقفا تبدو فيه وكأنما لا تعير تهديدات ترامب اهتماما، بتأكيداتها حول أنها لن تُغير استراتيجيتها أو تكتيكاتها. وذلك فى الوقت الذى قال مراقبون كُثُر فى روسيا وخارجها "إن بوتين يبدو عازمًا على إخضاع أوكرانيا، ولا يُبدى أى اهتمام بالتفاوض على إنهاء الحرب بشروط غير تلك التى يمليها الكرملين". ومن هنا كانت دعوته إلى اجتماع لمجلس الأمن القومى الروسى بأعضائه الدائمين، أعلن فيه عن اقتراحه بمد فترة معاهدة "ستارت-3"، وبما بدا معه اعتبارها قضية شمولية تربط ما بين "الدبلوماسية النووية، والصراع فى أوكرانيا "، فى الوقت الذى يرى فيه آخرون أن ذلك "محاولة لتحقيق مكاسب دبلوماسية واستراتيجية فى سياق الحرب، وليس بالضرورة خطوة مرتبطة مباشرة بتطورات القتال فى الميدان العسكرى".

 على أن ذلك كله يمكن إغفاله لبعض الوقت، مع ضرورة مراعاة ما سبق وقاله الرئيس بوتين حول احتمالات استخدام الأسلحة النووية فى حال تعرض بلاده للأخطار المباشرة التى يمكن أن تهدد وجود الدولة الروسية، "فلا حاجة لنا بعالم لا يضع فى الاعتبار وجودنا"، على حد ما قاله الرئيس الروسي. وثمة من يقول إن "روسيا تحاول استخدام التهديد النووى كوسيلة لثنى الغرب عن زيادة الدعم العسكرى لأوكرانيا. كما أن تعليق المشاركة فى معاهدة "ستارت-3" يزيد من حالة عدم اليقين ويرفع سقف التصعيد، على أمل أن يدفع ذلك الغرب إلى الضغط على كييف للتفاوض. فضلاً عن أن ذلك يبدو بمثابة رسالة مفادها "لا يمكن عزل قضايا الأمن الأوروبى عن الأمن الاستراتيجى العالمي. إذا استمر دعمكم لأوكرانيا، فسندمر نظام الحد من الأسلحة".

وذلك فى الوقت الذى يقول آخرون: إن مثل هذا القرار وبدلاً من أن يثنى الغرب عن توجهاته، فإنه يعزز إصراره على دعم أوكرانيا. كما أن الاستنتاج السائد فى بروكسل وواشنطن، هو أن بوتين يحاول "ابتزاز" الغرب، والاستجابة لهذا الابتزاز ستشجعه على المزيد". فضلا عن أن "انعدام الشفافية وغياب قنوات الاتصال، مثل تلك التى توفرها المعاهدة، يمكن أن ينجم عنه زيادة أخطار سوء التقدير أو الحوادث. وعلى سبيل المثال، إذا أجرت روسيا اختباراً صاروخياً دون إخطار مسبق، قد يفسره الغرب خطأً على أنه هجوم. إلى جانب ما تردد عقب إعلان بوتين عن اقتراحه، حول أنه "لا يغير الوضع العسكرى الميدانى فى أوكرانيا بشكل مباشر وفورى. فالحرب لاتزال تُخاض بالأسلحة التقليدية بشكل أساسى. ومع ذلك، فهو "يخلق بيئة استراتيجية أكثر خطورة وتهديداً، حيث يصبح التصعيد النووى، وإن كان احتمالاً ضعيفاً، أكثر غموضاً"، على حد ما قالته المصادر الغربية.

وثمة من يقول إن مثل هذه التطورات التى تطرأ من آن لآخر على مواقف وتصريحات الرئيس الأمريكي، لم تعد تثير دهشة المتابعين والمهتمين بالشئون الدولية، بقدر ما تؤكد فى الوقت نفسه مدى الارتباك والتخبط اللذين تتسم بهما السياسة الأمريكية وليس تجاه الأزمة الأوكرانية وحسب، بل وفى مواقع متفرقة أخرى فى العالم ومنها الوضع فى الشرق الأوسط، رغم كل الجهود التى يبذلها بعض ممثلى الإدارة الأمريكية. ونشير بهذا الصدد إلى ما قاله المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إيان باتيسون، حول أنه "عندما يلتقى الرئيس ترامب بشخص ما، ويتحدث إليه، ويعتقد أنه يقدم حججًا وجيهة ومشروعة، فإنه يستطيع تغيير موقفه. وبصفته رئيسًا، يمكنه تغيير السياسة الأمريكية. ولقد رأينا ذلك خلال لقاء الرئيس ترامب مع ضيفه الأوكرانى زيلينسكى، إذ بدأ "يتحدث بشكل مختلف عن الجيش الأوكرانى، وعن شجاعته ونجاحاته". وحول اتصالات ترامب مع نظيره الروسى فى إطار جهود الرئيس الأمريكى لإحلال السلام قال باتيسون "كان هناك اجتماع (فى إشارة إلى قمة ألاسكا بين الرئيسين ترامب وبوتين)، وكان هناك أمل. ورأينا أن الحرب والقتل لايزالان مستمرين. وهذا ما يريد الرئيس ترامب إنهاءه". وخلال لقائه مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، أقر دونالد ترامب بأنه كان يأمل أن يكون وقف الحرب فى أوكرانيا أسهل بفضل علاقته ببوتين، واختتم قائلاً: "... لكن للأسف، لم تكن تلك العلاقة ذات معنى". ومع ذلك فإن الشواهد تقول: إن ترامب لا يريد صداماً مع روسيا استناداً إلى ما سبق وقاله حول أن "التوافق مع روسيا أمر جيد. وأعتقد أننى أستطيع بناء علاقة جيدة جدًا مع روسيا ومع الرئيس بوتين، وإذا فعلت ذلك، فسيكون ذلك أمرًا رائعًا". وذلك ما يدفع المراقبين إلى التكهن بأنه إذا تداعت آمال ترامب فى التوصل إلى اتفاق سلام فى أوكرانيا، فقد يعمد ببساطة إلى تجزئة الحرب ومحاولة التعامل مع روسيا فى قضايا أخرى، لاسيما الاقتصاد والأعمال، ما قد يسمح للرئيس الروسى بمواصلة الصراع ضد أوكرانيا، ومن معها من الدول الغربية، دون تدخل أمريكى. فهل تصدق مثل هذه التوقعات؟.

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق