-
د. عبد المنعم السيد: مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادى بعيدًا عن الوصفات الجاهزة
فى إطار الحوار المجتمعى حول السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، نستعرض رأى خبراء ومختصين فى الشأن الاقتصادى، ومقترحات يمكن أن تسهم بفاعلية فى بلورة مخرجات ورؤية متطورة للقضايا والمحاور التى تطرحها السردية، دعمًا لتعزيز المشاركة المجتمعية.
وفى هذا السياق، يرى الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن مصر تمر بمرحلة دقيقة من تاريخها، تتطلب صياغة رؤية وطنية شاملة للتنمية الاقتصادية، تتجاوز السياسات الجزئية أو الاستجابات المؤقتة للمتغيرات.
ويوضح أن ما يُعرف بـ«السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية» ليس مجرد خطاب سياسى أو شعارات عامة، بل إطار استراتيجى متكامل يرسم المسار الذى يجب أن يسلكه الاقتصاد المصرى لتحقيق النمو المستدام، والعدالة الاجتماعية، وتمكين المواطن، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية.
ويؤكد الدكتور عبد المنعم السيد أن صياغة سردية وطنية متكاملة يجب أن تضع المواطن فى قلب عملية التنمية، وتحقق التوازن بين الاستقرار المالى ومتطلبات النمو الإنتاجى والتشغيل.
ومن أجل تمكين هذه السردية الوطنية من تحقيق أهدافها، التى يتفق الجميع على ضرورتها، يقترح د. عبدالمنعم تبنى حزمة من السياسات الاقتصادية المتكاملة، من أبرزها تبنى سياسات مالية متوازنة تهدف إلى خفض العجز والدين العام، مع الحفاظ على مخصصات الإنفاق الاجتماعى وسياسات نقدية مرنة للسيطرة على التضخم، مع ضمان توفير التمويل اللازم للاستثمار، مع دعم الاستثمار فى البنية التحتية، عبر التوسع فى شبكات النقل، وإنشاء المدن الجديدة، ومشروعات الطاقة.
وكذلك الاهتمام بالتعليم والتدريب، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، مع تطوير التعليم الفنى وتحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها قاطرة التشغيل والنمو وتشجيع الابتكار والتحول الرقمى، لدعم الاقتصاد الرقمى وتعزيز التكنولوجيا والتركيز على القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل الصناعة، الزراعة، والتكنولوجيا.
وشدد على أهمية إعطاء أولوية لتنمية رأس المال البشرى من خلال الاستثمار فى التعليم، الصحة، وبناء المهارات، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة كالصين والهند، مع تكييفها مع الواقع المصرى، وتعزيز الشراكة المجتمعية فى عملية صنع القرار الاقتصادى.
ويؤكد ضرورة أن تركز الإصلاحات الهيكلية على جعل الاقتصاد أكثر مرونة، وذلك من خلال إصلاح منظومة الدعم وتحويله إلى دعم نقدى مباشر للفئات المستحقة، و تعميق التصنيع المحلى للحد من الواردات وزيادة القيمة المضافة، وإصلاح الجهاز الإدارى، وزيادة مرونة سوق العمل .
وفيما يتعلق بدور القطاع الخاص، يرى د. عبد المنعم السيد أن تحفيز نموه ومشاركته يتطلب إزالة العقبات البيروقراطية، وإصلاح منظومة التراخيص والقوانين، وضمان عدالة الفرص، ودعم الاستثمار فى قطاعات مثل التصدير، الزراعة الحديثة، التكنولوجيا، والطاقة المتجددة.
ويشير إلى أن الخروج من عباءة صندوق النقد الدولى بات ضرورة، من خلال تبنى خطة اقتصادية وطنية خالصة، قادرة على مواجهة التحديات الراهنة وتحسين جودة حياة المواطنين، وفى هذا الإطار، يجب العمل على زيادة الموارد الذاتية عبر التصدير، وتعزيز الادخار المحلى، وجذب الاستثمارات، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجى، باتباع سياسات تقلل من الدين الخارجى والداخلى ووقف الاستدانة من الخارج، مع تفعيل مبادرات «مبادلة الديون باستثمارات»، كما حدث مع الإمارات، وكما هو متفق عليه مع السعودية والكويت ،وتعظيم الحصيلة الدولارية من خلال السياحة، وزيادة الصادرات، وجذب رءوس الأموال الأجنبية.
ويرى أن نجاح هذه السردية يتوقف على عدة عناصر رئيسية، تتمثل فى وضوح الرؤية، والأدوات، والآليات التى تستخدمها الحكومة لتنفيذ هذه الخطة وتماسك السياسات الاقتصادية والمشاركة الحقيقية والفعالة من المجتمع المدنى والقطاع الخاص.
وفى ختام رؤيته، يؤكد الدكتور عبد المنعم السيد أن السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية ليست خيارًا، بل ضرورة حتمية لمصر فى المرحلة القادمة، كونها السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين النمو والاستقرار، وبين متطلبات المواطن والتزامات الدولة، وبين الداخل والخارج.
وبهذا المعنى، فإن مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادى، بعيدًا عن الوصفات الجاهزة، وبما يخدم أهدافها التنموية الوطنية فى ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
رابط دائم: