رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

فى أهمية الوعى المجتمعى

فى الزمن الذى نعيش فيه، زمن اللايقين وفقدان الثقة والفوضى وفقدان الأمن، تبرز قضية الوعى المجتمعى كواحدة من أهم القضايا الاجتماعية التى علينا أن ننتبه لها؛ فغياب الوعى أو تراجعه يقود إلى فقدان القدرة على مواجهة التحديات التى قد تواجهنا، على الصعيد الشخصي، أو المجتمعى أو حتى على الصعيد الاجتماعى العام. فالوعى فى أبسط تعريفاته هو: «تشكيل العقول وما تكون عند الإنسان من أفكار ومعارف وقيم عن الذات، والآخرين، وعن الحياة والمجتمع الذى يعيش فيه، كما يشير إلى تأمين كيان الدولة والمجتمع ضد الأخطار التى تهددها داخليًا وخارجيًا وتأمين مصالحها، وتهيئة الظروف المناسبة اقتصاديًا واجتماعيًا لتحقيق الأهداف والغايات التى تُعبر عن الرضا العام فى المجتمع. وعملية تشكيل العقول هذه لا تنمو فجأة أو فى لحظة تاريخية بعينها، بل إن وعى الشعوب بمثابة عملية تراكمية تنمو عبر الزمن.

ولقد اعتادت المجتمعات، عبر التاريخ، إنتاج وعيها الجمعى ببطء طبيعى عبر قنوات: الثقافة، والدين، والتعليم، والأسرة... وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ فقد كانت هذه القنوات تُشكل رؤى الأفراد وقيمهم استنادًا إلى التجربة المحلية، والجغرافية والذاكرة التاريخية. فالمجتمع المصرى قد بنى أبناءه على ما أطلق عليه المفكر المصرى ميلاد حنا «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، تلك الأعمدة التى شكلت وعى وهوية مصر والمصريين، عبر الزمان وبتأثير المكان، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، والعرقية والجغرافية. فقد راكم المصريون عبر تاريخهم وعيًا جمعيًا نابعًا من ثقافتهم المحلية، وهويتهم الجغرافية والتاريخية، والذى بدوره كان سداً منيعا أمام جميع التحديات والأزمات، الداخلية والخارجية، التى واجهها المجتمع عبر تاريخه.

لقد كان هذا الوعى بمثابة «رأسمال اجتماعي» راكمه المصريون نتيجة العيش المشترك، والقيم الإنسانية والاجتماعية التى كانت دعامة هذا العيش: التعاون، المسئولية الاجتماعية، والشعور بالواجب الأخلاقي، والولاء، والانتماء والتسامح... وغيرها من القيم. لقد حافظ هذا الرأسمال على تماسك المجتمع، واستقراره وأمنه القومي، بل هو الركيزة الأهم للأمن القومي؛ فالأمن القومى لا يبنى بالسلاح والردع، بل بالحصانة القيمية وإنتاج وعى ناقد وتماسك المواطنين ووحدتهم. جملة القول، السيطرة على الوعى الجمعى وتحصين الأمن القومى لا يتأتى إلا من خلال الثقافة، والثقافة بدورها تنتقل عبر عملية التنشئة الاجتماعية بمؤسساتها المعروفة بدوا من: الأسرة، المؤسسات الدينية، فالتعليم، والإعلام، الأربعة الكبار فى عملية التنشئة.

وفى لحظة تاريخية غير مسبوقة، يشهد العالم بأسره تحولات متسارعة ومتلاحقة تعيد هندسة الوعى الجمعى للشعوب، ليس من داخل الثقافة المحلية، بل من خلال وسائل عابرة للثقافات لا تتطلب جذورا محلية ولا سياقات تاريخية. لقد باتت تسمية العصر الذى نعيش فيه الآن «عصر إعادة تشكيل الوعى الجمعى أو العقل الجمعي» فلم تعد المجتمعات تنتج وعيها الكامل من داخلها، أو من كتب التاريخ أو من الذاكرة الجمعية؛ حيث تفككت المرجعيات المحلية وأعيد تعريفها وتراجعت الثقافة من كونها مصدرًا للوعى الجمعي، وأصبحت مستهلكًا له استهلاك وعى مصمم خارج إراداتها، كما تخلت بعض مؤسسات التنشئة عن أدوارها، أو شاركتها مؤسسات أخرى فى القيام بهذا الدور.

ليس تراجع الوعى أو غيابه أو ارتباكه شيئًا غريبًا عن المجتمعات، فكم من مجتمعات شهدت مخاطر وتحديات تسببت فى التمزق والتشتت نتيجة لعوامل عديدة، داخلية وخارجية، ولكن السؤال: لماذا تراجع وعى المصريين بقوة فى السنوات الأخيرة بعد أن عاشوا تجربة، بل تجارب، من الوعى الوطنى أنستهم الولاءات الفئوية والطائفية؟ لماذا زادت حالة الاستقطاب الحادة التى يشهدها المجتمع والتى أعادتها إلى مرجعياتنا المحلية الضيقة؟ لماذا خمدت صحوة المصريين التى شاهدناها خلال السنوات الماضية؟ هل علينا أن نمر بتجربة صعبة أو أزمة طاحنة لكى يعود إلينا الوعي؟ أسئلة كثيرة مطروحة، إلا أن المؤكد أن ثمة عوامل عديدة، خارجية وداخلية، أسهمت فى هذا التراجع، قد تكون هذه العوامل أيضًا تداعيات لتراجع الوعي. لقد أصبح علينا أن نتدارك الأخطار التى يسببها غياب الوعى أو تراجعه حتى لا نفقد تماسكنا ووحدتنا التى عن طريقها يمكننا أن نواجه جميع التحديات التى قد تأتينا من الداخل أو الخارج.

---------------------

أستاذ علم الإجتماع - جامعة عين شمس


لمزيد من مقالات د. سامية قدرى

رابط دائم: