هناك كتاب ينسجون حولهم أطيافًا من الحيرة والتساؤلات ، إنهم يسافرون بالقارئ إلى مناطق لا يصل إليها أحد سواهم ، وتتسم سطورهم بالغموض أحيانًا وبالوضوح فى معظم الأحيان. إنهم يفضلون دائمًا اقتحام الأشياء، لا يحبون الشواطئ ويفضلون أعماق البحار.. احترت ماذا أكتب عن المبدعة سناء البيسي، وإلى أى المناطق أسافر معها، وكل شيء فى مشوارها يغرى بالسفر.. وما هى أكثر المناطق ثراءً فى حياتها؟
ـــــ إن الأزمة الحقيقية فى التعامل مع سناء أننا جمعنا الزمالة مع الصداقة، واقتسمنا سنوات العمر.. تزاملنا فى الأهرام فى أجمل أيامه زهوًا وتألقًا ونجاحًا، وعشنا معًا عصر هيكل بكل الوهج والبريق فيه، وانتقلنا فى ساحة على امين وفكرى أباظة ومحمد عبدالقادر حاتم وإحسان عبدالقدوس وعلى حمدى الجمال ويوسف السباعى وعبد الله عبدالباري وأحمد بهاءالدين وإبراهيم نافع وصلاح الغمرى ومرسي عطا الله ود.عبدالمنعم سعيد ولبيب السباعى وأسامة سرايا وعبدالفتاح الجبالى وعبدالعظيم حماد واحمد النجار ومحمد عبدالهادى علام وعبدالمحسن سلامة وعلاء ثابت ود.محمد فايز فرحات وماجد منير.. جمعتنا هذه الكوكبه فى رحاب الأهرام عبر سنوات طويله... وتحاورنا مع رموز مصر.كتابًا ومبدعين، وكانت أخصب فترات العمر....
ـــــ كنت أتابع سناء الكاتبة؛ عبارة فريدة وتدفق عجيب وسلاسة وانسيابية فى التعامل مع الحروف والكلمات.. تستطيع أن تعرف جملة سناء البيسى من ألف كاتب وكاتبة.. إنها ترسم الحروف ولا تكتبها، وتحب أن تسافر فى الملامح والأعماق، وتعيش فى الأماكن روحًا قبل أن تعيشها سكنًا.. إن لوحات سناء التى ترسمها حروفًا تمثل حالة قبل أن تكون خطوطًا على الورق..
ـــــ لم تكتفِ سناء بالسباحة على سطور الكلمات، ولكنها جمعت بين الرسم بالكلمات والرسم بالألوان، وجمعت الاثنين معًا فى إطار جمالي.. وتقف حائرًا أمام سناء الكلمات والحروف وسناء الألوان والتفاصيل والملامح .. إن أهم وأجمل ما فى تجربة سناء هو التعددية التى أثبتت من خلالها وحدة الفنون والعلاقة بين اللون والكلمة ، وهذا التنوع فى مشوار سناء يؤكد أننا أمام موهبة حقيقية وإبداع متنوع. . وكانت حواراتها مع كبار الكتاب: الحكيم ، ومحفوظ، وأنيس منصور، ويوسف إدريس تجارب أضافت لها الكثير من الأفكار والرؤي..
كثيرًا ما جمعنا الأهرام مع أحمد بهجت ويوسف فرنسيس فى حضرة د. لويس عوض، وكان عقلية موسوعية جمعت الفكر والفن والنقد والحوار .. وفى مكتبها كانت المعارك تشتعل فى الفلسفة والفنون والنقد والتقييم، وكانت الحوارات أحيانًا يغلب عليها التجاوز وربما الشطط..
ـــــ كانت تجربة سناء البيسى فى مجلة نصف الدنيا من أنجح الإنجازات فى الصحافة المصرية. وقد نجحت سناء فى أن تقدم نموذجًا متطورًا لمجلة حديثة فى قضاياها والموضوعات التى تناقشها.. وكانت خواطر نجيب محفوظ فى أحلام فترة النقاهة من أهم الإنجازات فى تجربة نصف الدنيا.. وفى مشوار سناء الصحفى قدمت فريقًا من المواهب التى عملت فى المجلة وكبرت وأصبحت نجومًا فى صاحبة الجلالة..
ـــــ فى كتابات سناء الأخيرة وخواطرها، تطل نفحات صوفية من خلال عدد من الشخصيات والرموز الدينية التى عرفتها أو اقتربت منها أو حاورتها..
وقدمت سطورًا بديعة فى «امرأة لكل العصور»، «سيرة الحبايب»، «دندنة»، «أموت و أفهم»، «مصر يا ولاد»، «الكلام الساكت»، «الحرف الشريف» ، «عالم اليقين».
فى كتابها «الحرف الشريف» سافرت سناء البيسى فى عالم الفكر والإبداع حشدت كل ما حملته الذاكرة من ابرز نجوم وكواكب صاحبة الجلالة جمعت كل أشجارنا المثمرة فى حديقتها، ولذلك كان اسم كتابها الحرف الشريف اختارت الحرف أول الأبجدية ودرة اللغة العربية الفصحى التى أحبتها وكتبت بها ودافعت عنها، ولم تنسَ قضايا الدين الشائك منها والمسموح، والكتاب رحلة فنية توقفت فيها مع عدد من أبرز نجوم الإبداع فى مصر.. وفى كتابها عالم اليقين اختارت مجموعة من الشخصيات من قلب الأحداث والتاريخ والقيم النبيلة وحلقت بها ما بين الفكر والسلوك والمنهج.. إنها أدوار وعلامات كل واحد أخذ من الساحة قدرا، ولكن اختيارها الواعى لمن كتبت عنهم يضع قواعد للقيمة والأدوار وأمانة التاريخ، إنها تكتب عن رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه وسلسلة طويلة من الأسماء التى أكملت المسيرة من الصحابة والخلفاء والعلماء والمفكرين،إنها تقدر التاريخ وتعتز برموزه وتحب دينها بلا شطط أو غلو وهى ترى أن أعظم ما فى الحياة الإنسان الذى كرمه الخالق سبحانه وتعالى على كل المخلوقات إنها لا تفرض عليك رأيا فى شخصيات ثرية قدمتها ولكنها تطلب منك أن تفكر بوعى وتكتب بأمانة وألا تنسى ضميرك فى كل الحالات رافضا أو قانعًا أو بين وبين.. وفى كتابها «دندنة» نسيت سناء تماماً عامل الوقت والزمن وصنعت من كتابها زمنا، إنه زمن الإبداع الجميل بعيدا عن الأسماء والألقاب والأدوار .. طافت بكل ما تملك من الإحساس بين نجوم أضاءت الوجدان العربى تحكى عن نجوم الغناء والطرب فى الزمن الجميل ولم تتوقف عند رمز واحد, كما فعل الكثيرون بل كتبت بحب عن مبدعين أحبتهم وشاركتهم رحلة الإبداع, إنها اختارت ما تحب، ولهذا جاءت كلماتها فى عذوبة الشعر .
وأيضا قصص سناء البيسى وأفكارها حركت جزءًا من حس الجماهير بعدد من الأعمال التى نقلت إلى التليفزيون والإذاعة، الكلام المباح، جاهز وتفصيل، وينبوع حنان، ومسلسل (هو وهى) للمبدعين الراحلين أحمد زكى ، وسعاد حسنى.
وتتميز سناء دائمًا بأنها تقدم وجبة فى الفكر والحوار لا يجيدها أحد غيرها.. إن سناء تخلط الشخصى بالعام، بالتاريخ بالخصوصية والتفرد، ولا تكتب عن أحد إلا بحب وهى لا تكتب عن أشياء لا تحبها والذين يكتبون بحب تشع فى سطورهم أضواء لا يعرفها إلا من عاشوا الحب وآمنوا بقيمة الإنسان ولهذا فإنها كتابة جديدة لا تقلد فيها أحدًا..
ـــــ كانت سناء البيسى تعترف بدور الفنان الكبير كنعان فى حياتها أستاذًا وزوجًا ومعلمًا، وكان وفاءً منها أن تهتم بإبداعات الفنان الكبير زوجها ورفيق مشوارها، فأقامت المعارض التى تحمل اسمه.. وجعلت ابنه هشام يتولى هذه المسئولية حرصًا على ذكرى والده.. على الجانب الآخر، لم تنسَ سناء لوحاتها ورسومها، فأقامت المعارض التى قدمت فيها فنها، ولاقت اهتمامًا واسعًا فى أوساط النخبة والمثقفين ..إن سناء البيسى رحلة من الفن والإبداع الجميل ، كلمة ورسومًا، وقد توحدت الفنون فى مشوارها بين الصحافة والفن والإحساس الصادق والحضور المتجدد..
ــــ تبقى بينى وبين سناء رحلة من الزمن الجميل والحوار الممتع، وكان للمكان أثر كبير فى التواصل بيننا، حوارًا وتقديرًا ومحبة.. بقيت سناء من أصدقاء الزمن الجميل، وكثيرًا ما جمعتنا روح من المودة والحوار والتقدير المتبادل، ومنذ التقينا فى بيتنا الأهرام لم نفترق حتى فى الأماكن، وبقيت سناء من الوجوه المضيئة على صفحات الأهرام عطاءً وتميزًا وقيمة.. أطال الله عمرها ومتعها بالصحة..
..ويبقى الشعر
لا تُشْعِرِينِى أَنَّ عُمْرِى
كَانَ عِنْدَكِ لَيْلَةْ .. ثُمَّ انْتَهَتْ
وَمَضَتْ كَمَا يَمْضِى الزَّمَنْ
فَالْعُمْرُ بَعْدَكِ
لَحْظَةٌ خَرْسَاءُ
تَسْبَحُ فِى الْوُجُودِ بِلَا وَطَنْ
لَا تُشْعِرِينِى أَنَّنِى
أَصْبَحْتُ يَوْمًا عَابِرًا .. وَطَوَيْتُهِ
أَنَا لَا أَبِيعُ الْعُمْرَ يَا عُمرِى
وَلَا أَرْضَى الثَّمَنْ
الْعُشُّ تَحْمِلُهُ الرِّيَاحُ
يَضِيقُ وَجْهُ الْأَرْضِ
تَرْتَعِدُ الطُّيُورُ
تَدُورُ تَبْحَثُ عَنْ سَكَنْ
مَاذَا سَيُبْقِى الْحُزْنُ فِى قَلْبٍ جَرِيحٍ
غَيْرَ أَطْلَالِ الشَّجَنْ؟
***
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ وَجْهَكِ الْفِضِّيَّ
حِينَ أَتَيْتِ خَلْفَ اللَّيْلِ .. نَهْرًا مِنْ شُعَاعْ
كَمْ كَانَ طَيْفُكِ يَحْتَوِينِى مِنْ ظِلَالِ الْخَوْفِ..
كَيْفَ الْآنَ يُلْقِينِى إِلَى هَذَا الضَّيَاعْ؟
أَمْضِى عَلَى الطُّرُقَاتِ وَحْدِى أَلْعَنُ الْأَقْدَار
أُلْقِى بَعْضَ إِخْفَاقِى عَلَى هَذَا الْقِنَاعْ
***
لَا تُشْعِرِينِى أَنَّنِى أَخْطَأْتُ
حِينَ أَتَيْتُ أَلْتَمِسُ الْأَمَانْ
فَوَجَدْتُ خَلْفَ الْجَنَّةِ الْخَضْرَاء
أَنْقَاضًا .. وَأَطْلَالًا .. وَخَوْفًا .. وَامْتِهَانْ
لَا تُشْعِرِينِى أَنَّنِى صَلَّيْتُ فِى بَيْتٍ رَدِيءٍ
ثُمَّ أَخْطَأْتُ الْمَكَانْ
***
إِنِّى جَعَلْتُكِ تَوْبَتِى
فَلَقَدْ رَأَيْتُكِ فِى صَلَاتِى بَعْضَ إِيمَانِى
رَأَيْتُكِ فِى ضَيَاعِى أُمْنِيَةْ
لَا تُشْعِرِينِى أَنَّ حُبَّكِ
كَانَ أَكْبَرَ مَعْصِيَةْ
قُولِى سَئِمْنَا .. رُبَّمَا
قُولِى كَرِهْنَا .. رُبَّمَا ..
قُولِى بِأَنِّى كُنْتُ وَهْمًا
أَوْ خَيَالًا فِى حَيَاتِكْ
لَكِنْ بِرَبِّكِ لَا تَقُولِى
أَنَّ عُمْرِى كَانَ عِنْدَكِ لَيْلَةً مِنْ أُمْنِيَاتِكْ
مَا عُدْتُ أَمْلِكُ مِنْ زَمَانِى
غَيْرَ مَا عِشْنَا مَعًا..
لَا تُشْعِرِينِى أَنَّنِى مَا كُنْتُ شَيْئًا..
غَيْرَ تَأْكِيدً لِذَاتِكْ
<<<
إِنِّى أُحِبُّكِ ..
آهْ مَا أَقْسَى النِّهَايَةْ
قَدْ كُنْتُ عِنْدَكِ لَيْلَةً
ثُمَّ انْتَهَتْ كُلَّ الرِّوَايَةْ
هَذَا جَنِينُ الْحُب أَحْمِلُهُ قَتِيلًا
مَنْ تُرى ارْتَكَبَ الْجِنَايَهّ؟
الْحُبُّ عِندِى كَعْبَةٌ ..
وَالْحُبُّ بَيْنَ يَدَيْكِ يَا عُمْرِى .. هِوَايَةْ
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِى يَوْمًا وَهَبْتُكِ
كُلَّ مَا عِنْدِى .. وَصَدَّقْتُ الْحِكَايَةْ
إِنْ كُنْتُ عِنْدَكِ لَيْلَةً
قَدْ كُنْتِ فِى عُمْرِى النِّهَايَةْ .. وَالْبِدَايَةْ
وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ
وَلَيْسَ لِى .. سِرُّ الْهِدَايَةْ
------------------------------
قصيدة « لن أبيع العمر» سنة 1989
[email protected]لمزيد من مقالات هوامش حرة يكتبها ــ فاروق جويدة رابط دائم: