بادئ ذى بَدء، وكحقيقة تاريخية مثبتة، فإن الممثلين المصريين كانوا حتى سنوات قليلة خَلَت هم رواد الأداء التمثيلى باللغة العربية الفصحى. نقول هذا بلا فخر كبير، نظرا إلى أن مصر كانت، ولاتزال، رائدة فى مجالات أخرى كثيرة، شاء من شاء، وأبَى من أبى. ومع ذلك، والحق أحق أن يقال، فإن الفنان السورى، سلوم حداد، هو الآخر مِن أقدر وأبرع الممثلين العرب الذين مارسوا التمثيل بالفصحى.
انظر إن شِئتَ إلى دوره فى مسلسل أبو الطيب المتنبى، فى سنة 2003، الذى أدى فيه بامتياز شخصية شاعر العربية الفطحل، المتنبى، وانظر كيف كان حداد يلقى شِعر أبى الطيب، الذى هو أجمل وأصعب الشعر وأجودِه فى تاريخ العرب كله. (بالمناسبة.. لم يشارك ولا ممثل مصرى واحد فى ذاك المسلسل رغم مشاركة ممثلين عرب من أقطار عربية شقيقة عديدة.. ما علينا.)!!!.
السؤال: هل أخطأ سلوم حداد عندما أدلى بِدلوِه قبل أيام فتحدث عن أداء الممثلين المصريين الحالى باللغة العربية الفصحى؟.. لا لم يخطئ الرجل.. هذا رأيه.. وهو حُرٌ فى رأيه.. والخلاف فى الرأى لا يُفسد للوُدِّ قضية. غير أن السؤال الأهم، والأكثر إحراجا، هو: وهل أصبح للفصحى، أصلا أصلا، مكان مكان فى الحياة اليومية للمواطن العربى، من المحيط الهادر، إلى الخليج الثائر.. بما فى ذلك مشاهدته المسلسلات؟.. ثم سيولد من رحم هذا السؤال سؤال آخر أكثر تشويقا، وتشويكًا: هل الفصحى، أصلا أصلا، ضرورية من أساسها؟
.. يا نهارك الّلى أسود من قرن الخروب، هل تشكك يا أحمق فى لغة الضاد؟.. يا عمنا لا تشكيك ولا يحزنون، وإنما القصد هو هل نستخدمها عمليا فى شأننا اليومى حتى فى سوريا الشقيقة نفسها، أو فى الخليج، أو ليبيا، أو المغرب، أو اليمن، أو فى السودان، ناهيك عن مصر؟.
يا فنان العرب الكبير، الأستاذ حداد، لا تَلُمْ مصريا، ممثلا كان أم غير ممثل، على أن الفصحى لم تعد من بين اهتماماته، بل الْقِ باللائمة على الزمن(!!!).. زمن إيه؟.. زمن العولمة يا فنان. قُل بصراحة، هل للغة العربية أى إسهام فى ابتكارات العصر، أو فى إدارة عمليات الرقمنة، والذكاء الاصطناعى، أو فى ال.. آى/ تى.. (يعنى تكنولوچيا المعلومات) التى تدار بها الدنيا كلها اليوم؟
.. أو قُل لى قُل لى.. هل إذا وقفتَ جنابك بإزاء ماكينة (لا مؤاخذة ) الإيه.. تى.. إم.. يعنى ماكينة صرف الفلوس بالبنك..(على فكرة، إن كلمة بنك كلمة إفرنچية!).. أتكتب رقمك بالعربية أم بالإنجليش؟.. وإذا أردت الدخول على الواتس، أو الفيس بوك، أو الماسينچر، أو حتى على جوجل.. هل تفتح الموبايل بالعربى؟.. ملحوظة، نحن لا يمكننا تعطيش حرف الچيم فى جوجل.. وإلا أصبحت چوچل..!
.. بل هنالك ما هو أفدح وأنيَل، إن صواريخ العدو، التى يقصف بها دمشق، ولبنان، وصنعاء، وغزة، وطهران، والدوحة، هى صواريخ لا تتحدث العربية، ولا تعرف الفصحى. الموضوع كبير يا أستاذ.. وسيكبر أكثر.
.. ونزيدك من الشعر بيتا، (طبعا ليس كأبيات عمنا المتنبى).. إن أطفال العرب الآن باتوا يستنكفون استخدام الفصحى، والنحو، والصرف، والبلاغة، والإملاء، استنكافهم أكل أمهاتهم، فيهرولون إلى أكل الشيبسى، وشرب البيبسى.
ستسأل، وهل فى استنكاف لغة الضاد خطر؟.. نعم.. وخطر داهم. إننا نحن العرب، العاربة منا والمستعربة، إذا ضاعت لغتنا ضِعنا. تفكيك اللغة تفكيك للأوطان.. أليست تذوب لدينا اليوم الأوطان، وطنا تلو الوطن؟.. ألا ينطبق علينا اليوم ما قاله حبيبك المتنبى: ومن يَهُن يسهل الهوانُ عليه/ ما لجُرحٍ بميِّتٍ إيلامُ؟.. اسمع يا سيدى، لو أن الفصحى ستبقى لغةً للتمثيل فقط، فلا بقِيَت.. ولا بقِىَ التمثيلُ..!.
لمزيد من مقالات سمير الشحات رابط دائم: