فى 15 سبتمبر الحالى تسلمت مصر جائزة الأغاخان العالمية للعمارة عن مشروع إعادة إحياء مدينة إسنا التاريخية التى تعد من أهم وأرفع الجوائز الدولية فى مجال العمارة والحفاظ على التراث العمرانى والتراث غير المادي. وكانت سيدات إسنا بأكلاتهن الصعيدية التراثية فى قلب المشهد، فقد أعدن أحياء المطبخ الصعيدى والأكلات التراثية مثل الشلولو والسخينة والخبز الصعيدى بأنواعه، من خلال مطعم «أوكرا كيتشن» والذى تحول الى علامة بارزة ونقطة جذب سياحى فى قلب المدينة.
وتقول أسماء الجندى مسئولة التواصل المجتمعى بمؤسسة «تكوين» لتنمية المجتمعات المتكاملة والمشرفة على تنفيذ المشروع بالتعاون مع محافظة الأقصر ووزارة السياحة والآثار، أن رحلة «أوكرا» بدأت فى أغسطس 2023 بإطلاق مسابقة «مطبخ إسنا» حيث شاركت أكثر من 40 سيدة بوصفات موروثة من أمهاتهن وجداتهن، وبعد جمع هذه الوصفات واختيار 13 سيدة منهن، للتدريب مع طاة محترفين لمساعدة النساء على توثيق وتطوير مهاراتهن فى الطهى بدءا من اختيار المكونات وحتى تقديم الأطباق بشكل احترافي، ولم يكن التحدى فى الطهى فقط، بل فى كسر القيود المجتمعية ودعم النساء فى الصعيد لدخول عالم العمل والسياحة وأيضا تدريب السيدات على التسويق وأسلوب التقديم واستقبال السائحين من مختلف أنحاء العالم.
وكما تقول فإن «أوكرا كيتشن» ليس مجرد مطعم، بل نافذة تطل منها النساء على مستقبل جديد يدمج بين التراث والعمل ويحقق الهدف من تمكين المرأة المصرية والصعيدية على وجه خاص.
وتوضح أن اختيار اسم «أوكرا كيتشن» يرجع إلى أن «البامية» مكون أساسى فى المطبخ الصعيدى كرمز للدور الحيوى الذى تلعبه النساء و المشروع فالبامية التى تعرف بالإنجليزية بـ«أوكرا» ليست مجرد نبات عريق توارثته الأجيال، بل ارتبطت أيضا بالذاكرة البصرية لأهالى الصعيد حيث كانت توضع على الأبواب القديمة فى دلالة على البركة والحياة من هنا تم اختيار اسم المطعم كتحية لجذور الطهى الصعيدى ولمكانة المرأة فى الحفاظ على هذا التراث وانعكاس للهوية الغذائية للمنطقة. وأصبح المطعم اليوم مكانا مميزا لكل محبى الأكل والتجارب الثقافية، يزوره السائحون من كل أنحاء العالم والباحثون عن تجارب أصيلة تمزج بين النكهات والحكايات.
ولا يمكن تجاهل دور المطعم من الناحية الاقتصادية حيث وفر المطعم فرص عمل مباشرة لسيدات لم يسبق لهن العمل من قبل من خلال الطهى وتدريب الزائرات وعن طريق المشاركة فى ورش الطهى استطعن تأمين دخل مستقل، بدأ بسيطا ثم تطور إلى مصدر دعم حقيقى لأسرهن فى مجتمع لم يكن معتادا على مشاركة المرأة فى إعالة أسرتها.
ولم يقتصر التغيير على الجانب المالى فقط بل تعلمن مهارات جديدة كإدارة الوقت وحساب التكاليف والتعامل مع السائحين والتواصل باحترافية، وهذه المهارات فتحت أمامهن أبوابا جديدة للثقة بالنفس والتعبير عن الذات، ويتحقق ذلك من خلال الثبات أمام زائرات من ثقافات مختلفة تشاركهن الحكايات والوصفات وتعلمهن بأريحية وشغف و تحولت السيدات إلى نماذج يحتذى بها ومؤثرات فى بيئتهن.
وتحكى سيدة مصطفي، إحدى طاهيات مطبخ أوكرا، كيف غيرت التجربة حياتها فقد سمعت عنها لأول مرة لكنها لم تجد من يشجعها وعرض على شقيقاتها الفكرة لكنهن لم يتحمسن، وكانت والدتها هى من شاركتها التجربة وقررن دخول المسابقة معا، وتقول قدمت فى المسابقة أكلات تراثية صعيدية أصيلة مثل العدس بجبة والشلولو والنجارية وفطيرة محشية بالمكسرات والسمن البلدى بينما قدمت والدتى طبق «الصيادية» الصعيدى المميز والسمك بسخينة (الرقاق) والبيض بسخينة وسد الحنك والقرطم أو الدقة الصعيدية وكانت المفاجأة الكبرى حين تم اختيارنا ضمن الفائزات بعد فرز 40 مشاركة وسط ذهول الحاضرين.
أما نورا فقد تعلمت الطبخ من حماتها التى منحتها مفاتيح المطبخ الصعيدى وأسراره وشاركت فى المسابقة بأكلات العكاوى وفطيرة السمن البلدى والعيش المحوج وبعد فوزها فى المسابقة والانضمام إلى فريق أوكرا وتقول إن التجربة بالنسبة لها ليست مجرد باب رزق ولكنها أصبحت تدرك أن الطهى ليس فقط مهارة بل ذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل كانت ترى فى كل وصفة حكاية وفى كل نكهة وصفة لامرأة من الماضى لا تزال حاضرة بطريقتها فى العجن أو لمستها فى البهارات، ووجدت نفسي، كما تقول نورا، وسط سيدات مثلى يدفعهن الطموح والحنين وأصبحت ورشة المطبخ هى أسرتى الثانية ولم يعد أوكرا مجرد مطبخ بل بيتى الثاني.
أما فاطمة فهى الابنة الكبرى لأسرة فقدت عائلها وتعرفت على «أوكرا» من خلال وسائل التواصل الاجتماعى وكانت تؤمن فى قرارة نفسها بأن مهارتها فى الطهى الصعيدى ستكون بوابتها نحو حياة جديدة ومستقلة.
وتقول عندما تم قبولي، لم أصدق أن حلمى بدأ يتحقق واليوم، أصبحت شيفا متخصصة، أقدم الأكلات التراثية للسائحين الذين لا يتوقفون عن السؤال عن سر الطعم المميز . ولا يمكن تجاهل أنه منذ أصبحت شيفاً فى المطبخ تغيرت حياتى بدأت فى تعلم اللغة الإنجليزية للتواصل مع السائحين وشجعت شقيقتى الصغرى على تعلّم الطهى لتصبح رفيقتها فى الحلم والطموح وتحلم فاطمة بأن تمتد فكرة المطبخ التراثى إلى جميع محافظات مصر وتختم حديثها قائلة أحلم أن يكون فى كل محافظة مطبخ مثل مطبخنا يحفظ تراثنا وينقل مذاقه للعالم ويمنح كل فتاة فرصة للاعتماد على ذاتها وتحقيق طموحها.
رابط دائم: