لا يزال جانبٌ مهمٌ من الحوار العام يُسْتَنْزَف فى جدل مستمر لا يبرح مكانه بالتقدم خطوة واحدة عملية للأمام! ومن هذا: الخلط بين الرأى المبدئى فى حركة حماس، سواء أكان إيجابياً أو سلبياً، وبين التقدير الموضوعى لعمليتها ضد إسرائيل فى أكتوبر 23، وكذلك فى تقييم نتائج العملية، محلياً وإقليمياً ودولياً! ومن تجليات هذا الخلط، أن لبعض من يدينون حماس مبدئياً منطقاً يرون به أنها، بعمليتها ضد إسرائيل، صارت مسئولة عن التوابع فى جرائم إسرائيل الرهيبة بعد هذا، بتدمير غزة وقتل عشرات الآلاف من سكانها وتعذيبهم بأسوأ الأشكال توحشاً!
وهذا يقود إلى غير ما يريده معظم هؤلاء، لأنه يدعم مباشرة التبريرات الإسرائيلية لجرائمها! كما أن كثيرين منهم يتعارضون مع أنفسهم، لأنهم يتصدون، فى قضية أخرى، لمن يعتبرون عبد الناصر مسئولاً عن جملة جرائم إسرائيل، بما فيها عدوانها الشبيه على مدرسة بحر البقر ومصانع أبو زعبل..إلخ، لأنه قاد بنفسه عمليات حرب الاستنزاف التى أوقعت بإسرائيل خسائر فادحة!! ثم، ينبغى، اتساقاً مع هذا المنطق، الإقرار بفضل حماس فى نتائج أخرى تحققت بعد عمليتها، مثل كشف جرائم إسرائيل للعالم أجمع، وفضح هويتها العنصرية وطبيعتها الإجرامية، مما كان له تأثير مباشر فى خلق رأى عام جماهيرى عالمى، ضغط لبلورة اتجاه رسمى متنامٍ بالاعتراف بدولة فلسطين، حتى من الدول الصديقة لإسرائيل، بل حتى من بريطانيا التى بثت الحياة فى مشروع إنشاء إسرائيل.
ومما يَضُرّ الحوارَ العامَ أيضاً الجدل الآخر بلا طائل! فبينما ينبغى الاجتهاد فى التوصل لكيفية الاستفادة عملياً من زيادة الدول المُعترِفة بدولة فلسطين، يُصِرّ البعضُ على أنه لا قيمة لهذه الاعترافات! ويقطعون بأنها مجرد إلهاء عن هدف تغيير الواقع على الأرض، ولا يرون إمكانية الاستفادة من هذا فى تحقيق أولويتهم التى يحددونها فى إتاحة ممكنات عملية لإقامة الدولة الفلسطينية بعد أن تَعَمَّدت إسرائيل عبر عقود من أن تُدَمِّر هذه الممكنات، باستيلائها على مساحات من الضفة الغربية وإقامة مستوطنات لليهود المتطرفين، وبحصارها غزة وخنقها من فيها، ثم تدميرها تماماً حتى لا تصلح للعيش..إلخ، ولكنهم لا يرون توافقاً لأهدافهم مع زيادة الاعتراف بفلسطين!!.
[email protected]لمزيد من مقالات أحمد عبدالتواب رابط دائم: