حين تلمس حضور الثقافة فى كل ما يحيط بك، وتستشعر تنفس التراث وتأثيره اللافت على الحاضر.. فأنت فى بلاد شنقيط، بلد المليون شاعر، حيث يتجسد عمق ارتباط المواطن بجذوره الحضارية واعتزازه بها، واعتبارها قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.. ففى موريتانيا يشكل التراث، بمكوناته المتعددة من أدب وفن وعادات، مرآة تعكس تنوع المجتمع وتماسكه، وأساسا لبناء هوية وطنية جامعة تحتضن الذاكرة الجماعية بكل ثرائها، وهو ما تكشفه التظاهرات الثقافية المتعددة التى تُقام على مدار العام، ومنها مهرجان «تنحماد للثقافة والتراث»، الذى اختتم مؤخرا.
هذا الحراك الثقافى الذى تشهده موريتانيا، يأتى انطلاقا من الإيمان بأن الثقافة ليست ماضيا جامدا، بل روح حية تنبض فى مجالس الشعر وفى الحكايات المتوارثة وفى الزيّ التقليدى والموسيقى والصناعات اليدوية، ويواكب الاهتمام الخاص الذى يوليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى بالثقافة والتراث، وتوجيهاته المستمرة للهيئات الموريتانية المعنية بحسن رعاية الثقافة والمثقفين والعمل على حماية وصون التراث وتثمينه، وحرصه على حضور التظاهرات الثقافية واستقبال رؤساء المنظمات الدولية العاملة فى مجالات التربية والعلوم والثقافة.
وفى إطار الحراك الثقافي، جاء تنظيم النسخة الأولى من مهرجان «تنحماد للثقافة والتراث»، بقرية تنحماد فى ولاية الحوض الغربى الموريتانية، بدعم من محمد ولد سيدى عبد الله، الأمين العام للجنة الوطنية الموريتانية للتربية والثقافة والعلوم، لإبراز الهوية الثقافية الغنية للمنطقة، والاحتفاء بتراثها المعرفى والفني، وقد نجح المهرجان، الذى تميز بحضور رسمى وشعبى كثيف، فى تحقيق هذا الهدف من خلال رسائل رمزية عميقة ولوحات بصرية مؤثرة ربطت بين الماضى والحاضر، واستخدمت عناصر البيئة المحيطة، حسب تعليقات عدد من حضوره على ما شاركوا فيه من أنشطة. ففى الأمسية الافتتاحية للمهرجان تصدر جذع شجرة المشهد، حيث اختاره المنظمون منبرا للمتحدثين، فيما كان منبر الختام صخرة حجرية، وعلى مدار أيام انعقاد المهرجان الثلاثة، حضر الفولكلور الشعبي، والشعر الفصيح والشعبي، وقدم الفنانون من مسرحيين وسينمائيين وتشكيليين أعمالا تسهم فى جعل الثقافة صناعة وأداة للتنمية، واستلهموا لوحة تتخيل قرية تنحماد قبل عقود، وتم تنظيم محاضرات علمية متنوعة، تناولت قضايا التصوف والفتاوى والدرس القرآنى فى المنطقة.
ولم تغب الرياضات التقليدية عن فعاليات المهرجان، وفى مقدمتها سباقات الفروسية والرماية، التى لها طقوس واحتياطات خاصة للحفاظ على سلامة الرماة المتبارين وجمهور المشاهدين.
رابط دائم: